معاناة الحجاج المغاربة وكالات تخالف التزاماتها

286

العرائش نيوز :

بغصة بادية على ملامح وجهه الخمسيني، يتذكر الحاج المغربيعبد العظيم لوبان، كيف تعرض في موسم الحج للسنة المنصرمة للنصب والاحتيال من قبل وكالة أسفار سياحية مغربية، بعدما وجد نفسه رفقة حجاج آخرين يكابدون خدمات سيئة في الديار المقدسة، دون أن يجدوا من ينصت لمشاكلهم في السعودية.

ويورد الحاج المغربي أن وكالة الأسفار لم تحترم التزاماتها مع وفد الحجاج الذين تكفلت بنقلهم إلى الديار المقدسة، كما خرقت القوانين التي تربطها بوزارة السياحة الوصية على هذه الشركات، ضاربا المثال بإسكانهم في إقامات بعيدا عن الحرم المكي بالرغم من وعودهم للحجاج بالسكن في أماكن قريبة، علاوة على غياب المرافق الديني، وإلغاء الزيارات إلى الأماكن المقدسة بمكة والمدينة المنورة.

منع رسمي

يصل عدد وكالات الأسفار إلى 762 وكالة بحسب إحصائيات وزارة السياحة المغربية التي حصل عليها معد التحقيق، ويتمركز أكثر من نصف هذه الوكالات في مدينتي الدار البيضاء ومراكش، وتشتغل أساسا على حجز وتسليم سندات النقل وتنظيم الرحلات ذات الصبغة الدينية مثل الحج والعمرة بحسب ما أوضحه عاملون في تلك الوكالات لـ”العربي الجديد”.

ومنعت وزارة السياحة والنقل الجوي في بلاغ رسمي أصدرته في 6 فبراير/شباط الماضي، 11 وكالة سفر سياحية لم تحترم “دفتر التحملات”، (اتفاق تنفيذ الالتزامات مع الحجاج)، من تنظيم عملية الحج للعام الجاري، ولتفادي وقوع الحجاج في براثن وكالات الأسفار “المزورة” أو غير القانونية، اشترطت الوزارة ذاتها أن تضع الوكالة نوع المنتوج، وكذا المبلغ الإجمالي المتعاقد عليه شاملا لجميع الرسوم من أجل أداء مصاريف الحج خلال فترات الأداء المحددة لهذا الغرض، طبقا لمقتضيات محضر اجتماعات اللجنة الملكية للحج المنعقدة يومي 16 و22 يناير/كانون الثاني الماضي.


شكاوى وتذمر

التدابير الاحترازية السابقة من طرف وزارة السياحة لم تمنع مشكلة الحاج عبد الرحمان قدري الذي يتواجد حاليا في السعودية لأداء مناسكه التعبدية، حيث قال في اتصال هاتفي مع العربي الجديد إن الخدمات التي وعدت بها وكالة الأسفار التي سافر عن طريقها ليست ما وجده على أرض الواقع.

ويشرح هذا الحاج، الذي يبلغ عمره 54 عاما، أن وكالة الأسفار المذكورة وعدت وفد الحجاج بأنهم سيقيمون في فندق قريب من الحرم المكي بخمس مائة متر فقط، بينما وجدوا أنفسهم بعيدين عنه بكيلومتر ونصف، وبأنهم لا يصلون إلى الحرم إلا بشق الأنفس بالنظر إلى الازدحام الشديد.

وأما الحاجة طاما برضوان فتتذكر ما وصفته بالمحنة التي تعرضت لها مع وكالة الأسفار التي ضعت ثقتها فيها السنة المنصرمة، لتقضي الحج في فترة سيئة من حيث ظروف الإقامة، وأيضا من حيث عدم الاستفادة من زيارة عدد من الأماكن الدينية الموعودة بها، وغياب “المرافق الديني” الذي وعدت به الوكالة المعنية.

وتتابع المتحدثة ذاتها بأن الحجاج الذين سافروا مع الوكالة المعنية خلال موسم الحج الفائت عانوا أيضا من مشكلة التنقل والاكتظاظ الشديد في وسائل النقل، كما أنهم لم يجدوا مخاطبا يعمل على حل مشاكلهم أو يبسط لهم يد المساعدة، متابعة بأن بعض وكالات الأسفار تعمل فقط من أجل كسب المال وتحقيق الربح.


نهب وجشع

مدير المركز المغربي لحقوق الإنسان عبد الإله الخضري عدد في حديث مع العربي الجديد الخروقات التي ترتكبها بعض وكالات الأسفار الوهمية، والتي تبتدئ بنهب أموالهم وحرمانهم من الحج أو العمرة أو تلك غير الوهمية التي تخالف وعود والتزامات الحج والعمرة التي حصلت على مال الحجاج في مقابلها، وخاصة ظروف الإقامة التي تصل لأن تكون مزرية، غير تلك التي يعدونهم بها، مرجعا ذلك إلى الكثير من الأسباب.

ومن بين هذه الأسباب، يوضح الخضري، اختراق هذا المجال من لدن سماسرة ونصابين يراهنون على الإفلات من العقاب بسبب تعقيدات المتابعة القانونية وغياب الصرامة القضائية وكذا ضعف المراقبة الإدارية، وجشع أصحاب وكالات الأسفار، وبحثهم الحثيث عن أكبر هامش للربح، من خلال أرخص تكاليف السفر والإقامة.

