القصور الإيديولوجي للسلطة

314

العرائش نيوز: 

محمد الناجي

على المستوى الإيديولوجي، السلطة حاليا في حالة تردد تام. وبدقيق العبارة، إنها لم تعد تعرف إلى أين توجه رأسها، ولا إلى أين تديره. إنها في حالة حيرة إيديولوجية، تواجهها حساسيات مختلفة ومتعارضة، لكنها لا تتوفر على جواب متماسك لصدها. هناك يساريون، وإسلاميون، وشارع ينتابه الغضب من حين لآخر، ولا تعرف بأية لغة تخاطبه لامتصاص حنقه وغضبه.

في السابق، لم يكن في مواجهة السلطة سوى اليسار. وكانت حينها الحارس الأمين لمعبد الله، الحامي للتقاليد والعادات، فقد كانت الضامن والملاذ لها. خطابها الإيديولوجي كان واضحا ومتماسكا في مواجهة «مثيري الشغب»، الذين لم يكونوا على وعي بالعدو الذي أمامهم ولا بالمخاطر التي قد تقابلهم. كانت السلطة تحتكر الدفاع عن المقدس الذي كان يمثل أساس مشروعيتها.

اليوم، تغيرت الأمور. لقد أصبح أمامها يسار مفكك، أو نسمة يسار تدعي حمل لواء الحداثة، وتنظيمات إسلامية لها قدرات هائلة على التعبئة، أنهت احتكارها المطلق للدين، وتدعو مثلها من نفس منبر الله، بل وأكثر من ذلك، تقدم هذه التنظيمات نفسها على أنها الممثل الحقيقي للدين، والمؤهلة للدفاع عنه، ولمحاربة الفساد ومخاطر الحداثة.

هكذا، تجد السلطة نفسها في وضعية اختلال في موقفها الإيديولوجي: تواجه أعداء مختلفين، وهي فاقدة للتماسك الإيديولوجي. والدليل الصارخ هو تشجيعها على إحداث حزب، يعلن اسمُه نفسُه عن هذا التخبط: «حزب الأصالة والمعاصرة»، وبعبارة أخرى المعبر عن رغبة السلطة وليس عن مشروعها! إننا أمام سلطة تقتات من أي صحن حتى تتمكن من صياغة خطاب في مستوى «أعدائها». لكن هناك ما هو أكثر: إنها لا تعاني فقط، من أن الإسلاميين قوضوا لجوءها إلى الخطاب الديني  بشكل كبير، ولكنها تعاني، أيضا، من غياب نخبة حقيقية، نخبة مستعدة لتكريس نفسها للقضايا الوطنية. إن نخبتها على العكس من ذلك، مليئة بالانتهازيين المنشغلين بمصالحهم المباشرة. إذن، فبما أنها تفتقد لخطاب متماسك ومتين ومدروس؛ فإنها تتصرف كحاطب ليل تنجلي أوجه قصوره الإيديولوجي في وضح النهار: إنها تعمل بطريقة خرقاء، وأحيانا دون أية لمسة خيال وبشكل رديء. والمثال الواضح لهذا العمل الرديء، هو تلك المسيرة المثيرة للشفقة التي نُظِّمت ضد بنكيران. ومع ذلك،  لم يتم استيعاب الدرس، فها هي السلطة  تعود من جديد إلى استخدام مناهج صغيرة، بل وحتى بئيسة: مهاجمة الأشخاص في أعراضهم مهاجمة بلغت حتى الـ»بيكيني»، وإخراج قضايا متقادمة. إن مهاجمة الأشخاص هو الدليل الحاسم على أنها لم تعد قادرة على مواجهة التنظيمات من الأبواب وتهاجمها من النوافذ. وبتعبير آخر، إنها لا تملك أي جواب إيديولوجي. إن قدراتها الإيديولوجية هي في الواقع في الحضيض، وذلك لسبب بسيط؛ هو أنها في حاجة إلى الدين، ولكنها لم تعد تحسن  استخدامه لأن أساسها  في الواقع هو السيطرة على الموارد الاقتصادية، وتريد أن تكون عصرية، ولكنها عاجزة على تحمل الديمقراطية. فلم يَتَبَقَّ لها سوى العمل الأخرق والقمع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.