الاحتلال وسفينة “العودة”.. القصة كاملة

359

العرائش نيوز:

من ميناء باليرمو، في جزيرة صقلية الإيطالية، انطلقت سفينة “العودة” في 21 يوليو/تموز الماضي باتجاه فلسطين، بهدف كسر الحصار الذي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، حيث يعيش نحو مليوني فلسطيني.

“العودة” هي سفينة صيد نرويجية، يعود تاريخ بنائها إلى عام 1964. أبحرت وهي ترفع العلم النرويجي، ما يعني قانونيا أنها سفينة نرويجية.

لم يكن الخروج من ميناء باليرمو سهلا، بسبب الضغوط التي كانت تمارسها إسرائيل على الحكومة الإيطالية. وهو ما اضطر قائد السفينة إلى التصريح لدى سلطات ميناء باليرمو بأنه سيتوجه إلى ميناء آخر في إيطاليا هو ميسينا.

انطلقت السفينة في رحلتها عبر البحر الأبيض المتوسط، مبحرة في المياه الدولية لتسعة أيام في اتجاه شواطئ غزة. كانت السفينة تحمل مساعدات طبية موجهة لمستشفيات غزة، كما كانت نية المتضامنين هي إهداء السفينة إلى صيادي غزة.

على متن السفينة، متضامنون من بلدان مختلفة، أبرزهم قائدها هيرمان ريكستون، وهو شاب من النرويج عمره 28 سنة، سبق له أن شارك واعتقل في رحلات سابقة، يتمتع بذكاء حاد. يجهر بمناهضته للصهيونية، ويؤمن بأن تغيير أي واقع بئيس وغير عادل يمر عبر النضال المستمر من أجل تحقيق ما يرى أنه عدل.

وتوزعت جنسيات بقية المشاركين بين النرويج والسويد وكندا وفرنسا وماليزيا وإسبانيا والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل.

وبالإضافة إلى 18 ناشطا، حملت سفينة العودة أربعة صحفيين، هم -إضافة إلى مراسل الجزيرة– مصور الجزيرة مروان متيجي، وصحفي أسترالي اسمه “كريس”، وآخر من سنغافورة اسمه “جيسون”.

ويتجاوز معدل أعمار ركاب “العودة” 55 عاما، أصغرهم طباخ نرويجي اسمه “يورجين”، وأكبرهم طبيبة بريطانية من أصل ياباني اسمها “سوي” وعالمة اجتماع نرويجية اسمها “غيرد”.

مرت السفينة وركابها بلحظات عصيبة، خاصة عندما تعطل محركها في إحدى الليالي التي كان فيها البحر هائجا بشكل غير عادي. وبقيت متوقفة لساعات، تتجاذبها أمواج المتوسط إلى أن تمكن المهندس النرويجي “أرنيه” من إعادة تشغيل المحرك، لتنطلق “العودة” من جديد في اتجاه غزة.

وأثناء الرحلة، كان جميع المشاركين يتقاسمون القيام بأعمال متعددة يجب القيام بها على متن الباخرة. كل واحد كان يعمل لمدة أربع ساعات قبل أن يأخذ قسطا من الراحة لأربع ساعات، ليعود لتأدية المهام المنوطة به لأربع ساعات أخرى، وهكذا دواليك.

في خضم البحر الذي يحيط بك من كل جانب، كان البعض يشعر أحيانا بالملل أو بالقلق أو بدوار البحر أو برهبة انتظار ما قد يحدث، قبل أن يحاول آخرون الترويح عن النفوس القلقة عبر إثارة ذكريات الرحلات السابقة والحديث عن القضية الفلسطينية وغيرها.

قرصنة
وفي منتصف يوم الأحد 29 يوليو/تموز، تلقت سفينة العودة أول اتصال عبر جهاز اللاسلكي من البحرية الإسرائيلية.. كان صوتا متقطعا، ولكن رسالته كانت مفهومة، حيث طلب من ربان السفينة تحديد وجهته وتغيير مساره لأنه دخل -حسب الإسرائيليين- إلى منطقة حظر دولي.

كانت السفينة حينها في المياه الدولية، على بعد حوالي 45 ميلا بحريا من شواطئ فلسطين، تكفل مساعد القائد “ميكيل” -وهو بحار دانماركي متخصص في قانون البحار– بالرد على الإسرائيليين.. كان جوابه واضحا وحازما: “نحن سفينة نرويجية. ترفع علم النرويج، وتبحر في المياه الدولية وتمارس حقها في العبور البريء، وهو حق يكفله القانون الدولي. وجهتنا تخصنا ولا علاقة لنا بالبحرية الإسرائيلية، التي لا يحق لها أن تسألنا عن شيء”.

وعلى مدى ساعتين، ظل “ميكيل” يردد نفس الجواب في حواره عبر جهاز اللاسلكي مع البحرية الإسرائيلية التي كانت تكرر نفس الطلبات والتحذيرات، قبل أن يأتي تحذير مختلف من الإسرائيليين، مفاده أن سفينة العودة عليها أن تمتثل وإلا فإنها ستتعرض لعواقب وخيمة ستقع مسؤوليتها على قائدها “هيرمان ريكستون”.

