يحدث في “العدالة والتنمية” المغربي

370

العرائش نيوز:

محمد طيفوري

يبدو أن إخوان رئيس الحكومة المغربية، في حزبه (العدالة والتنمية)، سعد الدين العثماني، يبتعدون تدريجيا من تكرار تجربة الحوار الداخلي لسنة 2008، الذي توّج باعتماد أطروحة “النضال الديمقراطي”، عقب النتائج غير المرضية التي حققها الحزب حينها؛ في انتخابات 7 سبتمبر/ أيلول 2007، فبعد انعقاد أطوار المحطة الثانية للحوار الداخلي الذي جاء تنفيذا لتوصيات المؤتمر الوطني الثامن للحزب، في 9 و10 ديسمبر/ كانون الأول 2017، لم تتمكن قيادة الحزب من وقف الشرخ، وتذويب الخلاف السياسي بين الأعضاء، لعجزها عن تقديم قراءة جماعية موضوعية لما وقع منذ 20 فبراير/ شباط 2011، إلى ما بعد صدمة إعفاء زعيم الحزب، عبد الإله بنكيران، ومسار تشكيل الحكومة وما تلاها من احتقان سياسي واجتماعي.
صحيح أن الحزب لا يزال، ظاهريا على الأقل، صامداً في وجه قانون “الانشقاقات الحزبية” الذي خضعت له جل الأحزاب الفاعلة في المشهد السياسي المغربي. ويجد هذا مبرّرا له في قدرة الحزب على تصريف أزماته، وفق آليات مؤسساتية، تحُول دون حدوث انشقاقات في

صفوفه. لكن “الإخوان” داخل حزب المصباح ليسوا على قلب رجل واحد، بعدما جرت مياه كثيرة تحت جسر الحزب، أفرزت قيادةً جديدةً بلا أطروحة سياسية قوية تدافع عنها، فالأمين العام، سعد الدين العثماني، غير قادر على التأثير في الأعضاء والمتعاطفين مع الحزب، فأنّى له أن يبلغ مستويات الحضور لدى الرأي العام التي كان حققها سلفه بنكيران، من خلال مواجهة المغاربة وإقناعهم من موقعي الأمانة العامة ورئاسة الحكومة طوال ولايته.
ازدادت الهوة اتساعا في صفوف إخوان المغرب، بعدما أثبتت الوقائع المتلاحقة أن التقدير السياسي للعثماني وحاشيته (تيار الاستوزار) كان خاطئا، فثمار أطروحة الاستسلام والمحافظة وتحصين المكتسبات والسياق الدولي… التي سِيقت في معرض تبرير الانبطاح أمام تعليمات السلطوية، انتهت إلى إلحاق الحزب بلائحة الأحزاب السياسية التي تتلقى الأوامر من دار المخزن.
كانت محطة الحوار الداخلي فرصةً لهذا التيار لبسط هيمنته، وفرض أطروحته على باقي هياكل الحزب، بإغراق أجندة الحوار بالمدافعين على اختيارات العثماني ووزرائه التي لا تزال محط تشكيك، وفاقدة المشروعية في نظر كثيرين من أبناء الحزب. استطاع واضعو برنامج الحوار الداخلي توجيهه بذكاء، لصالح الدفاع عن توجهات القيادة الجديدة، مكتفين بالحد الأدنى من توصيف ما حدث طوال الفترة المتنازع بشأنها وتحليله.
يظهر أن الحوار الداخلي أضحى، في حد ذاته، إنجازا بالنسبة للمشرفين عليه، فبعد إجراء جولتين من أصل خمس مقرّرة في برنامج الحوار الداخلي، تم حجب التوصيات بسبب الاختلاف بشأن آلية صياغتها ورفعها والنظر فيها، فضلا عن الجهة التي تملك صلاحية الحسم في توجيه الخلاصات، ذات الارتباط بالخط السياسي. في حين كان المفروض أن تشكل هذه المحطة فرصةً للمكاشفة وللمصالحة مع الذات، والتي لن تتحقق إلا بمراجعة نقدية لكل اختيارات الحزب وتقديراته في الفترة السابقة. وذلك عبر معالجة الأسئلة الجدية والجريئة المطروحة أمام الحزب، والتي تعتبر المدخل الرئيسي للخروج والفكاك من الأزمة التي يتخبط فيها، وليس أقلها سؤال جدوى البقاء في الحكومة الحالية.
يصرّ من يوصفون بأنهم تيار بنكيران داخل “العدالة والتنمية”، والذين اشتكى منهم العثماني مرارا، ووصفهم بالمشوشين على الحزب، يصرّون على التصدي لمخطط هيمنة “تيار الاستوزار” على الحزب، وتدجينه، ليكون حليفا خادما للمنظومة السلطوية القائمة، رافضا بذلك الاستنساخ الكربوني لتجربة سلفه الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بعد خمس سنوات من حكومة التناوب.

وجدت القيادة الجديدة نفسها مجبرةً على اللجوء إلى أساليب أخرى، بحكم عجزها عن مواجهة هؤلاء بأطروحة المهادنة؛ لأنها بكل بساطة غير مقنعة لها، على الرغم من إصرارها على المضي في تنفيذها. لذا لم يبق أمامها غير أسلوب تصفية رموز هذا التيار، حتى يكونوا عبرة للآخرين، بدءا بإجبار زعيمه على الصمت مكرها بإبعاده من المشاركة في تأطير الأنشطة الحزبية، بما فيها تغييبه عن محطة الحوار الداخلي بالرغم من أنه على رأس المعنيين بها، لأن القيادة الحالية غير قادرة على تحمل كلامه، فقد سبق لبعض أعضائها أن هدّدوا بالاستقالة، في حال استمر الرجل في الكلام، وصولا إلى حادث فصل صحافيين وتقني؛ أعضاء في الحزب محسوبين على هذا التيار، من طاقم إدارة الموقع الإلكتروني بمبرّرات متضاربة، تتراوح بين قلة الموارد المالية وانعدام الكفاءة المهنية، مرورا بواقعة تسريب مقطع فيديو، للقيادي عبد العالي حامي الدين، المعروف بانتقاده الشديد توجهات القيادة الجديدة للحزب. وهو تسريبٌ خلف ردودا داخل الحزب وخارجه، وكثيرا من المزايدات السياسوية على صاحبه، من باقي الفرقاء السياسيين؛ بمن فيهم إخوانه في التنظيم، في مقدمتهم الأمين العام نفسه. حتى وإن كان ما جاء على لسان حامي الدين، بحسب الفيديو، ليس جديدا في الساحة السياسية المغربية، حيث قال إن “الملكية بشكلها الحالي معيقة للتقدم وللتطور وللتنمية، وإذا لم يحصل أي تغيير في شكل النظام، فلن يكون مفيدا، لا للملكية نفسها، ولا للبلد”.
إنها إشاراتٌ تبعثها قيادة حزب المصباح في شخص الأمين العام، سعد الدين العثماني، إلى قواعدها، لتأكيد أن مناكفة التحكم والسلطوية التي كانت أسلوب عبد الإله بنكيران أضحت من التاريخ، وأن مستقبل حزب العدالة والتنمية في العودة إلى حجمه الطبيعي لما قبل أحداث الربيع العربي، مع الانحياز إلى خيار المهادنة والتطبيع الكلي مع الدولة العميقة، على غرار باقي الدكاكين السياسية التي تؤثث المشهد المغربي، في انتظار إسناد مهمة جديدة لها، ممن يدبرون شؤون البلاد والعباد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.