في معنى ” العدل الالهي”

428

العرائش نيوز:

سمعت من قال إن كل مطالب الحقوقيين والحداثيين هومعاكس لإرادة الله، الذي أراد للناس ما تقرر في الدياناتبشكل نهائي، وأن ما تقرر في الديانات هوعدل إلهيكلهولا مجال لنقده أو مراجعته أو مناقشته مهما ظهر فيه منمشاكل وصعوبات، أو أدى إليه من أوضاع سلبية، ولنا علىهذا تعقيب نورده فيما يلي:

1) أن ما تقرر في الديانات ليس متناغما ولا منسجما بل فيهكثير من التعارضات والتناقضات سواء بين دين وآخر، أوداخل الدين الواحد نفسه، حيث تجد النص ونقيضه، وهوما يرجع إلى تبدل الأحوال وانقلاب الظروف التاريخية، فيفترة وجيزة ، فكيف بالقرون الطويلة الممتدة.

2) أن القول بأنّ ما تقرر في الديانات هو عدل إلهي ينبغيأن يقبل به البشر حتى ولو كان فيه ضرر لهم ليس أمرامطابقا لواقع الحال، لأن الناس تخلوا عن كثير مما فيالديانات بسبب عدم ملاءمتها لواقعهم، فقد تخلىالمسلمون عنملك اليمينأي عن العبيد والإماء لأن فيذلك اعتداءا وظلما شنيعا على حرية الإنسان، ومن تم لايمكن اعتبار العبودية عدلا إلهيا لأنها وردت في نصوصالديانات، بل الأصح القول إن الله قد وهب الناس عقولاليفكروا بها ويدركوا مصالحهم فيرعوها حسب ظروفهم،لأنهمالأعرف بشؤون دينياهم“. كما تخلى المسلمون عنالجهادالذي يهدف إلى غزو بلاد الغير من أجل نشرالإسلام، بسبب تيقنهم من أن الزمان الذي نحن فيه لم يعديقبل نشر الديانات بالغزو وسبي النساء والأطفال وتوزيعالغنائم، حيث أدرك الناس اليوم بأن الإكراه على عقيدة مالا يمكن أن يكون من مظاهر العدل الإلهي، بل هو ظلم للغيرواعتداء على حريته واختياره.

3) إن مشكلة رجال الدين لا تتمثل فقط في رفضهمتاريخية النصوص الدينية وارتباطها بسياقات لا يمكنإنكارها، بل هي في تقديم أنفسهم وسطاء بين البشروالسماء، وما جعلهم عبر تاريخ الدّم الطويل يعتبرونالديانات، كما فهموها في حدود معارفهم وشروط عيشهمومصالحهم أيضا، يعتبرونها قرارا إلهيا على الناسالخضوع له والامتثال لأوامره بشكل ثابت، مطلق وأبدي،إنما هو حرصهم على جعل الناس تحت وصايتهم. هكذاصارت الكثير من المظالم التي يرتكبها البشر مظاهرلـالعدل الإلهي، وأصبحت أخطاء الناس مبرّرة باسمالدين، وصار كل من اعترض على تلك المظالم كأنه يرفضالقرار الإلهي الأزلي، ويعاكس إرادة السماء. ولقد تنبهالمعتزلةإلى هذه المشكلة أثناء معاناتهم المريرة معحكام المسلمين المتغطرسين والظالمين، الذين كانوايقولون إن ما يفعله البشر إنما هو مقدر من الله، فكان ردّالمعتزلةأن الله نفى الظلم عن نفسه، وأن فعل الشرّ إنماهو من اختيار البشر وبفعل إرادتهم، إذ لا يمكن لله أنيقدره على الناس ويعاقبهم عليه بعد ذلك. غير أن منظومةالفكر السني الأشعري سرعان ما طوت صفحة الحريةلصالح الجبر والقدر، وهو المنظور الذي استجاب بشكلواضح، وإلى يومنا هذا، لحاجات الدولة الإسلامية القاهرةوالمستبدة، فالحكام الظالمون بحاجة إلى صورة للإلهالقادر على كل شيء، والذي لا يُسأل عن شيء، ويفعل مايريد، وتعتبر كل أفعاله عدلا مهما كانت نتائجها على حياةالبشر.

4) إن ترسانة المفاهيم التي اعتمدها الفقه القديم لم يعديمكن اعتمادها اليوم، فـالعدل الإلهيفي زماننا هذا هوأن يجد الإنسان على الأرض الكرامة المطلوبة، سواء كانذلك باسم الدين أو باسم القانون الوضعي، أما التطبيقالحرفي والآلي للنصوص الدينية بزعم أنها أوامر إلهيةحتى ولو لم تعُد مطابقة لواقع الناس، مع ما ينتج عن ذلكمن قهر وظلم ومعاناة للبشر، فذلك لا يمكن أن يعتبر عدلا،بل هو مجرد إعادة لنفس المأساة الحزينة التي شهدتهاالبشرية منذ بزوغ الديانات واعتمادها أنظمة عامة لضبطالمجتمعات، إذ العبرة بالواقع وبأوضاع البشر، لا بالنصوصالدينية أو بضوابط الفقه القديم.

وإذا كان المسلمون لم يستطيعوا حتى الآن أن يعكسوا فيدولهم ومجتمعاتهم وسلوكهمالعدل الإلهيكمايتصورونه، فذلك لأنهم لا ينتبهون إلى مواطئ أقدامهمبسبب التفاتهم باستمرار وبشكل دائم إلى الوراء.

إنالعدل الإلهيهو أن يكون الإنسان عادلا مع أخيهالإنسان، هُنا والآن، لأن الله لا يمكن أن يتخذ صورة جميلةفي أذهان الناس إذا ظلت مختلف الفظائع ترتكب باسمهبدون ضمير، وفي غياب قيم الحق والخير والجمال.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.