دوكيسا، ملكة فرنسا التي عاشت في العرائش

518

العرائش نيوز: محمد عزلي

دوكيسا كلمة لاتينية تعني (الدوقة)، فمن تكون هذه الدوقة أو الدوكيسا التي ارتبط العرائشيون بالوفاء لذكراها ؟ من تكون هذه التي تركت عرشها وبلدها وقارة أوربا لتعيش وتموت بمدينة غريبة عن هويتها ؟ من تكون دوكيسا التي دونت اسمها في التاريخ الفرنسي والبلجيكي والبريطاني والإسباني والمغربي، وفرضت اسمها على ذاكرة المغرب عموما والعرائش على وجه الخصوص ؟
* الاسم و الصفة
إنها إيزابيل أورليان أو إيزابيل ماري لور أورليان، ولدت في 7 مايو 1878 في شاتو دوو ب نورماندي بفرنسا، عضوة بمجلس نواب أورليانز la maison capétienne d’Orléans، هي في نظر الأسرة الملكية الفرنسية والعائلات الفرنسية النبيلة وأهل المواثيق بالفاتيكان “ملكة فرنسا” من 1926 إلى يوم وفاتها في 21 يناير 1961 بالعرائش.
* الأسرة
إيزابيل هي ابنة فيليب أورليان أو “فيليب السابع” (1838-1894) كونت باريس ووريث العرش الفرنسي، والدتها هي الأميرة ماري إيزابيل أورليان ( 1919/1848)
تزوجت الأميرة في 30 أكتوبر 1899 من الأمير جون أورليان أو “جون الثالث” ( 04-09-1874 / 25-08-1940 )، “دوق دوغيز “« Duc de Guise » وأنجبت منه أربعة أطفال، 3 بنات وولد تميزوا جميعهم بالوسامة والأناقة والوجاهة تماما كوالدتهم وهم كالتالي :
1- إيزابيل أورليان (1900-1983) التي تزوجت مرتين الأولى من الكونت برونو دي هاركورت (1899-1930) والثانية من الأمير بيير مورات (1900-1948) الذي أنجبت منه 4 أطفال
2- فرانسواز أورليان (1902-1953) التي تزوجت الأمير كريستوفر دو غريس (1889-1940)، ابن جورج الأول ملك اليونان فأنجبت منه الأمير مايكل دو غريس.
3- آن أورليان (1906-1986) التي تزوجت ابن عمها أمير أميدي دي سافوا أوست، دوق أوستا، ونائب الملك في إثيوبيا، أنجبت منه ابنتان.
4- هنري أورليان (1908-1999)، “كونت باريس” وريث عرش فرنسا تحت اسم “هنري السادس”، الذي تزوج من قريبته إيزابيل اورليانز وبراجانز وأنجب 11 طفلا.
* السيرة
عرفت الأميرة عند أهلها بلقب ميو «Miou» وأمضت سنوات الطفولة الأولى من حياتها ب نورماندي في كنف والديها إلى غاية العام 1886 عندما شملهم قانون النفي من خلال التشريعات التي مست أفراد الأسرة الملكية بفرنسا من قبل حكومة الجمهورية الثالثة.
غادرت الأميرة رفقة أسرتها في سن الثامنة باتجاه المملكة المتحدة، إلا أنهم لم يسلموا من المضايقات لينزحوا نحو إسبانيا المناهضة والمتوجسة من الجمهوريين الفرنسيين فنزلوا ب فيلامانريكي سيوداد ريال دي لا كونديسا. كانت الأميرة تعود بين الفينة والأخرى إلى فرنسا بما أن قانون النفي لم يكن يسري على السيدات كما هو منصوص عليه في قانون ساليك.
أصبحت الأميرة امرأة شابة وجميلة جدا، كما أنها كانت معروفة بأناقتها ووجاهتها ورشاقة قوامها الطويل 1.8 م بالإضافة إلى أنها أميرة بنت ملك، كل هذا جعل منها هدفا منشودا للخطاب النبلاء، فكان أبرزهم أمير بلجيكا آنذاك الملك ألبرت الأول (1875/1934) الذي أحبها وأراد الزواج منها، إلا أن عمه الملك ليوبولد الثاني منعه من ذلك تخوفا من ردود الأفعال الفرنسية وما قد يترتب عنه من مشاكل مع الجمهوريين والأسرة الملكية.
في سنة 1899 تزوجت إيزابيل في سن 21 سنة من الأمير العملاق (2 متر في الطول) جون أورليان، وتلقت الأميرة مع زوجها بهذه المناسبة من أخيها الملك فيلب الثامن (06-02-1869 / 28-03-1926) لقب دوقة و دوق دوغيز «duc» et «duchesse de Guise»
* دوكيسا في العرائش
ظلت الأميرة وزوجها وبناتها الثلاث بفرنسا يعيشون بين باريس وأراضيهم بمنطقة نوفيون أون ثييراش Nouvion en Thiérache إلى غاية ولادة ابنها الأمير هنري سنة 1908 فتخوفت عليه وعلى مستقبل وأمن العائلة التي تحمل شرعية وراثة العرش الفرنسي، فقررت الأسرة الرحيل سنة 1909 في اتجاه المغرب، وتحديدا بمدينة العرائش حيث سكنت قصر الهيسبيريس أو قصر دوكيسا “فندق الرياض حاليا” الذي كان في حوزة العائلة الملكية رفقة أراضي زراعية شاسعة تمارس فيه الفلاحة العصرية.
