السترات الصفراء بين هنا وهناك

416

العرائش نيوز:

بقلم: عبد اللطيف الصبيحي

جميعنا سمع بأصحاب السترات بفرنسا وهم جميعا لا يشبهون بتاتا أصحاب السترات الصفراء عندنا. أصحابها هناك في بلاد الأنوار وبرج ايفيل ومتحف  اللوفرأعلنوا باحتجاجاتهم بداية إعلان الجمهورية السادسة بكل ما تختزله من رغبة جارفة، كما هو معهود عليهم ولطبيعتهم الثائرة  للحفاظ والدفاع عن قيم ومبادئ  المساواة والعدالة الاجتماعية،  التي هدت أركانها العولمة والليبرالية المتوحشة، وتآكلت من خلالها مساحة رقعة الطبقة المتوسطة. وقد عبرت إحدى  المواطنات الفرنسيات  بجلاء ووضوح عن هذا الضرر في حوار من ساحة التظاهرات  لإحدى القنوات التلفزية بقولها عدم تمكنها منذ ثلاث سنوات من الادخار وبرمجة عطلها  رفقة عائلتها. والأدهى  من ذلك هو أنها انقطعت عن شراء الأزهار والورود لشهور ولا تتذكر آخر يوم اقتنتها، وفي أية مناسبة. هذا الضرر لم يمس المستوى المعيشي ولا الخدمات الصحية فحسب، بل مسّ رفاهية الشعب الفرنسي في العمق الذي لم تعد مسألة الطعام والدواء والشغل والبطالة والتعليم هواجسه نهائيا. هذه البحبوحة في العيش والرفاهية،  والقدرة على السفر والتجول والترفيه لهم ولا بناءهم  خط أحمر لا يمكن تجاوزه. وهو ما شعر به ماكرون فاستجاب برفع سقف الأجور الذي يبقى  في الأخير غير كاف بالنسبة لهم باستمرارهم بالتظاهر، ما فرض عليه فتح نقاشات  واسعة مع مختلف أطياف المجتمع .

إلى هنا الأمر بالنسبة للعمة العزيزة فرنسا يبقى  عاديا، لكن ما ليس مهضوما ومفهوما عندنا نحن المغاربة هو استيلاء حاملي الحقائب بالمحطات والأسواق  الشعبية وحراس مواقف السيارات والمحلات التجارية وبائعي السجائر، على هذا القميص ورمزيته التي تكسرت على  أعتاب التخلف والفقر والفوارق والتناقضات والأمية.  فآخر ما يفكر فيه المغلوب عليه في وطننا هي الرفاهية وتلك تعد من رابع المستحيلات.

أصحاب السترات المغاربة بذكائهم الفطري، حولوا رمزية تلك السترات لصالحهم. فهو من جهة أصبح لهم لباس موحد يعرف بهم وبوضعيتهم وعلامة دالة على  هشاشتهم وفقرهم وعوزهم، ومن خلالها  تمكن لهم الأمر بأن تكون لهم اليد الطولى على مجموعة من الأماكن والمواقع، وسطوة أصبحت محل تذمر باقي أفراد المجتمع.  لا يعلو صوت أحدهم عليهم، فيها لهم قانون وعرف خاص بهم، فيها وخصوصا بمواقف السيارات ومعاناة مالكييها معهم.

نعم هي فرصتهم فليغتنموها، وليحسنوا استغلالها، فما الضرر إن حولوها إلى لباس وظيفي تمكنهم من انسيابية عجيبة وسحرية لشتى المرافق العامة  والخاصة من قاعات السينما والمسارح وقاعات الأفراح والملاعب والمستشفيات والملاهي وللفنادق والحانات.  إذ يكفيهم ارتداءها لتتحول إلى ما يشبه خاتم سليمان، إنها حقا بطاقة الضعفاء. * carte blanche*

اليوم أو بعد غد أو في الشهور المقبلة سيتوافق المجتمع الفرنسي الحي وسيجد مبتغاه في نموذج اقتصادي متفق عليه، يزيل عنهم هواجسهم وتخوفاتهم، وسترمى تلك السترات وتتلاشى ولن يذكرها إلا المؤرخون  والساسة، أما أصحابها عندنا  فسيتكاثرون وسيتضاعف أعدادهم، وستنضاف إليهم أعداد أخرى إلى أن ترى اللون الأصفر هو الغالب والأعم  وإذ ذاك ستتحول إلى تجارة مربحة.

نبقى ونتذكر ذلك المثل الرائع: إذا عمت هانت ونستبدلها بإذا عمت اصفرت، وكل اصفرار وأنتم……

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.