بعد هذا التحذير، بدت في الأفق، ثلاث سفن عسكرية من نوع “كورفيط”.. وما هي إلا لحظات حتى انقطعت إشارة اللاسلكي وإشارات الهواتف التي تعمل بالأقمار الاصطناعية.. ثم ظهرت في البحر قطع بحرية متنوعة أصغر حجما، كانت تسرع في اتجاه سفينة “العودة” من كل الجهات، وعلى متنها جنود ملثمون ومدججون بأسلحة متنوعة.

وتراوح عدد القطع العسكرية بين 10 و12 زورقا ومركبة، تحمل عشرات الجنود.. لتبدأ عملية مداهمة السفينة، قبل أن تتم السيطرة عليها نهائيا في نقطة تقع في المياه الدولية، على بعد 40 ميلا بحريا من شواطئ فلسطين، وهو ما يعد بمثابة عملية قرصنة طبقا للقانون الدولي.

تفاصيل الأسر
اصطف بعض المتضامنين على شكل سلسلة بشرية أحاطت بباب قمرة القيادة، التي أقفلها القائد هيرمان ريكستون من الداخل.. ما دفع الجنود الإسرائيليين إلى جر وسحل عدد من النشطاء، كما استعملوا مسدسات الصعق الكهربائي لإزاحة بعضهم من أمام باب قمرة القيادة… حيث تعرض البحار السويدي “شارلي” والمناضل النقابي النيوزيلندي “مايك” للصعق، فيما تعرض جميع الركاب للدفع والسب والشتم.

وبعد أن حمل الجميع على الجلوس على أرضية الجزء الخلفي للباخرة، قام الجنود بكسر باب قمرة القيادة وأحاطوا بالقائد هيرمان ريكستون الذي كان قد أوقف المحرك.

طلب الإسرائيليون إعادة تشغيل المحرك، فحاول أن يشرح لهم أن تشغيل محركات سفن الصيد القديمة مثل سفينة “العودة” غير ممكن من قمرة القيادة… فقام الجنود بتعنيفه وضربه على وجهه وبطنه وساقيه عدة مرات، قبل أن يقتنع قائدهم بأن تشغيل المحرك لا يمكن أن يقوم به إلا مهندس السفينة “أرنيه” من غرفة صندوق المحرك التي تقع في الجزء السفلي.

لكن “أرنيه” رفض الامتثال، فأنزل الجنود القائد هيرمان وهو مقيد اليدين إلى غرفة المحرك وهددوا المهندس بأنهم سيعذبون قائده ويرمون به في البحر.. فما كان منه إلا الامتثال وإعادة تشغيل المحرك.. لتنطلق الباخرة من جديد، يقودها بحار إسرائيلي في اتجاه ميناء أسدود، وهي محاطة من كل جانب بسفن الحرب الإسرائيلية.

رحلة استمرت حوالي ست ساعات أو يزيد… كنا خلالها نجلس على الأرض في الجزء الخلفي من السفينة، تحت لهيب شمس حارقة وفي حراسة جنود مدججين بالأسلحة، بعد تجريدنا من الأشياء التي كنا نحملها في جيوبنا أو في حقائبنا الصغيرة مثل جوازات السفر وحافظات النقود والهواتف وساعات اليد.

وصلنا إلى أسدود وقد قارب الليل على الانتصاف، وبدأ الإسرائيليون في إنزالنا الواحد تلو الآخر.

على رصيف الميناء، ثم داخل قاعة كبيرة، رأينا عددا كبيرا من الجنود والموظفين، وبدأت عملية التفتيش الأولى، قبل أن يخضع كل واحد من المختطفين لفحص طبي سريع، تبعه تدقيق في الهوية وتحقيق حول دوافع القدوم إلى إسرائيل.

كان الجواب على هذا السؤال الأخير بديهيا: ركاب السفينة لم يأتوا إلى إسرائيل طواعية، وإنما اختطفوا في المياه الدولية واقتيدوا إلى أسدود على غير إرادتهم.

وبعد ذلك خضع الجميع لتفتيش آخر أكثر دقة قبل أن تبدأ عملية ترحيل المختطفين على دفعات إلى معتقل “جيفعون” حيث خضعوا لتحقيقات وعمليات تفتيش جديدة، قبل أن يتم وضعهم في الزنازين.

في اليوم التالي، بدأت تحقيقات جديدة، وتحدثنا مع المحامين الذين أكدوا أن الإسرائيليين سيعملون على ترحيل كل المعتقلين إلى بلدانهم الأصلية قبل انتهاء مهلة 72 ساعة، وهي مهلة الترحيل المنصوص عليها في القانون الدولي.

وكان الترحيل على دفعات تنقل من المعتقل إلى سجن تابع لمطار بن غوريون. وهناك تسلم لكل واحد حقيبة ملابسه ومتعلقاته الشخصية.. حقائب تفاجأ الجميع باختفاء مقتنيات كثيرة منها، مثل الهواتف والنقود والكروت البنكية.

أما جوازات السفر فتسلم لطاقم الطائرة، ولا يعرف المختطف الوجهة التي سيرحل عبرها إلى بلده إلا بعد أن يكون قد جلس على المقعد المخصص له في الطائرة.. وهو آخر مقعد، يقع عادة على الجهة اليسرى، في الجزء الخلفي منها.

المصدر : الجزيرة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.