التــاريخـانـية ومسـألة اللــغة: ملاحظات بخصوص حوار الاستاذ عبد الله العروي حول مسالة اللغة

721

العرائش نيوز:

عـــزيــز قــنجاع

“ماهو التاريخ؟ التخصيص والتحديد و التعيين” ميشله

ذكره عبد الله العروي في كتابه “مفهوم التاريخ”الجزء الاول.

 

استهلال

سنة 2016 سيتفجر النقاش حول تدريس الدارجة عقد الكاتب و المفكر الكبير عبد الله العروي حوارا صحفيا مع جريدة الاحداث المغربية دافع فيها عن وجهة نظره الداعمة للغة الفصحى وبعدا دعت جريدة الاحداث المغربية المهتمين للرد على ما جاء في الحوار مع السيد العروي فكان ان كتبت هذه المقالة النقدية رددت فيها على ما جاء في حوار هذا الكاتب الكبير اعيد نشرها تعميما للفائدة لابسط فيها وجهة نظري من موضوع الفصحى و الدارجة .

 

تــقـديـم

لا يطمح هذا المقال تقديم إجابات في موضوع اللغة/ الإشكال الذي تتبعنا فصوله مؤخرا بين دائدين عن اللغة العربية و منتصرين للدارجة، نظرا لعدم أهلية صاحبه وعدم تمكنه من مضانها الدقيقة، فكل ما يطمحه المقال مشاركة في السؤال لموضوعة اللغة كما جاءت في تصور الدكتور عبد الله العروي في حواره بجريدة “الاحداث المغربية”،  فالمتأمل لحوار الدكتور عبد الله العروي حول اللغة المبتغاة كأداة للتدريس بالمغرب، سيخلص الى مجموعة من الاعتبارات الأساسية تحكمت في ردود الاستاذ العروي، وتحكمت في رص أجوبته، وهي اعتبارات معرفية لها مصوغها ضمن النسق المعرفي والمنهجي الذي يتصدر عنه الدكتورعبد الله العروي في تناوله لقضايانا ومشاكلنا، ورغم ما حققته ردوده من إجماع شبه كلي من طرف الأصوليين مرورا بالسلفيين الى الحداثيين، فان مجموعة من الأسئلة بقيت معلقة  دون جواب ، بل إن الإجماع هذا بذاته، ينبه إلا أن المشكل بقي معلقا، إن لم نقل مؤجلا كما سيتضح في سياق المقال. لذا سنحاول بداية أن نعيد استعراض مجمل آراء الدكتور العروي ومواقفه الواردة بحوار “الأحداث المغربية” على أن نناقش مضامينها في تسلسل المقال.

اللغة العربية /الوقت-الزمن كناية عن الاستمرارية في الحاضر

فعلى مستوى خدمة الدارجة و نصوصها حتى تصير قابلة للتدريس، يتساءل الأستاذ العروي: “كم سنحتاج من الوقت لنخدم هذه اللغة حتى تصير قائمة الذات و قادرة على أن تكون لغة التدريس و ثقافة؟ مائة عام على الأقل، حينها أين سيصل الآخرون في المشرق مقارنة بنا نحن الذين تفرغنا لخدمة الدارجة…”جريدة الاحداث”” و بالتالي فالمطلوب هو منح “هذه المدة الزمنية لبناء اللغة المعربة وخدمتها ليروا النتيجة دون إحداث قطيعة ثقافية مع ارث الثقافة العربية وما تزخر به من كنوز لا يمكن للدارجة ان تعوضها..”. والدارجة لا تستطيع تعويض العربية، لان العربية راكمت إمكانيات تعبيرية استطاعت أن تتمثل التعبير الإيحائي، فبعد أن يستعرض الأستاذ العروي نصا من رواية “اليتيم” مكتوب بالفصحى يقول: “لايمكن كتابته بالدارجة لان فيه إيحاءات ، إيحاءات البندقية و همنغواي و توماس مان . هذه تراكم مائتي سنة، و تلاقح بين هذه الحضارة و اللغة العربية المكتوبة التي استطاعت أن تستوعب هذه المعطيات في عمقها و تعبر به بهذا الأسلوب ، بالتالي علينا ان ننتظر مائتي سنة أخرى حتى ننجح في فتح الدارجة على هذه المعطيات و نحقق فيها كل هذه التراكمات ، وعلينا ان ننتظر مائتي سنة حتى ننجح في التعبير بالايحاءات . …”. ثم يعود الأستاذ العروي مباشرة إلى إكراه الزمن ليذكرنا بصيغة استفهامية حادة “هل نملك الزمان الكافي لتحقيق هذه النتيجة التي تستطيع العربية تحقيقها دون مشاكل. هل استوعب كل الدعاة الى التعبير بالدارجة إلى هذه الحقائق هل فكروا فيها وفي مضيعة الوقت التي يستدعيها بناء الدارجة…”جريدة الاحداث””.

