الاعتقال بتهمة «قد»

130

العرائش نيوز:
سليمان الريسوني
أمل الهواري هي أول من جعلني أشكل قناعتي بشأن ملف توفيق بوعشرين، عندما وجدت المرأة التي عرفتها، طويلا، مرحة خفيفة الظل، تنهار أمامي باكية مشتتة الذهن واللسان، عقب الاستماع إليها من طرف الفرقة الوطنية للشرطة القضائية.
كانت أمل امرأة غير التي أعرفها، تتوه في الكلام، تصرخ، تبكي، تتضرع، ثم تعود لترديد لازمة محفوظة: «إني أخشى الله ولا أريد أن أظلم هذا الرجل». ولماذا لا تقولين هذه الحقيقة يا أمل؟ أسألها، فتجيب بصوت يقطعه النشيج: «أنا خائفة». وممَّن تخافين يا أمل؟ فلا تجيب.
وبين خشية الله والخوف من جهة ما.. كنت أتابع كيف عاشت أمل صراعا داخليا حسمته بشجاعة نادرة، ساعدها عليها زوج حكيم وابنة شجاعة، فأطلقت صرختها المدوية: «أنا لست ضحية لتوفيق بوعشرين، وأرفض لعب هذا الدور».
ومن حينها أصبحت أمل الهواري أكبر ضحية لإعلام المراحيض الذي أطلق العنان لخيالاته السقيمة عليها، وأحقاده القديمة على الحزب الذي كانت تنتمي إليه. فكانت أمل تحمل «وزر» رفضها الانسياق مع «حريم التجريم»، و«وزر» اختيار سياسي سابق لحزب يعيش وضعا مركبا في علاقته بالسلطة التي يوجد –دستوريا- على رأسها، وواقعيا في مرمى سهامها. وهذا موضوع آخر.

الآن، أمل الهواري «معتقلة» تعسفا ودون تهمة، في موضوع لا علاقة لها به. موضوع تبحث فيه النيابة العامة مع أناس آخرين (نجلا النقيب زيان)، قالت إنهما كانا يخفيان أمل في منزل عائلتهما. يخفيانها وكأنها مجرمة هاربة من العدالة، في حين أن الشخص التي تطلب المحكمة إحضاره، أي أمل الهواري، لا يوجد ما يعاب عليه من مخالفة للقانون بأي شكل من الأشكال، فهي مطالبة بالحق المدني، حسب المحكمة، وضحية للاتجار في البشر، حسب النيابة العامة.
فكيف نقتاد امرأة، نعتبرها ضحية، وكانت في حماية المحكمة، إلى مخفر الشرطة حوالي الساعة الرابعة والنصف صباحا، ثم نعتقل شخصين كانت في ضيافتهما؟!
بعض «الفلاسفة»، وضمنهم محامون، قالوا إن أمل عثر عليها في صندوق سيارة، متناسين أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص. فهل القانون الجنائي يعاقب على استضافة شخص في وضع قانوني سليم (مطالب بالحق المدني+ «ضحية اتجار في البشر»)؟ نحن نتحدث عن القانون وليس عن النوايا والتأويلات.
إن «اعتقال» أمل الهواري، للحقيقة، كان بسبب ما قالته للمحكمة، ليلة إحضارها: «أنا لا علاقة لي بهذا الملف. توفيق بوعشرين لم يسبق أن تحرش بي أو اغتصبني، ولن أتحدث، ولن أشاهد الأشرطة»، وليس بسبب آخر. لذلك، قررت النيابة العامة وضعها تحت الحراسة النظرية، ثم البحث -على كيفها ومهلها- عن تهمة تتابعها بها، ثم إصدار بلاغ سريالي، قالت فيه: «هذه الوقائع قد تشكل أفعالا مخالفة للقانون».
وهكذا أصبحت أمل محرومة من حريتها ومن أسرتها بتهمة اسمها «قد».
إننا أمام إضافة فصول جديدة إلى القانون الجنائي لم يشرعها البرلمان، تجرم استقبال المواطنين الذين طلبت المحكمة إحضارهم. وهو ما يعني أن النيابة العامة في صيغتها الجديدة أضافت لنفسها اختصاصا جديدا هو: التشريع في المادة الجنائية، مع العلم أنها ملزمة بتطبيقها في أضيق الحدود، ودون توسع في التأويل.
أمل الهواري مضربة عن الطعام، لأنها «معتقلة» دون تهمة، ولأن صحافة المراحيض، التي لا تتوقف عن التبجح بصلتها بالسلطة، تنهش لحمها بالبهتان. يحدث هذا في بلد تصدر فيه الأحكام باسم الملك، أمير المؤمنين، وفي العشر الأواخر من رمضان.
* المقال كتب قبل الإفراج عن أمل

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.