التنشئة الرياضية من حضن الدولة إلى حضن السوق

385

عبد السلام التدلاوي
يثير غياب اللاعب المحلي عن تشكيلة المنتخب الوطني العديد من التساؤلات عن جودة التكوين و التنشئة الرياضية وطنيا مقارنة مع الدول الأوروبية. إذا كانت الظاهرة عامة في كرة القدم منذ تسعينيات القرن حيث بدأ زحف اللاعبين من أبناء المهجر على تشكيلة المنتخب، منهم من يزاول في أندية الدرجة الثانية، فإن الأمر أخذ ينتقل إلى رياضات أخرى ككرة السلة.
من المؤكد أن توفرالإمكانيات المتاحة للأندية الأوروبية و نذرتها بالنسبة لنظيراتها بالمغرب يعد عاملا أساسيا يؤثر في جودة التكوين.
بالعودة إلى مونديال 1986 و الوقوف عند مستوى اللاعب المحلي آنذاك يلاحظ أن مستوى هذا اللاعب تراجع بشكل كبير في الٱونة الأخيرة. نفس الملاحظة يبديها المتتبعون للشأن الرياضي حول تدني المستوى في جميع الرياضات دون استثناء. الأمر الذي يدفعنا للتساؤل حول من كان يقوم بدور التنشئة الرياضية خلال القرن الماضي ولمن أوكلت اليوم؟ و على أي منطق و أسس تقوم عليه هذه الوظيفة ؟
في مدينة ذات تاريخ رياضي حافل كالعرائش، حيث ازدهرت رياضات ككرة القدم و كرة السلة و كرة الطائرة في الستينيات و السبعينيات من القرن الماضي، حيث كانت تمارس أو تقترب من الممارسة مع أندية الصفوة، كان للدولة عن طريق مندوبية الشبيبة و الرياضة دورا فاعلا في رعاية النشء رياضيا عن طريق أطر المندوبية و الذين كانوا يقومون بتعليم الرياضات خاصة كرة السلة و بدرجة أقل كرة الطائرة. لهذا السبب بالذات لا زال الإسم المتداول لملعب الميناء هو “الشبيبة”.
فيما يخص تدريب الفئات الصغرى لدى أندية الرياضتين، لم يكن الأمر إلا استمرارا للعمل الذي كان يقوم به مدربو مندوبية الشبيبة و الرياضة، حيث كان يتطوع أساتذة التربية البدنية لتدريب الفئات لدى الأندية. هذا العمل التطوعي الذي كان موجها لجميع الشرائح الاجتماعية و كان يحقق بالإضافة إلى التكوين الرياضي اندماجا اجتماعيا ، سيتراجع بشكل كبير مع ظهور مؤسسات التعليم الخصوصي التي بدأت توفر دخلا إضافيا مغريا، و بالتالي أصبح غياب أساتذة التربية البدنية عن تدريب الفئات الصغرى ذا أثر بالغ لتدني مستوى التدريب، حيث أصبح الأمر يوكل للاعبين سابقين،عادة لا تطول مدة التزامهم لأولويات أخرى تحول دون استمرارية تطوعهم لدى الأندية، عكس ما كان عليه الأمر مع أساتذة التربية البدنية.
في الآونة الأخيرة بدأت تظهر تشكلات رياضية على شكل مدارس رياضية تتخذ صفات الجمعيات قانونيا، لكنها أقرب إلى المقاولة الرياضية وظيفيا، منها ما يشبه التعاونية و منها ما هو أقرب إلي مقاولة الفرد صاحب القرار و المستخدمين. هذه المدارس أخذت تنتشر بشكل ملفت في جميع المدن، و أصبحت تقوم بدور التنشئة الرياضية، إلا أن جودة التدريب داخلها يخضع لمنطق السوق، حيث السعر المؤدى عن الخدمة تقابله جودة التجهيزات الرياضية المتوفرة للمتدرب و كذلك جودة الإطار الرياضي.
تتطلب المدارس الرياضية واجبات شهرية حسب مداخيل الفئات الاجتماعية لأولياء أمور الأطفال المتدربين، فعادة المدارس المتطلبة لرسومات متوسطة توظف لاعبين سابقين زاولوا في أندية الدرجة الثالثة من غير تكوينات أو خاضعين لتكوينات لا تتجاوز أياما معدودة توفرها العصب الرياضية، في حين المدارس ذات الرسومات المرتفعة تستطيع توفير أطر من لاعبي الدرجة الأولى ذوي تكوينات جيدة عادة ما تكون من دول أوروبية.
إننا أمام ظاهرة تسليع التنشئة الرياضية، في تراجع لدور الدولة في توفير هذه الخدمة التي كانت إلى عهد قريب تعتبر خدمة عمومية. أمام تغلغل منطق السوق، و التوجه إلى احتكار الرياضة من لدن الفئات الاجتماعية ذات الدخل المرتفع، على الدولة أن تستعيد المبادرة لتحقيق تكافؤ الفرص في الحصول على تنشئة رياضية عن طريق استعادة الدور الذي كانت تقوم به مندوبيات الشبيبة و الرياضة، و كذلك على الجماعات الترابية أن تتدخل بدورها في اعتماد معايير اجتماعية في توزيع منح دعم الأندية و الجمعيات الرياضية، كنسبة المستفيدين من ذوي الإعاقة، الأطفال من أحياء مهمشة، الأيتام…إلخ، على غرار الأدوار الاجتماعية التي تقوم بها الجماعات الترابية في الدول الأوروبية التي تتخذ الرياضة مدخلا للإدماج و التنشئة الاجتماعية، و لعل هذا ما أنتج لاعبين متألقين من أبناء المهاجرين على الرغم من انتمائهم لأحياء هامشية، حيث ينطبق المثال على جل لاعبي المنتخب المغربي لكرة القدم تحديدا. أخيرا، نتذكر أن هيئة دستورية تدعى هيئة المساواة و تكافؤ الفرص و مقاربة النوع لها دور استشاري على صعيد الجماعات الترابية، نتساءل عن إضافاتها و ما مدى مراقبتها لتدخلات المجلس في المجالات التي أنشأت من أجلها و خاصة في المجال الرياضي؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.