اللغة العربية: نمط تعبيري بقيمة كونية، كناية عن المستقبل  

 بين إكراه الوقت الذي يزاحمنا وبين ما راكمته اللغة العربية من إمكانيات تعبيرية أضحت معه قنطرتنا الوحيدة للولوج إلى سوق العالمية، او بتعبير أوضح إلى الكونية، يحضر النموذج الايرلندي و الهولندي بكل تفاصيله، ثقافتان بأدباء و شعراء كبار لكن دون صدى كوني ” الثقافة الهولندية أنتجت شعراء و قصاصين وروائيين من الطراز الرفيع لكن لغتهم المحلية حالت دون شهرتهم على الصعيد العالمي. مبدعون كبار و لا احد يعرفهم خارج هولندا…”. وكذلك “جيمس جويس الذي عاش في محيط ايرلندي يعادي اللغة الانجليزية ويدافع عن اللغة الوطنية اللستية …..لكن ارتأى أن لا يؤدي ثمن الخطأ الذي ارتكبه أجداده الأبعدون الذين لم يطوروا لغتهم و لم يكتبوا بها…”. فالعربية على نقيض ذلك طوق نجاتنا، بوابتنا نحو الكونية، والجسر الذي من خلاله تعبر ثقافتنا الى السوية الكونية للإنسانية عكس ما حصل للأدب الايرلندي و الهولندي الذي كان مآله الغمر والتحاشي واللا اكتراث، والدليل حاضر بديهي قائم هو  المختار السوسي الذي كتب باللغة العربية فكان مصير أدبه ومؤلفاته غير مصير الهولنديين والايرلنديين، حيث يقول الأستاذ العروي مستفها “المختار السوسي ….تخيل معي لو انه كتب “المعسول” بالسوسية فمن كان سيقرأ ذلك الكتاب الذي مازال الى اليوم يثير أسئلة قراءه من غير السوسيين؟…”.

اللغة العربية / الأصالة علاقة بالماضي، كناية عن الشخصية والماهوية

لكن نفس الإمكانيات التي تفتحها لنا اللغة العربية الراهنة كإمكانيات تعبيرية وأسلوبية قادرة على استحاثة مضامين كونية، فإنها كذلك صوان امتدادنا الحضاري، ف”إذا اعتمدنا الدارجة لغة مكتوبة سينقطع المغاربة عن الثقافة العربية وما أنتجته طيلة قرون من ارث ثقافي وأدبي وما زالت تنتجه…”، إذن فاللغة العربية إذا كانت بوابتنا نحو الكونية فهي في نفس الوقت ضمان أصالتنا التي ليست في آخر المطاف علاقات عرقية او جغرافية بل هي انتماء ثقافي /حضاري ، لذا يرى الأستاذ العروي” أن الانتماء إلى المغرب لا يتعارض أصلا مع الانتماء ليس الى المجموعة العربية أو الشعوب العربية وإنما ثقافة الجاحظ و بن خلدون وألف ليلة وليلة…” وهذا ما ستحرمنا منه الدارجة إن نحن لقناها لأطفالنا ف “إذا اكتفينا بتعليم الطفل الدارجة فستنقطع صلته انقطاعا كليا بتلك الحضارة وثقافتها” بل و بكل ما ساهم ” به المغاربة وأهل الأندلس في تلك الحضارة”.

