خسارتنا في خسارة إيفو موراليس

277
العرائش نيوز: 
وكأنّ الهوس بالسلطة يمنع، بشكل جازم، العالم من أن يتمتع بعدالة اجتماعية وبديمقراطية في آن معاً. وما الذي دفع رئيس بوليفيا المُطاح به بانقلاب عسكري ناعم، إيفو موراليس، إلى أن يحرم شعبه وبلده من مواصلة رحلةٍ ناجحةٍ في تحقيق عدالة اجتماعية مقبولة إلى حد بعيد، في إحدى أفقر بقاع الأرض القابعة على ارتفاع يزيد عن ثلاثة آلاف متر عن سطح البحر في جبال الأنديز، غير الهوس بالبقاء في السلطة أكثر من 13 عاماً؟ هل هو فقط الهوس بالسلطة؟ وجنون عظمةٍ جعله يمدّد بقاءه رئيساً ثلاث مرات؟ أم هو أيضاً الغباء وقصر نظر وقلة دراية بدروس التاريخ التي لا ينقصها دليل على حتمية فشل كل مشروع إنساني حالم بمساواة اجتماعية في توزيع الثروات من “كل حسب إمكاناته إلى كل حسب حاجاته”، ما لم يقترن بالتزام جدي بالمشروع الديمقراطي، كبناء سياسي يضع الإنسان في قمة الأولويات على حساب كل الأيديولوجيات المدنية والدينية؟ 
غبياً أو خبيثاً أو الاثنين معاً، يكون مَن يشكك في أن إطاحة موراليس (60 عاماً) بأمر عسكري، حصلت بتواطؤ طبقات اجتماعية بوليفية انفصالية تمثل شرق البلد الغني بالغاز، متضررة من تقليص التفاوت الطبقي الذي أنجزه الرجل بالفعل، ومن إحلال نسبة مرتفعة فعلاً من العدالة الاجتماعية، مع رغبة خارجية في أميركا اللاتينية والشمالية بالتخلص من آخر رموز اليسار الراديكالي في أميركا الجنوبية. لكن غبياً أو خبيثاً أيضاً، أو الاثنين معاً يكون من لم ينصح إيفو موراليس بأن مشروعه الاجتماعي الاقتصادي، على عظمته (عظمته لا أهميته فحسب)، لا يقدم له ضوءاً أخضر لتأبيد حكمه المستمر منذ 2006 والذي أراد تمديده عبر ولاية رابعة في السلطة حتى 2025، مع أن الشعب كان قد وجّه إنذاراً له بالتصويت بـ”كلا” في استفتاء 21 فبراير/ شباط 2016 على تعديل الدستور، فماذا كانت النتيجة؟ إلغاء نتيجة الاستفتاء عبر مؤسسة القضاء، وبالتالي ركل إرادة شعبية بالتغيير، تغيير الوجوه أو السياسات ربما.
إيفو موراليس عينة من حكام ملتزمين حقاً بمشروع اقتصادي ــ اشتراكي أكثر عدالة، لكنه سقط في مجموعة من الفخاخ التي تنتهي عادةً، في بلدان الجنرالات، أي في أميركا اللاتينية، بانقلاب تحالف الجيش والأمن واليمين المدعوم اليوم وفي الأمس، من أعداء خارجيين قريبين وبعيدين. سقط في فخ تجاهل أهمية مسألة الديمقراطية السياسية، وهي عادة يسارية لعينة تنظر إلى الحريات الفردية والجماعية ومسائل الانتخابات الحرة والتداول السلمي على السلطة، باحتقار، على اعتبار أن هذه جميعها ثقافات ليبرالية يمينية رذيلة. سقط في فخ تجاهل مسألة النزعات الانفصالية التي تقودها بطبيعة الحال أقلية ثرية “بيضاء” رأت أن امتيازاتها الطبقية ــ السياسية تُهدر من الحكام الجدد، فأعفى نفسه من مهمة البحث الجدي عن حل لمرض مزمن في أربعة أقاليم من شرق بلده (من أصل تسعة)، وتعاطى مع الناطقين باسم هؤلاء على اعتبار أنهم أعداء طبيعيون لناسه، أي للسكان الأصليين، بدل السعي الجاد إلى إبرام مصالحة شعبية حقيقية لا تمس بالضرورة أولوية حماية الإنجازات الاجتماعية التي حققها بنجاح باهر في توزيع الثروات وخفض نسبة الفقر من 50% من الشعب (11 مليوناً) لدى وصوله إلى السلطة في 2006 إلى 8% منه في 2018. سقط في فخ التقليل من أهمية تهم فساد تواجهه هو وحاشيته الحاكمة، مرفقة باتهامات له بغضّ النظر عن تجار المخدرات. سقط في فخ الشخصانية، فبدا في “الحركة الاشتراكية” التي أسسها، كأنه حريص على عدم ظهور أي شخصية تنافسه، وربما لذلك أصرّ على التمديد لنفسه في الحكم طيلة هذه السنوات، وهي أيضاً ربما تكون عادة يسارية وضيعة في تمجيد النفس والحرص على ربط المشروع باسم الحاكم حصراً، من دون إتاحة المجال لظهور بديل من داخل البيت، ربما أيضاً خوفاً من انقلاب الأقربين.
إيفو موراليس خسارة فعلاً. خسارة ليس لشعبه ولناسه ممن ارتقوا اجتماعياً فحسب بفضل سياساته وبرامجه لإحلال العدالة الاجتماعية، بل أيضاً خسارة لكل حالم بإمكانية مصالحة الاشتراكية في شقها الاقتصادي ـ الاجتماعي، مع الديمقراطية في جانبها الليبرالي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.