عندما يعاقب العرب المغرب وقطر

359

العرائش نيوز:

أمجد أحمد جبريل

لم يكد العام الأول من حصار قطر يطوي أوراقه راحلاً، حتى برزت واقعةٌ جديدة تؤكد تدهور العلاقات العربية البينية، وانتقال صراعات العرب من المستوى الرسمي/ الحكومي إلى مستويات أعمق، تؤذي المجتمعات والشعوب، وهويتها ومشاعرها، ناهيك عن مصالحها.
نحن إذاً أمام فصلٍ آخر من صناعة “الكراهية المتبادلة” ونشرها بين الشعوب العربية، والقضاء على مشاعر “التضامن العربي”، حتى في حدّها الأدنى، نتيجة سوء حسابات بعض النظم العربية واستبدادها الطويل، وفجاجة تصريحات مسؤولين عن السياسة والرياضة، وإصرارهم الديماغوجي على الالتحاق بالحليف الأميركي، ومواصلة دعم الرئيس دونالد ترامب، سراً وجهراً، في ما يطلبه وأكثر، من صفقاته المتوالية التي تندرج تحت بند “أميركا أولاً”، وأخطرها “صفقة القرن” الجارية على قدم وساق، بغية تصفية قضية فلسطين، وإعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط برمته.
قد يحسب بعضُهم، مخطئاً، تصويت دولٍ عربية ضد ملف استضافة المغرب مونديال 2026، وانصرافهم إلى تأييد “الملف الثلاثي المشترك” لأميركا وكندا والمكسيك حدثا هيّنا، لكنه ليس كذلك؛ فالمسألة ليست شأناً رياضياً فحسب؛ إذ تتعلق بتضييع فرصة حقيقية، وإهدار مناسبة إعلامية/ دعائية نادرة لإظهار المكانة السياسية والثقافية لمن ينال فرصة تنظيم هذا الحدث الرياضي الكبير الذي يخطف أبصار المهتمين في أركان المعمورة.
وعلى الرغم من تبريرات الساسة العرب، وشطط بعضهم في التبرير، فإن المواطن العربي قد لا يتفهم أبداً كيف تصوّت اتحاداتٌ رياضية عربية لإقامة المونديال في أميركا وأكنافها،
“ما عاد العرب الرسميون يملكون قراراتهم بسبب ذلك النهج السعودي الإماراتي العقيم”
وحرمان دولة عربية، فكيف أصبحت العلاقات الخليجية – الأميركية تتقدّم على العلاقات العربية البينية؟ قد يصعب تفسير هذا “النمط التصويتي المُستَهجَن” لسبعة اتحادات عربية ضد المغرب، بدون ردّه لأسباب سياسية/آنية/ شخصانية، تتجاوز قطعاً الوظيفة الحضارية للرياضة في التقريب بين الشعوب والثقافات.
وفي هذا السياق، ثمة مستجداتٌ خطرة في العلاقات العربية البينية؛ إذ جرت في مياهها عواصفُ كثيرةٌ منذ حصار قطر، إلى التصويت ضد ملف المغرب. ويمكن إجمالها في ثلاث ملاحظات:
أولاها أن هذه الركلة “السياسية/ الرياضية” للمغرب، تُعيد التذكير بتصريحات ومواقف عربية لا تزال تنضح بالحقد على نجاح الدوحة، قبل بضع سنوات، في تقديم ملف متميز حازت به تنظيم مونديال 2022. وإذ يستكمل حصار قطر عامه الأول، وسط توقعاتٍ باستمراره، فلا تزال حاضرة في الذاكرة الثلاثة عشر مطلباً التي تقدمت بها دول الحصار شرطاً لرفعه، وجوهرها الانصياع لهيمنة ثنائي الرياض/ أبوظبي، بما يفضي إلى ضرب اقتصاد قطر وإعلامها، وتقويض نموذجها السياسي/ الثقافي برمته. وفي حالة المغرب الذي يحتفظ بعلاقات جيدة مع السعودية والإمارات، فاجأ حلفاءه برفض تأييد حصار قطر؛ فبادر، في الأسابيع الأولى للأزمة الخليجية، بإرسال طائرة من المعونات الغذائية إلى قطر، في خطوة “تضامنية رمزية”، كما زار العاهل المغربي، محمد السادس، الدوحة، في إطار جولته الخليجية في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي. وبهذا تكون الرباط قد استحقت، من وجهة نظر ثنائي الرياض/ أبوظبي، ومن لفّ لفهما من العرب، أن تُعاقب بالحرمان، مثل الدوحة، والسبب هو الطموح، والرغبة في “الاستقلالية” في الحالتين ضد أحلام هذا الثنائي، الساعي إلى الهيمنة على العرب أجمعين.