في عام 1912 أصبح المغرب محمية فرنسية / إسبانية، فخضعت العرائش إلى الحكم الإسباني، ومن حسن حظها أن قانون النفي لم يكن يطبق على الأراضي المغربية، مما جعلها تعيش وأسرتها بأمان تام، حتى أن زوجها الدوق تركها مع أبنائه في العرائش خلال الحرب العالمية الأولى ليباشر دوره كمندوب للصليب الأحمر على الحدود الفرنسية.
* تنصيب الملكة
في سنة 1926 توفي شقيقها الملك فيلب 8، فانتقلت الدوقة والدوق للإقامة في مانوار دانجو Manoir D’anjou في بلجيكا بصفتها الوريثة الشرعية وملكة فرنسا، كما عين زوجها الدوق رئيسا لمجلس نواب أورليانز، وقد طبعت المرحلة تحركات الدوق السياسية ونشاطات الدوقة الاجتماعية والإنسانية، حيث كانت ترعى مؤسستها الخاصة برعاية أطفال الفقراء، وفي هذا التوقيت تحديدا سينحت للملكة تمثال رخامي وابنها الأمير هنري تمثال من النحاس بيد النحات الشهير فيليب بينسارد Philip Bensard.
* العودة النهائية والاستقرار بالعرائش
عند اندلاع الحرب العالمية الثانية، عادت أسرة دوكيسا إلى قصرهم بمدينة العرائش، وبعدها مباشرة توفي الدوق جان دو أورليان سنة 1940 بسبب أزمة صحية ألمت به عند سقوط باريس في يد الألمان، الشيء الذي لم يحبط دوكيسا بل جعلها أكثر إصرارا على مواصلة المشوار الإنساني وحسن تربية الأمراء وتسيير الممتلكات وتبني ورعاية الأطفال الفقراء من خلال مؤسسة “كاسا ديل نينيو”.
يحكي سكان ضواحي العرائش عن عشقها الكبير للخيول، حيث كانت تحب التجوال مع أفراد أسرتها وحرسها وبعض المقربين منها على ظهور الخيول المروضة الجميلة التي كانت تمتلكها حيث كانت تثير انتباه وإعجاب واندهاش الأهالي، كما كانت تدأب على الخروج كل يوم أحد للتمتع بطبيعة المنطقة الخلابة على متن سيارتها بمعية سائقها. أحبت العرائش وأهلها فجعلت تغدق العطاء على فقرائها، فكانت الأهالي تتسابق لتحيتها عند خروجها للكنيسة، وغالبا ما كانت توجه لها دعوات رسمية من السلطات الإسبانية المحتلة لتشريفهم في كل مناسباتهم واحتفالاتهم وأهم أحداث عصرهم، فقد شهدت على سبيل المثال افتتاح ( الملهى العسكري، البنك المخزني، المجموعة المدرسية، المستشفى العسكري…).
ربطت دوكيسا علاقات وطيدة مع الأسرة الملكية المغربية الشريفة وأسرة الجنرال امزيان، وهذا ما يفسر ما يقال أنها أهدت قصرها للدولة المغربية، فقد كان القصر محلا لإقامة الملك الراحل الحسن الثاني فينزل فيه كلما زار العرائش، ثم أصبح تحت سيطرة المكتب الوطني للسياحة، إلى أن تم تفويته ضمن عمليات الخوصصة التي شملت عدة مِؤسسات عمومية.
عرفت دوكيسا بتواضع قلما نجده في وسط ثري عرف بالوجاهة والسلطة في بلد كفرنسا. تحكي بعض النصوص التاريخية أن الدوقة كانت تعود المرضى والفقراء، وقبل مغادرتها تضع مبلغا ماليا تحت وسادة المحتاج دون إشعار أصحاب الدار تفاديا لإحراجهم، يحكى على سبيل المثال أنها سافرت إلى الدار البيضاء لزيارة محاسبها السيد مخلوف عندما علمت أنه طريح الفراش، فاستغرب أهل المريض كثيرا للبادرة واندهشوا لمدى إنسانية وتواضع هذه السيدة النبيلة. بهذا الخلق كسبت االدوقة الفرنسية قلوب العرائشيين والمغاربة عموما، فوجدت فيهم المضيف المؤنس والسلوان الجميل في نفيها من أرضها ونزع عرش أسلافها، وما عودة دوكيسا بأسرتها إلى العيش بشكل نهائي في هذا المكان إلا دليل على أنها لم تجد للعرائش بديلا في أوروبا، كيف لا وقد وجدت الدفء الاجتماعي بمعية أسرتها، الجمال الطبيعي للمدينة ونواحيها، عراقة المكان وسحر تراثه، وشهامة الإنسان المغربي وتعايشه النموذجي مع الآخر.
توفيت الدوقة في 21 يناير 1961 بالعرائش ودفنت فيها إلى أن تم نقل جثمانها وجثمان زوجها الدوق جون الثالث إلى المقبرة الملكية بكنيسة سان لويس في دروو بفرنسا في عهد الملك الراحل الحسن الثاني الذي كانت تربطه علاقة جيدة بالدوقة وعائلتها الملكية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.