من قلب الدار البيضاء

418

العرائش نيوز:

بقلم: عبد اللطيف الصبيحي

غريب أمر بطولتنا المغربية لكرة القدم، فكلما استأنفت منافساتها إلا وتضع جل الأمهات أيديهن على قلوبهن، ليس لأنهن ممارسات للعبة، أو لهن بها شغف وولع، أوأنهن مشاركات ومراهنات على أوراق الحظ الأسبوعية للألعاب، وإنما خوفا على فلذات أكبادهن المتواجدين بالملاعب وخارجه،  والذين تشبعوا بمفاهيم وتصورات مغلوطة حول اللعبة، بعد أن حولوا كل يوم مباراة مناسبة لبث الرعب والقلق والتمرد والتظاهر وإبراز وفرز  مكبوتات وردود أفعال شاذة رهيبة  تكاد تكون عامة على مستوى الوطن بأكمله.

ما عاد الناس بالمساء ينتظرون نتائج المباريات ولا حصة الأهداف، ولكن عدد ما دمر من الحافلات والسيارات والممتلكات الخاصة والعامة والجرحى والمصابين، وحين ترى العجب يبطل السبب والذي يتمثل في ارتفاع عدد المهووسين بالبطولة من يافعين وقاصرين وشباب غير متعلم  وميؤوس، منحدرين من الأحياء الشعبية المثقلة بجراح التهميش والفقر والإقصاء، و بملامح البؤس  والحرمان، لا تحتاج إلى أدنى مجهود لتدرك أنهم لم يتناولوا حتى إفطارهم، ولا يمتلكون عموما مصروف تنقلاتهم  وتذاكر المقابلة، كما يلجؤون إلى وسائل النقل الغير الشرعية مما يتسببون في حوادث مميتة.

أمهاتنا تظلن طيلة يوم المباراة تترقبن عودة أبناءهن وترفعن أيديهن إلى الله تضرعا وأملا في عودتهم سالمين وأن لا ترزأ أم في ولدها وكأنهم ذاهبون إلى ساحات قتال وحرب،  وكر وفر وليس إلى ملاعب للفرجة والمتعة والتشجيع لأنديتهم المفضلة والمعشوقة.

نبقى هنا وهنا فقط لنتساءل لم لا تلهم ملاعب العالم المزدحمة  بالنجوم وبأسعارهم وأثمانهم الخيالية والفلكية والشبيهة لقاعات السينما ودور الأوبرا  وأناقة مرتاديها رفقة العائلة والأقارب والأصدقاء بكامل حلتهم. جماهيرنا هنا وهم يشاهدون كل هذا الجمال الإنساني المتدفق على أساريرهم ومحياهم بالقنوات الرياضية.

شيء ما حدث غير طبيعي وسليم أضفى إلى ما أضفى إليه، هذا إن لم نتكلم عن خلط وقع فأفسد ما  أفسد، أما الحديث عن القوانين والعقوبات والإجراءات الأمنية والمتابعة القضائية والمناظرات والطاولات المستديرة والندوات، ومحاولات استدراج الاتحاد الدولي للعبة ليحشر أنفه هو الآخر في شؤوننا ويكفيه ما أحدثه فينا من غبن وإجحاف وإقصاء متعمد لرغبتنا تنظيم تظاهرات خاصة بكاس العالم،  فليست بكافية ما دمنا نعيش حاليا ما يصطلح عليه تحصيل حاصل.

لنذهب بعيدا إلى سنوات السبعينات، وكيف كان شباب  وشابات ذلك الزمان مشدوهين إلى كلمات وألحان “ناس الغيوان”، وكيف عكست أحاسيسهم وتطلعاتهم، وها هو الزمان يكمل دورته وتمنحنا جماهير الرجاء أنشودة أطربت وأبهرت العالم وأداروا وجهه نحونا ليفهم ويستوعب ما تردده وعلى ما تقصده.

“في بلادي ظلموني” عنوان عريض لما يجول في أدمغة آلاف الشباب والشابات والقاصرين المغاربة، الذين يبوحون في الملاعب بما يخالجهم من أحاسيس سلبية ويرفضون فصلها عن واقعهم العنيد لعل أصواتهم تصل إلى من يهمهم الأمر. في بلادي ظلموني رسالة مشفرة لأولئك الدين يعتقدون بفصل السياسي عن الاجتماعي والثقافي. “في بلادي ظلموني”  يجبروننا على أننا إن لم ننصت  لصوت هذا ألألم المدفون فلن يتوقف هدير جماهير الملاعب إلى أن يحدث ذلك.

من قلب الدار البيضاء إذن، انبعثت أسطورتان فنيتان، الأولى أبدعتها فرقة هاوية، تملك كاتب كلماتها وواضع ألحانها ومن قلبها كذلك  سارت جماهير عاشقة دون ذلك، وسطرت استغاثاتها وأنينها الجماعي تستحق  فيها كلمات الشاعر الموريتاني الكبير ولد عبد القادر بقوله: في الجماهير تكمن المعجزات ====”ومن الظلم تولد الحريات”، ونختم بقولنا ومن الملاعب تولد التطلعات والأمنيات والرغبات و الحريات وكل حرية وأنتم……

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.