وزاد المتحدث بأن غياب الكفاءة المهنية والمصداقية وطغيان هاجس الربح، يرمي بالحجاج في كنف سماسرة ووسطاء وهميين، في ظل ضعف مهول في آليات الرقابة وتدبير الطوارئ وتشابك الاختصاصات وتعارضها بين وزارة السياحة ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وباقي المتدخلين الحكوميين.

وسجل المصدر ذاته بأن “المتورطين في مثل هذه الاختلالات نادرا ما ينالون العقاب اللازم، مما يحفزهم على تكرار جرائمهم في حق المواطنين”، مناديا بإحداث وكالة وطنية خاصة بالحج والعمرة، تلعب دور النافذة الواحدة، حيث تمتد مهمتها إلى ضبط أدوار وكالات الأسفار ومراقبة أدائها وسحب رخصها في حالة تورطها في اقتراف خروقات”.

ويرتبط افتتاح وكالة الأسفار في المغرب بالحصول على رخصة من وزارة السياحة، إذ تصدر هذه الرخص بناء على قرار وزير السياحة بعد إبداء رأي لجنة تسمى اللجنة التقنية الاستشارية لوكالات الأسفار، وذلك عبر مرحلتين الأولى رخص مؤقتة لمدة سنة واحدة؛ والثانية الرخص النهائية التي تصدر في أجل سنة واحدة بعد منح الرخصة المؤقتة.


حقوق وقوانين

تستغل وكالات أسفار الضبابية القانونية التي تحكم عمل وكالات الأسفار السياحية التي تتخصص في الرحلات إلى الحج والعمرة خصوصا، بحسب ما يراه الدكتور بوعزة خراطي رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، التي تضم العديد من الجمعيات الناشطة في مجال حماية حقوق المستهلك، والذي تابع في حديثه لـ”العربي الجديد” بأن بعض وكالات الأسفار وليست جميعها تغتنم هذه الضبابية والتسيب القانوني لتفرض شروطها على الحجاج، كما أن بعضها تلجأ إلى خدمات سماسرة ووسطاء بينها وبين الحجاج”، مبرزا أن الاشتغال في مثل هذا المناخ والظروف يفرز عن منتوج ديني يشتكي منه المستهلك/الحاج”.

ولاحظ المتحدث ذاته بأن وزارة السياحة قامت بعمل جيد في هذا الصدد من خلال الكشف علنا عن وكالات الأسفار التي تعرضت للعقوبة بسحب ترخيص إقامة الرحلات إلى الحج، مضيفا أن الحجاج يقبلون على هذا الصنف من وكالات الأسفار لكونها تقدم لهم منتوجا يلائم ميزانيتهم المتواضعة أصلا.

غير أن المحامي بهيئة المحامين بالرباط أحمد أرحموش يرى بالمقابل، أن الأمر يتعلق أساسا بعقد النقل وما يستتبعه من حقوق للمستهلك لضمان المقومات موضوع عقد الاتفاق، مسجلا أن محاكم المملكة تضج بمنازعات في الموضوع ينتهي أغلبها بتعويض المواطن المتعاقد من قبل وكالة الأسفار المتعاقدة.

واستطرد أرحموش شارحا “مقتضيات الفصول 77 وما بعده من قانون الالتزامات والعقود علاوة على قانون المستهلك، إضافة إلى اتفاقية مونتريال للنقل الدولي وغيرها، توفر حماية هامة للطرفين، وبالأخص المواطن”، مبينا أن “العديد من المعنيين غير واعين بما يضمنه لهم القانون الوطني والدولي”.

مشكلة السماسرة

حذر مديرو وكالات الأسفار بجهة الرباط سلا القنيطرة في لقاء صحافي في يونيو/حزيران الماضي، من تحول مهنة وكيل أسفار إلى مجال خصب لممارسات النصب بحثا عن الربح السريع، واعتبروا أن تكرار هذه الحالات وانتشارها إعلاميا يضر بالقطاع وصورة وكالات الأسفار وبالسياحة الوطنية.

ويرد سليم الشرقاوي وهو مسير وكالة أسفار سياحية خاصة بجهة الرباط سلا القنيطرة، على اتهامات الحجاج لبعض الوكالات بالاحتيال والخروقات، بالقول إن ذلك ينطبق عليه مثال “سمكة واحدة تنتن رائحة كيس بأكمله”، قائلا من واقع عملي في المجال يمكن القول بأن عدد الوكالات التي تشتغل في الفوضى لا يتجاوز 5 بالمائةّ.

واستدرك المتحدث ذاته بأن جنوح بعض وكالات الأسفار إلى الفوضى والاحتيال على الحجاج أساء إلى هذا القطاع الذي يعرف نوعا من التطاول على المهنة من طرف شركات وسماسرة، متابعا بأن أكثر أشكال الاحتيال شيوعا هو تقديم عروض غير واقعية، ما يجعل الحجاج يصطدمون مع غير ما تم وعدهم به من خدمات، فيضطرون إلى الاحتجاج في الديار المقدسة كما وقع السنة المنصرمة.

العربي الجديد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.