مظاهر الضغط والتزوير في قضية الصحافي بوعشرين

54

العرائش نيوز:
المعطي منجيب
دخلت قضية الصحافي المغربي توفيق بوعشرين منعطفا حاسما في الأسابيع الأخيرة، فقد أصبح المجتمع المدني يجنح أكثر فأكثر إلى الدفاع عن حق المعتقل في محاكمة عادلة بعد أن ظهر أن هناك استهدافا سياسيا أكيدا لمؤسس أخبار اليوم. كما أصبحت الشبكات الاجتماعية تشكك بشكل عام في أن الأمر كله «مخدوم» وأن من يحاكم هو صحافي معارض وليس مجرما مغتصبا أو متاجرا في البشر. اجتمعت منذ أيام، ولأول مرة، عشرات الشخصيات والنشطاء الحقوقيين لتأسيس لجنة من أجل الحقيقة والعدالة في قضية الصحافي المعتقل. هكذا يستفيق أمام أعيننا المجتمع المدني من هول الصدمة التي دامت شهورا وذلك بسبب ثقل التهم وتجند الإعلام الرسمي وشبه الرسمي في حملة منقطعة النظير ضد الصحافي بدون أي اعتبار لقرينة البراءة.
قبل نهاية الاجتماع التأسيسي المشار إليه، قدم رشيد بوعشرين شهادة مؤثرة في حق أخيه توفيق والذي يقبع في سجن عكاشة البغيض منذ ثلاثة أشهر ونصف. قال رشيد ما معناه: لم أر أبدا أخي يبكي، فهو بالنسبة لي الأخ الأكبر القوي. لكن لما زرته المرة الأخيرة في السجن صحبة زوجته، سألني بحزن وصوت خفيض: هل من جديد، هل هناك تحرك في المغرب لزحزحة الظلم الجاثم علي، هل تحرك مثقفون أو حقوقيون؟ ولما أخبرته، يضيف رشيد، أن هناك اجتماعا مرتقبا حول قضيته في الأيام المقبلة، انهمرت الدموع من عينيه. إن توفيق بوعشرين، الذي يقترب عمره من الخمسين ويعاني من مرض السكري، يعيش عزلة تامة في السجن.
فهو، خارج جلسات المحكمة، يقضي يومه كاملا في زنزانة انفرادية صغيرة. كما أنه ممنوع من لقاء السجناء الآخرين أثناء الاستراحة. بل إن إرادة الانتقام منه منعته حتى من المشي إلى المتجرالسجني الصغير لاقتناء الحليب أو موس الحلاقة كما يفعل كل السجناء، لأن هذا قد يمثل «استجماما» غير مستحق في نظر من قرروا وضعه في السجن. فالشيء الوحيد المتاح له في معتقله هو العناء والعزلة والضجر طيلة اليوم. وحتى امتلاك ساعة حُرم منه لمدة ثلاثة أشهر لأن الإنسان، الذي يعيش في مكان مغلق، قد يفقد توازنه إذا ما جهل الوقت باستمرار. أما أثناء الاستراحة اليومية والانفرادية فإنه ممنوع على الحراس الدردشة معه. «إنهم يريدون دفعي إلى الجنون» صرخ بوعشرين أمام قضاته ولا من مجيب. كما أن كل دفوعات دفاعه قد رُفضت وحتى الطعن بالزور في المحاضر حُفظ. إن طاقم دفاعه قدم الدليل تلو الدليل أن الزور يمس كل ملفه، فهو اعتقل وتوبع على أساس التلبس ولم يكن هناك تلبس باعتراف المحكمة. كما أن من هيأ ملفه التقني قد حجب كل المعلومات المزعجة لسلطة الاتهام التي توفرها اللواقط الهوائية حول تواجده الجغرافي الدقيق. لماذا حجبت هذه المعلومات الحيوية؟ لأنها قد تؤكد التزوير. وكما يعلم الجميع فإن كل فيديو لما يتم تصويره يظهر فيه تاريخ اليوم والساعة والدقيقة. المشكل أن الذين هيأوا الملف في استعجال كبير لاحظوا بعد فوات الأوان أن المعلومات التي زودتهم بها اتصالات المغرب حول التواجد الجغرافي اللحظي لتوفيق بوعشرين تتناقض والتواقيت الوهمية التي أعطيت لفيديوهات التجريم. فما كان من الطاقم الذي أشرف على تحضير ملف التهمة إلا أن حجب هذه المعلومات التي تؤكد علميا وبشكل لا غبار عليه تواجد بوعشرين بعيدا عن الدارالبيضاء وإذن عن مقر مؤسسته الإعلامية التي جرت فيها كل «عمليات الاغتصاب» حسب سلطة الاتهام. ورغم أن دفاعه طلب من النيابة العامة رسميا رفع الحجب اللاقانوني والمنافي للإنصاف عن هذه المعطيات فإن النيابة رفضت بدعوى حماية المعطيات الشخصية لبوعشرين ياسلام !. وحتى لما برهن دفاعه بالدليل القاطع عن تواجد الصحافي في الرباط بفضل غرامتين بسبب مخالفة قانون السير فإن هذين الدليلين رفضتهما المحكمة. كما رفضت المحكمة أدلة أخرى كشهادة طبية تبرهن على أنه كان في المستشفى للخضوع لعملية جراحية معقدة بينما يقول تاريخ الفيديو أنه كان يضاجع فتاة في الوقت نفسه. إن ذنب بوعشرين الحقيقي، المحلل اللامع وصاحب القلم السليط، هو مقارعته، في افتتاحياته اليومية، الظلم السياسي والاستبداد وفساد النخبة فقد انتقد مثلا بقوة بنكيران لما كان هذا الأخير يعارض حركة 20 فبراير/شباط من أجل الديمقراطية، ثم عاد ليسانده لما وقف رئيس الحكومة السابق لبعض الوقت ضد الاستبداد. إن مقالاته اليومية كانت تجعل السلطوية والخوف منها، يتآكلان كل يوم أكثر. وهذا ما كان يجعله تحت تهديد دائم. كان يعلم ذلك ولا يأبه به. وحتى لما وافاه صديقه حسن طارق بخبر عاجل وبالغ السرية بأن مكتبه تحت المراقبة الإليكترونية وأن فتيات يتعرضن للضغط لتسجيل شكاية كيدية به، وأنه إذن قد يتعرض للاعتقال في أي وقت، لم يهرب للخارج ولم يقدم أي تنازل في خطه التحريري ولو تكتيكيا أو مؤقتا. وقد أكد بوعشرين للمحكمة أن ذاكرة هاتفه لازالت تحفظ هذا الإنذار الرفاقي إلا أن المحكمة تجاهلت هذه المعلومة البالغة الأهمية والخطورة.
فكيف بعد هذا، يريد منا القضاء وتريد منا السلطة أن نعتقد أن متابعة بوعشرين لا أثر فيها للانتقام السياسي وأنها مجرد قضية حق عام. ألم يبق في هذه الدولة ضمير؟ خلاصة القول: هذه يدي اقطعوها إذا كان توفيق قد ارتكب كل هاته الجرائم (اغتصابات، وإتجار بالبشر…) ليوثقها بالصوت والصورة لتكون دليلا ضده. كان يعرف أنه متابع وأن حركاته وسكناته مسجلة. وحتى إذا كان قد خانه ذكاؤه فكيف لم يعمد إلى محو آثار الجريمة لما أخبر من طرف شخصية معروفة بصدقيتها بأن مكتبه يعج بأدوات التسجيل والتنصت؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.