خــلاصـة أولية

اللغة العربية الأداة التي تربط الحاضر بالماضي عبر مستمر حاضر، هو الأصالة.  وتمثل تواصل الحاضر مع المستقبل عبر مستمر آت، هو الكونية.

عود على بدء: في التاريخانية

سيلاحظ القارئ أن عبد الله العروي يفصل الإشكالات المرتبطة باللغة عندنا عبر إساحتها على أربع مستويات تشكل عماد التاريخانية، فبين إكراه الزمن /الوقت و بين ضرورة انخراطنا في التاريخ الكوني او اندراجنا ضمنه عبر مضامين تعبيرية قادرة على استدعاء أسلوبي كوني دون التفريط في رصيدنا الحضاري ، وبعد تجريد كل الإشكالات الثاوية في مضان الحوار، سنجد أنفسنا أمام استعادة حرفية للمفاهيم الأساس للمقالة التاريخانية . وهي:اولا الاستمرارية ” الوقت، الحاضر ”  / ثانيا: الكونية “المستقبل” / ثالثا :  الأصالة “حضارة – ثقافة”/ رابعا :  التعبير “الفني والأدبي المطابق”

فبعد أربعة عقود و نيف لازال صاحب “الإيديولوجية العربية المعاصرة” وفيا لمقالته المؤسسة، فالتاريخيانية ظلت بالنسبة له منهجا متعددة الروافد لمقاربة إشكاليات  مجتمعاتنا، مبتعدا دائما كما عهدناه عن التجريبية التي تعتمد الوصف التفصيلي، وعن الوضعانية التي تتحيز للتجرد المنهجي. كلا التحليلين او المنهجين بالنسبة للاستاذ العروي ينفي التاريخ او يراه من منظور واحد ، لذا تأتي معالجة الاستاذ العروي لإشكال اللغة ضمن مستوى التاريخ المقارن واجتماعيات الثقافة، دون السقوط في  التبسيطات المجحفة أو المغالطات اللفظية التي تعجز عن رصد الإشكال كما هو مطروح في الواقع.

لكن قبل بداية مناقشة مضامين ما ورد في الحوار بجريدة “الاحداث المغربية”، لا باس ان نحدد المعنى الذي يعطيه الاستاذ العروي للواقع محط حضور الذات و الإشكال في مجمل تصوراته وكتاباته. فدرء لكل التباس قد يجرنا إليه مصطلح الواقع عند التحليل، يدعو الأستاذ العروي الناقد إلى أن يزن الإشكالات المطروحة في الواقع، لا بالنظر الى حاضر مجتمعه، هو فيحكم عليها على ضوء عقائده و مسلماته، بل باعتبار المستقبل المرتسم في أفق المجتمع المدروس، “ففي مجتمع يجتاز مرحلة طفرة كمجتمعنا، كل حكم عل الوضع القائم او الماضي او الفكر إيجابا او سلبا قبولا أو رفضا إنما يكون باعتماد مؤشرات المستقبل”الايديولوجيا العربية المعاصرة“” والمستقبل هنا، هو التاريخ المنجز، المتحقق فعلا على سقف سيرورة الإنسانية، والمفوت في الهنا، أي في واقعنا، انه المستقبل الماضي. اذن فقياس تاريخنا المفوت يتم بناء على تاريخ منجز مكتمل في الهناك. ولمزيد من التوضيح فالتاريخانية تفترض عند التحليل و الرؤية “ان نقتطع من الواقع أجزاء لا نقابل بعضها ببعض ولا نقيسها على بنية واحدة مبطنة فيها -” اشكالية المختار السوسي واشكالية جون جويس-مآل الهولندية و مآل الدعوة للدارجة “- بل نقيسها بأشكال منطقية تجلت مكتملة في حيز اجتماعي غير حيزنا، نعني الغرب “الايديولوجيا العربية المعاصرة “، هناك، حيث الزمان اكتمل فعله واتضح سقفه، ويصبح واقعنا مقاسا على فعل مكتمل و سقف منجز.  فالاكتفاء بوصف الواقع ورصد تفاصيله لا يكفي بالنسبة للمجتمع ذي البنى المفوتة، لأنه مجتمع في حقيقة وجوده متجاوز عند التحليل فمرجع النظر بالنسبة للمجتمع المفوت يقع خارج ذلك المجتمع، في مجتمع آخر يعتبر أكثر تقدما، فتتعلق الأفكار بذلك المرجع وليس بما يوحي به المجتمع المتخلف. من خلال هذا الاستعراض المختصر لملامح النظر في واقعنا من قبل الإشكالية التاريخانية، وخلفياتها النظرية المؤطرة ينطلق الأستاذ عبد الله العروي في نقاش مسالة اللغة.

