مبنى الحاج احميدة

416

العرائش نيوز:
(محمد عزلي) ارشيف العرائش

رحمك الله يا عمي احميدة، المالك الأصلي لهذا المبنى قبل أن يبيعه ورثته، هو عم والدي وكان من الطبيعي أن أناديه بعمي، لكن الحاج احميدة كان في حقيقة الأمر عماً للجميع، كان عنوانا للكرم والصدق والأمانة وإصلاح ذات البين وصلة الرحم، لا يخيب من يدق بابه أبدا، حتى أن باب داره كانت تفتح بخيط طويل يصل إلى الصالون الكبير الذي لا ينضب من مائدته شاي ولا قهوة مع كل ما يلذ للأكل ويبهج للنظر. كان مسموحا لي التحرك بحرية في المنزل البهيج دون حسيب ولا رقيب، لم أكن أفضل الصالون الأول ولا حتى الثاني المقابل له رغم الفخامة وإغراء الحلويات وشاشات التلفاز الملون والمزود بجهاز الفيديو، كنت أقصد الحاجة رقية رحمة الله عليها أينما وجدت سواء بمجلسها النسوي في صالونها الخاص، أو في مطبخها ذو الشرفة البهية، أقصدها لأنها تشعرني بالمحبة وتكرمني بشتى أنواع الأكل المغربي “الحقيقي” (المسمن، الشباكية، رغايف الزرع، الملوي، الرزيزة، السفوف…) أما الحريرة فهي 24/24 7/7، حتى أني في فصل الصيف وبعد العودة من الشاطئ كنت أتوقف إما عندهم أو عند جدتي الحاجة فطوم رحمة الله عليها أو عند خال والدتي المرحوم عبد الكريم لشحن البطارية وطرد الجوع العدو، هذه المحاور الثلاث كانت قارة ومضمونة ليس في الصيف فقط وإنما على طول الحول.
هذه البناية جزء من ذاكرة صباي ومراهقتي، إنها آخر مراكز الحظوة والعصبة واللمة العائلية، تلاشت يوم مات عمي وبعده زوجته ثم ابنتهم الوحيدة، وكأن الجميع اتفق على الرحيل عنوة، توقفت التجارة المباركة المربحة في واحد من أكبر مستودعات الحبوب والقطاني بمدينة العرائش فجأة وهي التي كانت بابا للرزق لأناس كثر، أناس رغم تلونهم وغرائب طباعهم وجشع بعضهم لم يتعرضوا يوما للسب والطرد والاحتقار وإنما لتأديب الحليم وحكمة الكريم، أذكر جيدا تلك الجلسات في صالون عمي حيث كانت أشبه بما تصدره لنا مسلسلات المصريين عن العمدة في الأرياف، فقد كان الحاج يسمع من الجميع حتى يتحصحص له البيان، فيلقي كلمة لا يردها عليه شيوخ ولا شُبًّان.
وبعد سنين من القيل والقال بين المكاتب وردهات المحاكم، اتفق الجمعان على البيع، وسيصير المكان في خبر كان، لكن الذكرى لا تخصني وحدي بل تخص كل عرائشي يملك حق الاحتفاظ بذاكرته، ففيها كان كارميلو وسفري وفيها كان الدكتور البدري.. أنا صورتها للتوثيق والأرشيف، وسأعيد تصويرها بعد حين إن كتب لي الله مزيدا من العمر لأرى هل سيحافظ المقاول على نمط البناية الهندسي ويراعي خصوصيتها المعمارية كتراث ثقافي مادي، أم ستطمس الصورة وتمحى الذاكرة وتطوى صفحة أخرى من مجلد الخذلان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.