حصن النصر أو برج اللقلاق بالعرائش

655

العرائش نيوز: محمد عزلي  

حصن النصر السعدي هو صرح عمراني عسكري عظيم، إنه أحد فواكه النهضة السعدية خصوصا في عهد السلطان أحمد المنصور الذهبي، الذي شهد بناء أعظم وأجمل الحصون والقلاع والأبراج والقصور، معتمدا من جهة على الثروة الهائلة التي جناها المغرب من غزو بلاد السودان، ومن جهة أخرى على استغلال التقنيّة والثقافة والذوق الرفيع للموريسكيين الذين استقروا بشكل دائم في المغرب، إضافة إلى أسرى معركة وادي المخازن والجهاد البحري. 

شكل حصن النصر جزءً هاما من مخطط السلطان أحمد المنصور لتجهيز بعض المدن المحورية والإستراتيجية بالتحصينات الجديدة اللازمة لاستخدام المدفعية والسلاح الناري، وفي مقدمتها مدينة العرائش، فكان له أن شيد بها نظامه الدفاعي المتين والمتطور، حصني النصر “اللقلاق” والفتح “القبيبات” بهندسة عسكرية شبيهة بنظيراتها الأوروبية السائدة خلال القرن 16 خاصة المدرسة الإيطالية في فن التحصين الدفاعي.

دامت فترة أشغال البناء زمنا طويلا لتنتهي حسب “عبد العزيز الفشتالي” وزير القلم ببلاط السلطان أحمد المنصور الذهبي، حوالي سنة 1594م الموافق ل 1002ه، وهو نفس تاريخ انتهاء أشغال بناء قصر البديع بمراكش. وقد سمي حصن النصر تيمنا بالانتصار العظيم الذي حققه المغاربة في معركة وادي المخازن أو معركة الملوك الثلاثة التي منحت المغرب هيبة كونية، ومسحت البرتغال من الخريطة الأيبيرية لمدة 93 سنة. 

يقع الحصن جنوب شرق مدينة العرائش ليحمي برها من جهة القصبة والسهل الهبطي المطل على جنوب المدينة امتداداً إلى نهر اللوكوس، ويقوم المبنى على قاعدة مثلثة  مع معاقل كبيرة على شكل رأس سهم، وهي عبارة عن أبراج بقي منها اليوم البرجين الجنوبيين. تبلغ مساحته المشيدة 348.87 متر مربع، ومساحة الفناء المكشوف (ساحة السلاح) 303.80 متر مربع وهو عبارة عن بهو مثلث تحته دهليز يشاع أنه خزان للمياه، لكننا نعتقد أنه مخبأ آمن ومدخل لسراديب مؤدية إلى خارج الحصن وهو الأمر الطبيعي في هندسة مثل هكذا حصون عسكرية تاريخية.

استخدم في بناء الحصن تربة مدكوكة مع بعض الأجزاء من الطوب معززان بالحجر باستثناء الفتحات والقبب المدعمة بالأجور. يبلغ ارتفاع الأسوار بين 12 و 14 متر حاليا بينما كان طولها أزيد من ذلك قبل دك الخنادق المحيطة بالحصن، حيث عوضت هذه الخنادق اليوم بالطريق المؤدية إلى الميناء من جهة والحديقة جنوب الحصن “حديقة الهسبيريدس” أو “حديقة الأسود” التي استحدثت في عهد الحماية من جهة أخرى. الباب الرئيسي يتواجد بالواجهة الشمالية الشرقية، هذه الأخيرة أي البوابة مع القسم الشمالي عرفت على ما يبدو تعديلات عمرانية زمن الاحتلال الإسباني الأول في القرن 17م (1610/1689)، حيث نجد زخرفة الكنائس الرومانية يعلو قوس المدخل، وقد ربط الحصن بالأسوار الدفاعية الجديدة بناءً على التصاميم التي خطها مهندس البلاط الإسباني “باوتيستا أنتونيللي”، وعُرف الحصن من خلال العديد من التصاميم والنصوص التاريخية في هذه الفترة بأسماء مختلفة من قبيل (حصن سانتا ماريا دي أوروبا Castillo Santa Maria de Europa) و (حصن البر Castillo de Tierra) و (الحصن الجديد Castillo Nuevo).

كان الحصن يحمل ترسانة دفاعية مهمة من الأسلحة النارية والمدافع التي بلغت 42 قطعة بما فيها القطع البرتغالية البرونزية المغنمة من معركة وادي المخازن، الشيء الذي حصن ثغر العرائش بشكل محكم وجعل اختراق المدينة أمرا بالغ الصعوبة بدليل المحاولات المتكررة للمجاهدين المغاربة الأشاوس مثل (المجاهد العياشي، والخضر غيلان)، بل وحتى الجيش الإسماعيلي الذي حرر المدينة عام 1689 م، حيث اضطر لمحاصرة المدينة مدة تتراوح بين 3 و 5 أشهر عانت فيه قوات الاحتلال من التجويع والقصف الناري المستمر، إلى أن استسلم الإسبان أخيرا لكن بعد أن تضرر الحصن وباقي التحصينات الأخرى لثغر العرائش، وهو الشيء الذي تثبته التركيبات المختلفة للصيانة التي تعاقبت على الحصن واختلافها مع البنية الإنشائية للمعلمة السعدية.

أكمل الحصن دوره الدفاعي على مدى حقبة حكم الأسرة العلوية الشريفة إلى غاية الاحتلال الإسباني الثاني في القرن العشرين حيث استغلته سلطات الحماية كمستودع للأسلحة وهو الأمر الذي جعل العامة يسمونه ب (الهري) وهي كلمة عامية محلية تعني المستودع. في هذه الفترة تحديدا هدم البرج الشمالي بغرض إقامة الإضافات التي عرفها قصر المولى إسماعيل والذي حوله المستعمر الإسباني لما نعرفه اليوم بالكومندانسيا بدليل بعض الصور الفوتوغرافية الجوية التي أخذت في عهد الحماية يظهر فيها البرج الشمالي سليما قبل ظهور صومعة الكومندانسيا.

تجدر الإشارة أن الحصن اقترن بساكن مهاجر وفيّ هو طائر اللقلاق، الشيء الذي جعل الإسبان والمغاربة على السواء يطلقون عليه تداولا (برج اللقلاق)، وهو الاسم الذي ورثته أجيال ما بعد الاستقلال وبقي معروفا به إلى اليوم.

صنف المبنى سنة 2006 كمعلمة تاريخية ضمن قائمة التراث الوطني مستفيدا من القانون 22-80 المتعلق بالمحافظة على المباني التاريخية والمناظر والكتابات المنقوشة والتحف الفنية والعاديات، ولكم يدهشني كما يدهش العديد من زواره أنه لازال صامدا ومقاوما للزمن والإهمال، ينتظر من سيقوم بمد يد العون له وانتشاله من محنته وإعادة هيبته بين العمران، وإنقاذه من الضياع كما سبق وأنقد آباءنا وأجدادنا وديننا وأراضينا من الهوان، أتخيل منظره بعد الترميم وإعادة التأهيل في كامل رونقه وجماله ونظافته، فاتحا أبوابه للزوار من كل أرجاء الكوكب لنقول لهم، هذه حضارتنا، هذا تاريخنا، هذه مدينتنا و بلدنا، وهذا شاهدنا على عصر أمجادنا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.