عبد النباوي.. إسبانيا والجنس

200

العرائش نيوز:

سليمان الريسوني

في آخر خرجة إعلامية له، وما أكثر خرجاته هذه الأيام، قال السيد محمد عبد النباوي لوكالة الأنباء الإسبانية «إيفي»، عن القوانين المجرِّمة للعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج والعلاقات المثلية.. إن «هذا الجيل من حقوق الإنسان غير مقبول في الثقافة المغربية».

رئيس النيابة العامة لم يكن عليه أن يتحدث في هذا الموضوع وبهذه الطريقة لاعتبارين اثنين؛ أولا، لأنه ليس مُشرعا حتى يحدد القوانين والحقوق التي تليق بالمغاربة من تلك التي لا تلائم ثقافتهم. لقد كان دستور 2011 قريبا من التنصيص على حرية المعتقد، وهو أمر بات تحققه مرتقبا مع أول تعديل دستوري مقبل، خصوصا بعد تصريح الملك بأنه أمير لكل المؤمنين وليس للمسلمين فحسب.

فهل سنعاقب شخصين بالغين تجمع بينهما علاقة رضائية في دستور ينص على حرية المعتقد، أم إن السيد عبد النباوي سيأتي لاحقا ليقول لنا إن ثقافة المغاربة تغيرت جذريا عما كانت عليه سابقا؟

ثانيا، السيد عبد النباوي، بصفته المسؤول الأول عن تنفيذ السياسة الجنائية بالمغرب، كان عليه أن يُدوِّر لسانه عشرات المرات قبل أن يجيب عن سؤال الصحافة الإسبانية التي تتابع بدقة كيف يتعاطى القضاء المغربي بانتقائية واضحة مع مثل هذه الملفات، آخرها الطريقة التي جرى التعامل بها مع والد دبلوماسية بريطانية اعتقل بتهمة إقامة علاقة جنسية مثلية مع شاب في مراكش، وأدين بأربعة أشهر حبسا نافذا، وكيف جرى الإفراج عنه دون شريكه المغربي الذي لم يطلق سراحه إلا بعد حملة استنكار لهذه الازدواجية في التعامل.

ولسنا هنا بحاجة إلى أن نذكر السيد عبد النباوي بأن والد الدبلوماسية جازى المسؤولين القضائيين المغاربة، بعد الإفراج عنه، بالقول إن سجن بولمهارز، الذي قضى فيه يومين فقط، لم يكن سجنا بل ثكنة شبيهة بمعسكرات الموت النازية.

السيد عبد النباوي لن يستطيع طبعا أن يقول إن الإفراج عن المثلي البريطاني، الذي ضبطت بحوزته فيديوهات جنسية جرى تصويرها في المغرب، هو قرار سياسي، لا يملك ممثل الحق العام أن يرفضه. فلو اعترف بهذا فسوف سيهدم أطروحته المؤسسة على استقلال النيابة العامة عن كل ما هو سياسي وإيديولوجي، بتعبير السيد عبد النباوي نفسه.

رئيس النيابة العامة، وهو يقول للقارئ الإسباني إن الكثير من الحقوق والحريات الفردية غير مقبولة في الثقافة المغربية، كان أولى به أن يُعدد أمام هذا القارئ ما الذي تقوم به النيابة العامة، جنائيا، لمواجهة تجارة الجنس غير المراقبة، والتي يترتب عليها الكثير من الاستغلال، وتسهم في انتشار العديد من الأمراض الخطيرة، وتسيء، قبل هذا وذاك، إلى صورة المغرب..

بدلا من أن يتحدث لجيراننا الشماليين عن ثقافة المغاربة التي ترفض هذا الجيل من الحقوق، وهو يعلم بأن محاوريه يعرفون عنا كل شاذة وفاذة، ومن ذلك أن المغرب من أكثر بلدان المنطقة نشاطا في مجال العمالة الجنسية، بما فيها الاستغلال الجنسي للقاصرين.

كما يعلم أيضا أن مراسلي «إيفي» بالمغرب يصطدمون كل مساء بعشرات «الرجال» المرتدين ملابس وباروكات النساء (les travestis) وهم يعرضون خدماتهم الجنسية على أرصفة شارع النصر بالرباط، غير بعيد من مكتب وكالتهم ومقر سفارتهم، وكذا قرب مقر القنصلية الإسبانية بشارع مولاي يوسف بالدار البيضاء. فعن أي ثقافة مغربية يتحدث رئيس النيابة العامة؟

السيد عبد النباوي، الذي اختار الحديث لوكالة الأنباء الإسبانية، في سياق التعريف بالنسخة الجديدة من النيابة العامة، وطمأنة المراقبين الأجانب إلى أنه لا خوف من استقلالية النيابة العامة، كان عليه أن يقدم تطمينات بأن هذه الاستقلالية ستكون حتى عن «مراكز القرار الرئيسة»، بتعبير الأستاذ عبد العزيز النويضي، خصوصا أنه يعرف أن زملاءه القضاة الإسبان طالما أعطوا دروسا للقضاء المغربي في قضايا مماثلة عرضت على القضاءين، وبعضها حركتها النيابة العامة المغربية.

ففي شتنبر 2013، جرى اعتقال الصحافي علي أنوزلا، بطلب من النيابة العامة، بعد نشره شريطا لتنظيم إرهابي، وتوبع بقانون الإرهاب. وفي المقابل، رفعت الحكومة المغربية دعوى أمام القضاء الإسباني ضد الصحافي المتخصص في الشؤون المغربية، إغناسيو سمبريرو، في الموضوع نفسه. والنتيجة أن سمبريرو بُرئ أمام ثلاث محاكم إسبانية، فيما لايزال أنوزلا يجرجر إلى اليوم أمام المحاكم المغربية.

الأمر نفسه ينطبق على الصحافي توفيق بوعشرين الذي أدانته المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء، في نونبر 2011، بأربعة أشهر حبسا موقوف التنفيذ وغرامة 160 مليون سنتيم، في القضية التي رفعها ضده أحمد الشرعي، في الوقت الذي برأت فيه محكمة إسبانية الصحافي سمبريرو من تهمة مماثلة، حيث اعتبر القاضي أن مقال سمبريرو المعنون بـ«جاسوس مغربي يتهم أثنار بأنه والد ابنة داتي»، مقالا عاديا يتضمن وقائع تهم الرأي العام الإسباني والدولي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.