اللغة العربية في ميزان التاريخانية 

 فاللغة العربية بما اعتمل بداخلها منذ مائتي سنة، أصبحت تتوفر على إمكانيات تجاوز الفوات الذي أصابها منذ قرون، وأصبحت بالتالي باحتكاكاتها وترويضها منذ قرنين قابلة لتدارك فواتها إلى مرحلة ارفع من تلك التي وجدت نفسه فيها منذ بدايات مرحلة النهضة، الا ان هذا التراكم المستمر منذ قرنين، ستظل وثيرته غير كافية في نظره لتحقيق تراكم كاف بحيث تتساوى اللغة العربية في النهاية من حيث مضامينها التعبيرية في السوية الافقية لسقف للتاريخ، نظرا لان مشكلتنا مرتبطة بتخلفنا عن المستوى الحضاري العام، لأننا كما جاء بجريدة الاحداث المغربية و في نفس الحوار ” نعاني من تخلف فكري” بسبب كون “الجديد يصل الينا بوساطة و بعد خمس او عشر سنوات”، ولا حول لنا في استدراك هذا النقص لغويا الا بالانصهار كليا في عملية استدراك تاريخي شامل، يشمل كل المستويات الأخرى، الاقتصادية والعلمية والسياسية، وفي غياب الإمكانات في الراهن التاريخي للاستدراك الشامل للفوات الذي لحق مجتمعنا، تحضر عملية الترجمة كحركة دؤوبة لسد الفجوة الحاصلة بين المستوى الذي يوجد فيه مجتمعنا بالنسبة إلى ثقافة القسم المتقدم من المعمور، هذه الحركة تحتاج المساندة والعون “تعرف الترجمة مع أموال البترول حركة لا باس بها وعوض الدفع بهذه الحركة في المغرب نفاجأ بمن يتبرأ من العربية…” الاحداث””. هنا تصبح المشكلة اللغوية عندنا جد مركبة : اللغة العربية التي ضبطت قواعدها وتراكيبها وتوليداتها انقطعت منذ قرون عن محيطها، لا لعيب بها، بل بسبب ركود مجتمعي عام.  لكن منذ مائتي عام احتكت اللغة العربية مع باقي اللغات وتطورت نسبيا واكتسبت مقدرات تعبيرية الى درجة الايحاء،  الا ان تطورها هذا لازال رهينا بتطور حضاري شامل، بسبب ان الجديد الذي ينتج بالغرب المتقدم لا يصلنا الا بواسطة الترجمة كعملية مؤقتة للاستدراك، كل هذا يبقى في الراهن الحالي أحسن من اعتماد الدارجة، لانها ستغرقنا في فوات مضاعف، فعندما يقوم اللسان المقوعد في الغرب بشكل طبيعي بدور الوساطة بتمرير اللغات الاصطلاحية والمنظومات الرمزية من مجالها المحدود “من المختبرات ومراكز الأبحاث ومجالات الاختصاص ” الى عموم التداول في تناسق تام وانسجام طبيعي مجتمعي تتوازى فيه إبداعات المنظومات الرمزية العلمية والاصطلاحات المصاحبة بمواكبة لغوية حثيثة، رغم ما قد تأخذه العملية داخل الدول المتقدمة نفسها من وقت حتى يتم تداول الاصطلاحات المستجدة على نطاق واسع ومن ثم انتقالها الى مجالات تعبيرية بإحالات جديدة في ميادين غير التي أنتجت ضمنها، وما قد تتطلبه العملية حتى تصير الحاجة اليه ضمن نطاق التعبير الثقافي عندنا وتتضح أهمية توطينه داخل حقل التداول اللغوي لدينا ثم القيام بترجمته، وهي العملية التي قد تتطلب على الأقل حسب الأستاذ العروي عقد من الزمن. كل هذا و دعاة الدارجة غارقون في مستنقع التأسيس للغة جديدة غير مضمونة نتائجها مغامرين بالوقت والتاريخ. لذا يصرخ الاستاذ العروي عاليا  “ولكن اعلموا ان الوقت الذي ستقضونه في خدمة تلك اللغة هو وقت ستضيعونه في تعلم هذه اللغة الجديدة، ولن تستطيعوا استدراك ما ضاع منكم” النتيجة أننا سنتخلف حتى عن محيطنا.

