قناة «الجزيرة» لم تحاصر السعودية بل السعودية حاصرت نفسها

115

العرائش نيوز:

حسين المجدوبي

المقالات ذات الصلة

قناة «الجزيرة» تحاصر العربية السعودية أكثر من حصار السعودية لقطر، هذه من العناوين البارزة التي جرى تداولها في عدد من التحاليل بشأن التعاطي الإعلامي مع جريمة الاغتيال البشعة التي ذهب ضحيتها الصحافي جمال خاشقجي، في قنصلية السعودية في إسطنبول يوم 2 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
ومن دون التقليل من أهمية قناة «الجزيرة» في التعاطي مع ملف خاشقجي، يبقى الواقع هو محاصرة السعودية لنفسها بسياستها غير العقلانية والمتغطرسة. عمليا، تخصص قناة «الجزيرة» حيزا مهما لقضية اغتيال خاشقجي، وجعلت الموضوع يحظى باهتمام وسط الشعوب العربية، مثلما كان عليه الاهتمام خلال اندلاع الربيع العربي نسبيا أو حرب يوليو/تموز 2006 بين حزب الله وإسرائيل. لكن السر في وضع السعودية المتدهور دوليا، هو استعداد الرأي العام العربي والعالمي بتقبل كل الاتهامات التي توجه إليها بسبب سياستها السلبية.
ومن خلال جولة في عدد من منتديات الحوار في شبكات التواصل الاجتماعي بلغات متعددة، ومن خلال تتبع عدد من الجرائد الدولية، تحظى قضية خاشقجي باهتمام كبير، ويحدث هذا رغم مقتل صحافيين في مناطق أخرى من العالم، خاصة في دول أمريكا اللاتينية مثل المكسيك. والاهتمام بملف خاشقجي هو مضاعف في منطقتين من العالم، الأولى، العالم العربي، ثم الولايات المتحدة ولاحقا تأتي أوروبا. وعلاقة بالولايات المتحدة، الاهتمام الأمريكي بقضية خاشقجي مرتبط بعاملين، الأول هو قوة جريدة «الواشنطن بوست» التي استحضرت اغتيال أحد صحافييها (خاشقجي) وجعلت منه قضية رأي عام عالمي، ونجحت في دفع مختلف وسائل الإعلام العالمية إلى تحويل ملف خاشقجي إلى نقطة رئيسية في أجندة هذه الوسائل. والعامل الثاني يحمل طابعا جيوسياسيا، وهو مستقبل الشرق الأوسط والعلاقات بين الرياض وواشنطن، على ضوء هذه الجريمة، ومدى أهلية ولي العهد محمد بن سلمان لتولي العرش، ما جعل مسؤولين حاليين وسابقين وخبراء في مختلف معاهد الدراسات الاستراتيجية يتحدثون ويحللون مختلف جوانب هذا الملف، وأغلبهم من زاوية نقد عنيفة، بسبب غضبهم من سياسة الرياض، ويطالبون برحيل ولي العهد محمد بن سلمان. لكن ما هو السر في غضب العالم العربي العارم في ملف خاشقجي، ومن السعودية، وهو الذي يعيش يوميا مآسي العراق وسوريا واليمن وليبيا، ومآسي الديكتاتورية؟
كما أشرنا في البدء، لا يمكن تفسير هذا الغضب العربي من السعودية فقط بتغطية قناة «الجزيرة». ولنعد إلى الماضي القريب، هذه القناة تناولت حرب اليمن بنوع من الانحياز في بدايتها لصالح معسكر «عاصفة الحزم» الذي كان بزعامة محمد بن سلمان، لكن الرأي العام العربي في مجموعه كان ضد هذه الحرب، ولم يتأثر بالتغطية الإعلامية لـ»الجزيرة»، والأمر هذه المرة يختلف في ملف خاشقجي.

في أزمة خاشقجي فشل الإعلام السعودي في التعريف بوجهة نظر الرياض، أمام تسونامي الغضب العربي

وعمليا، من خلال جرد لمضمون شبكات التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك وتويتر في التعاطي مع قضية خاشقجي، نرصد انتشارا غير عادي لبعض الرسومات الكاريكاتيرية الساخرة من السعودية، ونذكر أبرزها شريط فيديو لمسابقة في قطع الخشب بالمنشار ويحمل تعليق «مسابقة لأحسن سفير سعودي»، في إشارة إلى تقطيع جثة خاشقجي بالمنشار في القنصلية السعودية في إسطنبول قبل تذويبها في الأسيد، حسب الرواية الرسمية التركية. في الوقت ذاته، انتشرت التعابير بكلمات قوية المضمون ضد السعودية وقيادتها، التي استهدفت أساسا محمد بن سلمان، ومن ضمن المناطق الجغرافية في العالم العربي، التي تميزت بنقد شديد هناك منطقة المغرب العربي، ثم في دول مثل سوريا والعراق.
ومن ضمن العوامل الرئيسية التي تقف وراء رأي عام عربي مضاد للسعودية وانفجر في ملف خاشقجي، هناك ما يعتبرونه العجرفة السعودية ضد باقي العرب، حيث يلاحظ نوع من احتقار السلطات السعودية للشعوب العربية، خاصة الفقيرة. ومن جانب آخر، ارتفعت خلال السنوات الأخيرة شكاوى الحجاج العرب من سوء معاملة السلطات السعودية لهم بشكل لافت، ما جعل الكثير من الحجاج ينصحون أبناء وطنهم بعدم الحج. علاوة على هذا تتصدر بين الحين والآخر أخبار سلبية عن سوء معاملة السعوديين لليد العاملة القادمة من العالم العربي والإسلامي للعمل في هذا البلد، وتندد الجمعيات الحقوقية الدولية بهذه الممارسات، كما جرى نشر عدد من أشرطة الفيديو في يوتيوب حول اعتداءات سعودية ضد المهاجرين.
ودائما في إطار العناصر أو العوامل التي تؤلب العرب ضد السعودية، الاتهامات التي يوجهها سياسيون ومثقفون عرب ومن الغرب، إلى الرياض بقيادة الثورة المضادة للربيع العربي إلى جانب الإمارات. وتوجد كتابات متعددة في هذا الشأن تنتقد الدور الكبير للرياض في تمويل النزاعات والثورات المضادة في مصر وليبيا وسوريا، والضغط على دول مثل تونس والمغرب لوقف الإصلاحات السياسية والعودة إلى ممارسات الماضي.
ولم يقتصر الغضب على العالم العربي، بل تعداه إلى مناطق مختلفة في العالم، وهو ما يؤكد مدى الصورة السلبية للسعودية في العالم، وهذا يتناقض ومئات الملايين من الدولارات التي تصرفها، خاصة في الغرب لتحسين صورتها.
والمثير هو توفر السعودية على الموارد المالية لبناء إعلام قوي من قنوات تلفزيونية وجرائد، بل حتى شراء أقلام الصحافيين، لكن في أزمة خاشقجي فشل الإعلام السعودي في التعريف بوجهة نظر الرياض، أمام تسونامي الغضب العربي. ولعل المفارقة الكبرى هو محاولة هذا الإعلام الترويج لفرضية مؤامرة غربية ضد الرياض، وهو ما جرى السخرية منه بحكم خدمة الرياض تاريخيا للأجندة الغربية في الشرق الأوسط، وعليه «الجزيرة» لم تحاصر السعودية، بل السعودية هي التي حاصرت نفسها بسياستها المتغطرسة تجاه العالم العربي والإسلامي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.