البطولة والواقع في رفض شرطي مغربي مصافحة حاكم سبتة

194

العرائش نيوز:

 د. حسين مجدوبي

موقف بطولي، تصرف وطني، لحظة وطنية تاريخية، من الأوصاف التي تناسلت في شبكات التواصل الاجتماعي والصحافة المغربية والعربية، في تعاطيها الإعلامي والسياسي مع رفض ضابط شرطة مغربي السلام على رئيس حكومة الحكم الذاتي لمدينة سبتة المحتلة خوان بيباس، لدى زيارته للحدود مع باقي الأراضي المغربية، رفقة الأمين العام للحزب الشعبي بابلو كاسادو، لتفقد أوضاع الهجرة. لكن هذه اللحظة التاريخية، تاريخية حقا، تبرز وجها آخر وهو عجز الدولة المغربية عن طرح ملف سبتة ومليلية المحتلتين.
عمليا، كان تصرف ضابط الشرطة في المعبر الحدودي الأسبوع الماضي منطقيا، لا يمكن نهائيا، في المعبر الحدودي، مصافحة رئيس حكومة الحكم الذاتي لسبتة، وهي المدينة المحتلة، التي يهدف المغاربة الى استعادتها رفقة مدينة مليلية. وتعددت الروايات حول الضابط، وافتخرت ساكنة أزرو الواقعة في منطقة الأطلس، بما أقدم عليه أحد أبنائها، وهو افتخار امتد إلى باقي المغاربة، باستثناء قلة قليلة رفضت تصرف الضابط.
تلك اللحظة التاريخية جاءت تنفيسا للمغاربة عن صمت يلف ملف سبتة ومليلية خلال السنوات الأخيرة، بشكل لم يشهده تاريخ المغرب. نعم ترزح المدينتان تحت الاستعمار منذ قرون، وهذا يجعل إسبانيا تروج لأطروحة تاريخية مفادها، أنها لم تكن ضمن أراضي المغرب نهائيا. لكن، لا يخفى عن الإسبان استمرار مقاومة المغاربة طيلة قرون لاستعادة المدينتين، ووقع الكثير من الحروب بسبب المدينتين، وأبرزها حرب تطوان سنة 1860، وحروب أخرى في الريف منذ القرن الخامس عشر حتى العشرين منه حول مليلية.
ويمكن اعتبار موقف ضابط الشرطة، الحدث الأبرز في ملف سبتة ومليلية، بعد ردود فعل المغاربة دولة وشعبا إبان أول زيارة للملك خوان كارلوس بداية نوفمبر/تشرين الثاني 2007 الى المدينتين، وما ترتب عنها من توتر بين الرباط ومدريد. وكانت الدولة المغربية، سواء على مستوى المؤسسة الملكية أو الحكومة ثم الأحزاب السياسية، قد أصدرت بيانات عنيفة ضد إسبانيا، متهمة إياها بكل النعوت السلبية والقدحية الخاصة بالاستعمار والإمبريالية. وتعهدت الدولة المغربية على نفسها وأمام الرأي العام الوطني والدولي التحرك الجدي والصلب للتعريف بملف المدينتين أمام الهيئات الدولية مثل، الأمم المتحدة، وأمام الرأي العام العالمي.
وعودة الى أرشيف تلك التصريحات، وبعضها موجود في أرشيف جريدة «القدس العربي»، سيجد القارئ كيف تبارى مسؤولون مغاربة في الدولة والأحزاب على إعطاء مقترحات راديكالية لاستحضار الملف. وكان منها تصريح للوزير الأول وقتها، عباس الفاسي، الذي تعهد بحملة دولية وتسطير ملف المدينتين بشكل مكثف في جميع مستويات البرامج الدراسية. وتفوق عليه زعيم المعارضة حينئذ عبد الإله بن كيران، الذي سيصبح رئيسا للحكومة بقوله «يجب التفكير في مسيرة خضراء نحو سبتة ومليلية»، في إشارة الى المسيرة الخضراء التي قام بها المغرب سنة 1975 في اتجاه الصحراء لاستعادتها.
بعد ذلك التحرك الذي يمكن وصفه بالانتفاضة التاريخية، جاء صمت رهيب حول ملف سبتة ومليلية، الى مستوى تحوله إلى طابو في السياسة المغربية. لم تعد الخطب الملكية أمام الشعب تتطرق للموضوع، وغاب عن البرامج الحكومية. ومن المفارقات، انتقاد ومعاتبة بن كيران، صاحب مقترح مسيرة خضراء نحو سبتة ومليلية، لصحافي لطرحه موضوع المدينتين في ندوة صحافية في العاصمة مدريد، جمعت بن كيران مع رئيس الحكومة الإسبانية السابق ماريانو راخوي. نعم، لن تنفع محركات البحث في شبكة الإنترنت، وعلى رأسها غوغل، في العثور على تصريحات للدولة المغربية حول سبتة ومليلية خلال السنوات الأخيرة، لأنها لا توجد.
وبعد ضجة 2008 التساؤل هو: لماذا تراجعت الدولة المغربية عن طرح ملف المدينتين؟ هناك تيار وسط الدولة المغربية يعتقد في استحالة استعادة المدينتين في الوقت الراهن، بل هي مسؤولية الأجيال المقبلة. وفي المقابل، يعتقد هذا التيار ضرورة ربح تعاطف إسبانيا في ملف الصحراء المطروح أمام الأمم المتحدة لأولويته الكبرى، بدل خلق عداوات مع مدريد ستؤثر على موقف المغرب وستكون لصالح جبهة البوليساريو. تفكير قد يحظى بالقبول وقد يواجه بالرفض، حسب نوعية الحجج التي سيتم توظيفها. هذا المنطق لم يكن حاضرا إبان فترة الملك الراحل الحسن الثاني، الذي كان يطرح في آن ملف الصحراء وملف سبتة ومليلية، وبنوع من التفاوت بكثافة أكثر للأول. وقبل رحيله بسنوات، طرح المقترح الشهير «خلية تفكير مغربية – اسبانية» لحل نزاع سبتة ومليلية.
بالموازاة مع صمت الدولة المغربية، وهو الصمت الممتد إلى الأحزاب، تشهد ملفات استعمارية أخرى تحركات وحضورا في الهيئات الدولية، ومنها الأمم المتحدة. وتعمل إسبانيا، هذه المرة ليس كقوة استعمارية في سبتة ومليلية، بل كضحية للاستعمار البريطاني، على استحضار ملف جبل طارق، كلما سنحت الفرصة السياسية والتاريخية. وتحاول الأرجنتين من جانبها محاصرة لندن في ملف جزر المالوين أو الفوكلاند لاستعادتها من التاج البريطاني، كما استعادت الصين منطقة هونغ كونغ. وتطورت المطالبة إلى تنسيق بين إسبانيا والأرجنتين للضغط على بريطانيا أمام غياب ملف سبتة ومليلية.
نعم، كان موقف الضابط المغربي تاريخيا ووطنيا، لكنه جاء ليزيل الغشاء عن واقع مر وهو، عدم امتلاك المغرب لأي استراتيجية سياسية لمعالجة ملف سبتة ومليلية. لقد فشل المغرب في التنمية والشغل والصحة والتعليم، وكذلك فشل في إدارة الملف الترابي، على الأقل، في شقه المتعلق بسبتة ومليلية المحتلتين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.