التاريخانية/اللغة : المستقبل ومقتضى التاريخ

لا بد من تسجيل ملاحظة هنا، وهو ان الدعوة لصالح اللغة العربية عند الدكتور العروي، غير قائمة على اعتبار ما قد تحققه هذه اللغة من نهوض مجتمعي ونهضة معرفية، لان المسالة كما رأينا، مرتبطة بل مرهونة باستنهاضات عامة في مجالات عدة مندرجة تحت مسمى التخلف، فالمسالة اذن في مجملها مطروحة على مستوى الحفاظ على انخراطنا  ضمن إطار ثقافي اقليمي عربي قومي، يحاول ان يبرره تارة بالحضارة وتارة بالثقافة ، لكن في العمق فالمقصود هو دول المشرق “خاصنا نخدمو الدارجة و نصوصها طيب….كم سنحتاج من الوقت لنخدم هذه اللغة حتى تصير قائمة الذات و قادرة على ان تكون لغة التدريس وثقافة؟ مائة عام على الأقل حينها أين سيصل الآخرون في المشرق مقارنة بنا نحن الذين تفرغنا لخدمة الدارجة” وهذا الحضور ضمن نطاقنا العربي الاقليمي وهو المقصود هنا في اصطلاح “المشرق” يضمن لنا الحد الأدنى من مقومات التفاعل التاريخي مع السيرورة الانسانية عبر عملية الترجمة، لكن المؤكد عند الدكتور العروي ان مصيرنا مع الدارجة الانعزال و الانطواء التام. وبالتالي فما يترتب عن ذلك منطقيا هو ان تطور اللغة العربية مرهون بالضرورة والاستتباع إلى سياسة إقليمية وقرار قومي قادر على اتخاذ إجراءات تستهدف التقدم و التطور، ويروم اللحاق بالركب الحضاري العام وتحقيق مقتضى التاريخ، لأنه كما أسلفنا لا يمكن أن تتطور اللغة العربية إلا في سياق حضورها الإقليمي العام، وفي غياب ذلك فمشكل اللغة سيظل مطروحا وبدون حلول الى جانب القضايا الأخرى. ونظرا للترهل العام الذي يطبع المشهد القومي إلى درجة أن السؤال حول القومية العربية أصبح موضع استفهام عام،  مع حضور جاثم للدولة القطرية التي تحافظ على لسان عربي كرديف للشرعية في تساكن مع اللهجات المستعملة في الحياة اليومية كوسيلة لضمان الاستقرار، وعلى ألسن أجنبية في مدارس انتاج النخبة الحديثة ، كتعبير عن وضع انتضادي لفئات المجتمع تنتجه وتكرسه الدولة القطرية، في ظل هذه الشروط سيبقى إيلاء أمر تحقق مقتضى التاريخ الى جهة فاعلة غير محددة الهوية وسيبقى مشكل استصلاح اللغة العربية رهين بأمرين : ترك الأمور على حالها كما هي الان بمبرر “الوقت” الذي يتردد في حوار الاستاذ العروي كثيرا، وإيلاء فعل استصلاح اللغة إلى المستقبل الذي تبشرنا به التاريخانية، اذ تعدنا بمستقبل يصل فيه المجتمع المفوت إلى مرحلة ارفع ترتقي فيها الأشياء عبر درجات متنامية من الاكتمال، حيث تتساوى في النهاية كل المجتمعات في كونية التاريخ الناجزة، انها الصرامة التاريخية للتاريخانية. تنتج عن هذا، دعوة إلى الاستقالة من الفعل، حيث تبقى مشكلة اللغة مطروحة على برنامج التاريخ إلى اجل غير مسمى.

