حزب ميت بقيادة حية

377

العرائش نيوز :

سليمان الريسوني

السؤال المطلوب طرحه الآن، ليس هو: هل سيغادر حزب التقدم والاشتراكية حكومة العثماني، احتجاجا على طريقة إعفاء شرفات أفيلال منها، بل: ماذا سيفعل الحزب إن هو غادر الحكومة، التي -للتذكير- لم يغادرها منذ 20 سنة؟

ولعل الجواب الذي كان محمد بنعبد القادر قد قدمه إلى أعضاء حزبه في طنجة، لتبرير الطريقة التي دخل بها الاتحاد الاشتراكي إلى الحكومة الحالية، ينطبق كثيرا على حزب التقدم والاشتراكية. فقد قال بنعبد القادر إن الاتحاد الاشتراكي كان يمكن أن يتحول إلى مجرد جمعية، لولا قرار دخول حكومة العثماني.

ويمكن الجزم بأن وضع التقدم والاشتراكية أسوأ من الاتحاد الاشتراكي، فالحزب لا يتوفر على فريق برلماني ليستبدل مشاركته في الحكومة بمعارضة أو مساندة نقدية متميزة عن فريقي الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال في البرلمان، كما أن نوابه البرلمانيين السبعة، في الدوائر المحلية، كلهم من الأعيان، بمن فيهم أحمد الغزوي، الذي ورث المقعد عن أبيه مصطفى الغزوي، أحد أعيان سيدي قاسم الذي اعتاد الترشح ضمن التقدم والاشتراكية.

ولقد سبق لمنية بناني الشرايبي، أستاذة العلوم السياسية بجامعة لوزان بسويسرا، أن قامت ببحث إحصائي خلصت فيه إلى أن التقدم والاشتراكية، من حيث النسبة، هو أكثر الأحزاب المغربية استقطابا للأعيان.

الحزب أيضا لا يتوفر على منظمات جماهيرية قوية أو، على الأقل، ذات صوت متميز يمكن أن تفرضه قوة في الشارع، كما أن وجوده في الحراك الاجتماعي الذي تعرفه العديد من المناطق المغربية يكاد يكون شبيها بوجوده في حركة 20 فبراير التي وصف نضالاتها، في 2011، بغير المسؤولة. حتى علاقات الحزب بأصدقائه الشيوعيين في العالم أصبحت باهتة بعد مشاركته في حكومة بنكيران.

لذلك، فمسألة خروج التقدم والاشتراكية من الحكومة مغامرة لا أعتقد أن قيادة الحزب، البارعة في التكتيك، ستقدم عليها. لقد كشفت الصحافة أن شرفات أفيلال احتمت، في إدارة خلافاتها مع الوزير عبد القادر اعمارة، لاستباق قرار إعفائها، بالمستشار الملكي فؤاد عالي الهمة، الذي يعلم الجميع أن علاقته بحزبها وأمينه العام ليست جيدة.

إن تاريخ حزب التقدم والاشتراكية هو تاريخ وضع تكتيكات لرفع أو خفض منسوب هويته، الشيوعية والتقدمية، في اللحظة المناسبة، حفاظا على وجوده، وذلك بدءا من تشبثه سنة 1934 بالإرث الشيوعي لـPCF»» وسط حركة وطنية سلفية في مجملها، ثم عدم دخوله في رد فعل انفعالي عندما رفضت أحزاب «الجبهة الوطنية المغربية» (حزب الاستقلال، الشورى والاستقلال، حزب الوحدة المغربية، حزب الإصلاح الوطني) انضمامه إليها في 1951، أو عندما اتفق كل من محمد الخامس والمهدي بنبركة وعبد الله إبراهيم على حل الحزب الشيوعي في 1959، وكيف حذف الحزب تعبير الماركسية اللينينية من إعلانه السياسي عن حزب «التحرر والاشتراكية» في 1968، واستبداله بصيغة أن الحزب يؤسس ممارساته على «التقاليد الثورية للشعب المغربي.. والمحتوى التحرري للإسلام»، وصولا إلى تحالفه مع الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال ومنظمة العمل في 1992، مع حفاظه على موقفه المخالف لأحزاب الكتلة الديمقراطية من غزو العراق للكويت، أو قبوله بعرض الحسن الثاني لتشكيل حكومة التناوب في 1993، والذي رفضته بقية أحزاب الكتلة بزعامة امحمد بوستة، وانتهاءً بتحالفه مع حزب إسلامي في 2011.

لقد تحولت تكتيكات التقدم والاشتراكية، المرحلية، إلى استراتيجية ثابتة، حيث كان الحزب دائما يستطيع أن يلائم نفسه مع كل مرحلة، دون أن يسعفه التاريخ لتنزيل برنامجه ضمن حكومة تقدمية اشتراكية، إذا ما استثنينا لحظة التناوب التوافقي لسنة 1998، والتي دخل معها الحزب أول مرة إلى الحكومة، دون أن يغادرها إلى الآن، حيث يعثر دائما لمشاركاته في حكومات جطو والفاسي وبنكيران والعثماني على المسوغات المناسبة.

لكن حزب التقدم والاشتراكية، ورغم ما قاله بعض رفاقه الغاضبين عن الطبيعة الانتهازية لعلاقته بالعدالة والتنمية، أو عن تردده في تبني مطلب الملكية البرلمانية، وتأجيله الصراع مع السلطوية، لا يمكن نكران تميزه عن عدد من أحزاب الحركة الوطنية، انطلاقا من موقفه الثابت من حزب الأصالة والمعاصرة، الذي وصف مولاي إسماعيل العلوي مؤسسيه بـ«الملاكيط»، أو تضامنه اللافت مع رئيس الحكومة السابق، عبد الإله بنكيران، بعد انسحاب حزب الاستقلال من الحكومة، أو مؤازرة قيادة الحزب أمينها العام بعد بلاغ الديوان الملكي الذي انتصر للهمة وهاجم بنعبد الله، أو تضامنها مع الوزراء المعفيين من حكومة العثماني…

لذلك، يمكن تلخيص واقع حزب التقدم والاشتراكية في أنه «حزب ميت بقيادة حية». غير أن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: إلى متى ستستمر هذه القيادة في ضخ الحزب بالأعيان دون أن يؤثروا على مبادئه ومواقفه؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.