الملاحظة الثانية أنه على الرغم من أن التصويت العربي لم يكن ليُغير النتيجة لمصلحة المغرب، لأن ثمّة فرقاً كبيراً بين ملفها وملف “الثلاثي”، فإنه كان سيعني وجود إدراك لدى الساسة العرب بعدم التضحية ب”مصالح الحد الأدنى” العربية، من أجل إرضاء واشنطن، سيما الرئيس ترامب. وبعبارة أخرى، فإن العرب الذين صوتوا لمصلحة ملف الرباط (14 اتحاداً رياضياً): الجزائر وقطر ومصر وفلسطين وتونس وسلطنة عمان واليمن والسودان وموريتانيا وسورية وليبيا وجيبوتي والصومال وجزر القمر، ربما أدركوا أهمية تعزيز موقع العرب في الأحداث الرياضية العالمية.
المفارقة أن إقليم المغرب العربي كله، على الرغم من الخلافات السياسية بين أعضائه، صوّت مع ملف المغرب. في حين صوّت إقليم الخليج العربي (عدا قطر وعُمان) للملف الثلاثي، على الرغم من متانة العلاقات الخليجية – المغربية. ولعل هذا ما سيدفع الرباط إلى التعبير عن غضبها “المشروع تماماً” تجاه “دول الضد”، ببعض الخطوات الرمزية، مثل اعتذار الرباط عن المشاركة في اجتماع لوزراء الإعلام لدول التحالف العربي، في جدة.
وتتعلق الملاحظة الثالثة بنتائج استخدام أدوات العقوبات (مثل: الحرمان، والمنع، والحصار والمقاطعة، والتجويع، والحرب) في العلاقات العربية البينية، ومنها ما قام به ثنائي الرياض/ أبوظبي، ولا يزال، على مدار العام المنصرم، في عدة أماكن عربية. وسيرتدّ استخدام هذه الأدوات الإكراهية/الخشنة، في المدى البعيد، على من يتولى كبرها من العرب؛ فبعد عام من حصار قطر، تراجع نفوذ دول الحصار، وتشوّهت صورتها، وافتضحت انتهاكاتها حقوق الإنسان، وظهرت النتائج الكارثية التي جرّتها حرب اليمن على ثنائي الرياض/ أبوظبي، وعلى الخليج بأسره، فبات يشهد أسوأ حالات انقسامه، مع دخول مجلس التعاون الخليجي مرحلة
“الأزمات والعداوات المجتمعية تبقى أكثر خطورةً، لأنها تترك رواسب سلبية فى النفوس، قد يصعب علاجها بسرعة”
التجميد، لمصلحة تعزيز التنسيق السعودي/ الإماراتي. أما قطر، فطوّرت هويتها الوطنية، وحوّلت الحصار فرصةً، فباتت البلد أكثر صموداً واعتماداً على نفسه، في بيئةٍ إقليميةٍ/ دولية، تعجّ بالاضطرابات والمشكلات.
ولعل المغرب يستفيد أيضاً من مكائد “أشقائه العرب”، بتطوير ملفه لمونديال 2030، وإعادة رسم تحالفاته وعلاقاته الخارجية، بما يخدم مساره التنموي/ التحديثي. ومن حق الشعب المغربي أن يتألّم من “خذلان العرب”، مثل شعوب اليمن وسورية وليبيا والعراق وفلسطين والأردن ومصر. ومثل شعب قطر أيضاً الذي فوجئ بالحصار، بين عشية وضحاها، في ذكرى هزيمة 1967 التي لا تكاد الشعوب العربية تخرج من إحباطاتها ومراراتها النفسية، حتى تُساق مجدّداً إلى حظيرة الطاعة للسيد الأميركي ووكيله الإسرائيلي، الجاثميْن على الرقاب والصدور، بفضل أنظمة الاستبداد العربي الطويل، ذات الباع في القمع الأمني/ العسكري التي جلبت الفشل الاقتصادي/ التنموي.
ما عاد العرب الرسميون يملكون أغلب قراراتهم، بسبب ذلك النهج السعودي/ الإماراتي العقيم، القائم على تأزيم العالم العربي، ومعاقبة من يرفضون هذا النهج، ما يصعّب الحديث عن أي مستوى من “التضامن العربي الشكلي”، ناهيك عن افتضاح الاستخدامات التوظيفية لمفاهيم: “النظام العربي”، و”الأمن القومي العربي”، و”العمل العربي المشترك”، في ظل نقل الخلافات الرسمية، إلى المستوى المجتمعي/ الهوياتي العربي.
ولئن كان سهلاً زوال العداء بين الحكومات، فإن الأزمات والعداوات المجتمعية تبقى أكثر خطورةً، لأنها تترك رواسب سلبية فى النفوس، قد يصعب علاجها بسرعة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.