التاريخانية المعكوسة/ اللغة: الأصالة ومقتضى التاريخ

 هذه الدعوة الى الاستقالة من الفعل وترك الأمور على حالها بإيمان تاريخاني مقتنع أن التاريخ خاضع لقوانين قارة تسير في اتجاه مرسوم نحو غاية محققة” هيغيلية بنفح الثوسيري واضح”، مخرج مريح للجميع، من السلفيين إلى الحداثيين إلى أولياء الأمور، منطق ينتج عنه بالضرورة إلغاء الآن الذي هو موضوع السياسة ومادتها. فيتم تغييب الواقع/ الآن بجعله نقطة عبور فارغة، نحافظ فيه على ماهو قائم كما هو قائم بما هو قائم، دعوة اراحت الجميع ليتم طي نقاش كان من الممكن ان يكون احد أهم نقاشاتنا في كل تاريخنا المعاصر

 ولكن إلغاء الآن نظريا، ينتج عنه على المستوى العملي تسليمه للقوة المهيمنة الفاعلة لتتصرف فيه، والقوة هذه ليست في آخر المطاف سوى الأصولية بكل مشاربها، ولا نعني بالأصولية الحركات المنظمة فقط التي تستخدم شيئا من التراث في تثبيت حضورها ونفوذها، بل بكل الحركات الإحيائية الأخرى التي تستدعي الماضي لإثبات الاستمرارية الماهوية “إذا اكتفينا بتعليم الطفل الدارجة فستنقطع صلته انقطاعا كليا بتلك الحضارة وثقافتها” حضارتنا التي هي اس الشخصية ومفصل الهوية التي لا قوام لها ولا معقولية لها الا في اطار حاضر متصور في الماضي”الاصل”، فتتساوى التاريخانية في لعبة استبدال موقع حضور الاصل المستقبل / الماضي فيتحول معها التاريخ إلا حركة استعادية للأصل كواقع طرنسندنتالي، متعالي، وتصبح الأصالة دلالة على جوهر ما وراء تاريخي، تعيد تاصيل ما خرج عن اصله “الحاضر”  بسبب انقطاع تاريخي يجب استدراكه بعملية عبور تشكل اللغة قنطرتها وجسرها الوحيد الأحد “افتح قوس هنا لأقول حتى تلك الاستصلاحات التي حدثنا عنها الدكتور العروي، للسان عربي دون إعراب تام ولا علامة تأنيث ولا مثنى ولا جمع تكسير ” تصبح غير ممكنة، لان كل تحول في كل الأصوليات مآله العودة إلى أصله، أصل يضفي على اللغة ماهيتها ، تلك الماهية التي تثبت كل اثر كاستمرار وتكرار، استنساخ لذلك الأصل وتجسيد له في الزمانية ويتم استحضاره اولا في اللغة و ثانيا باللغة.

فاولا:استحضار الاصل في اللغة: يتم باعتبارها تختزن في داخلها جوهر نظرتنا إلى الكون، و يتم على أساسه اعتبار كل قواعد اللغة مطابق لمنطق الكون ” منطقنا مقابل منطق شعوب أخرى “مناظرة الصيرافي و ابن متى كما اوردها ابن حيان وكما تعامل معها الجابري في كتاب “بنية العقل العربي”” تصبح اللغة محض وجودنا. فضمن هذا المنطق الأصولي “الغنوصي”، تصبح عملية استصلاح اللغة بجميع الأحوال تدخل في باب الاستحالات، لم نرد ان نسرد هنا الاحتجاج الديني طبعا.

ثانيا استحضار الاصل باللغة: فاذا كانت الترجمة مجال عبورنا المؤقت عبر اللغة الى الحداثة/ المستقبل  في انتظار انفكاك آسار الآن، فان التراث وعاء أصالتنا ‘يستدعى من خلال عملية نقيضة الا وهي عملية “التحقيق” كحركة نشيطة تمكننا من العبور الى الاصالة /الماضي، ان لم نقل أنها أصبحت محور اشتغال جامعاتنا وطلبتنا وأساتذتنا وأضحت معه اللغة العربية أداة “إحيائية” يتم توسلها لإعادة توضيب التراث، ويعمق من طغيان حضوره في الحياة الثقافية، والمطلع على البحوث الجامعية التي أصبحت تنجز بجامعاتنا سيكفيه ذلك، كل هذا دون ان يواكب ذلك تعميم فكر نقدي حداثي يستطيع أن ينضو عن التراث كل قيمة إطلاقية جوهرية او ميزة أصالاتية و يتم اعتبار إعادة إنتاجه ضمن ضرورات اليوم و أسسه.

خلاصة أخرى

بين الترجمة و التحقيق يبقى الآن/الحاضر  بتحولاته وانشباكاته عند الدكتور العروي مجرد نقطة عبور بين واقع مرتبك مختلط القيمة وغير صاف تجري الإشارة إليه لفظا “غياب القرار القومي وحضور الدولة القطرية”، وضع ينتج عنه على مستوى مطلب إصلاح اللغة ، إبقاء الأمر على ما هو عليه.  فيتم نظريا تغييب واقع الآن بجعله نقطة عبور فارغة او قاعة انتظار مريحة. لكن هذا التغييب النظري يوازيه حضور عملي لقوى نشيطة من دعاة الاصالة تستفيد من هذا الوقت الغير خاضع لجدولة محددة، وكل اعتراض على هذا، بدعوى ان الوضع نفسه تستفيد منه قوى لها اجندات مناقضة، سيكون إما ساه أو غير ملم بما ينفعل داخل مجتمعنا.

إن الآن غير موجود في نتائجه بالمستقبل ومجرد ملحق بالآت، وليس مجرد لاحق لسوابق يجد ركائزه في ماضي مستمر. ان اليوم مرتبط بما يزامنه ويأخذ فحواه ومداه من وضعه في إطار أترابه من المسببات وعلاقته بها، فليس المستقبل مضمون اليوم بل مضمونه تشكله، وتشكله يتم في مجال السياسة اليومية ودقائقها. ومجال السياسة خاضع لميزان القوى 

خلاصة أخيرة للتأمل فقط: وماذا عن اللغة الامازيغية؟

في خضم الصراع بين العربية العالمة والدارجة تم تغييب الامازيغية، هل للغياب معنى؟

بحكم انتمائنا لثقافة المغرب العريض، نثير الانتباه، الى ان الثقافة الامازيغية كثقافة محلية عضوية منغلقة، استطاعت للمرة الأولى منذ قرون أن تبدأ بصياغة نفسها وأساطيرها في شكل ثقافة عليا عالمة تطمح لان تكون جزء من ثقافة الدولة. وأضحت الثقافة الوحيدة بالمغرب القادرة على التأصل الفعلي في أساطيرها وكتابة تاريخها تبعا لمتخيل لا يفتأ يساءل المصادر بشكل حثيث لكن متجدد يرسم آفاقا رحبة وكبيرة تعد بالتحول إلى واقع ثقافي، اذ ان الأصالة بالنسبة للامازيغية كعلاقة بالماضي و بجوهر تاريخي متجدد، عامل ذو وزن فعلي اي ذو وزن سياسي في الحاضر حاصل بوعي حاد لدى فاعليها، يمكن من بناء دولة على أساس انتروبولوجي محدث، ينهل من فهم متقدم لمصوغات بالدستور الجديد للمغرب. الامازيغية بفعلها الحاضر المتميز بحضور قوي وفاعل، حتم على تطور الحركة الموسومة أمازيغية بتغيير متجدد لمضامين الماضي فرضه الارتباط المتجدد بالمستقبل. والمتتبع لتطور الحركة الأمازيغية من أواخر ثمانينات القرن الماضي إلى الآن سيلاحظ ذلك جليا…هل نحن بصدد تاريخانية بمداخل اخرى؟ ….يمكن .ممكن. 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.