ديمقراطية الكرة

255

آخر درس قدمه التلاميذ والتلميذات المحتجون على الساعة الإضافية -وقد أصبح التلاميذ في المغرب، ويا للمفارقة، يقدمون الدروس بدل تلقيها- كان هو الدرس الذي استعرضوه أمام مقر البرلمان، عندما اختاروا شعارا مركزيا استعاروه من قاموس بل من قادوس الإلتراس، لتأطير احتجاجاتهم. شعار يختزل مستوى اندحار منظومة التربية والتعليم في بلادنا إلى أسفل سافلين، ويؤكد أن حالات العنف المادي الذي كان يتعرض لها، بشكل فردي ومتفرق، أساتذة على أيدي تلامذتهم، أصبحت حالة جماعية تتعرض لها دولة ورئيس حكومتها ورموزها السيادية، من طرف أغلب التلاميذ.

عندما شاهدت التلميذات والتلاميذ يسبون رئيس الحكومة بكلام سوقي بذيء، أمام المؤسسة التشريعية، قلت إن الانتقال من التلاعب بالمناهج والإثراء غير المشروع من برامج التعليم الاستعجالية والبطيئة، إلى التلاعب بالتلاميذ، سوف لن يقف عند إسقاط حكومة العثماني، رمزيا ثم فعليا، من عيون المغاربة وفي صناديق الاقتراع، ولن يُرضي رغبة الجهات التي تشتغل، ليل نهار، للحؤول دون فوز البيجيدي في الانتخابات المقبلة، فقط، بل سيصل إلى إسقاط الدولة. فالذي يسب رئيس الحكومة «من السمطة لتحت» أمام مبنى البرلمان ويحرق العلم الوطني، ويعبث بالمرافق الخاصة والعامة.. سيهون عليه لاحقا القيام بكل شيء والتطاول على أي كان. قد يقول قائل إن الدولة تملك منظومة أمنية قوية وجيشا أقوى، وإنها تتدخل في اللحظة المناسبة لاستعادة هيبتها، وإيقاف الاحتجاجات مهما بلغت قوتها وتأثيرها، وإن الاحتجاجات التلاميذية متحكم فيها وجرى توجيهها منذ اليوم الأول لكي تحمِّل العثماني وحكومته مسؤولية الساعة الإضافية. لكن، ألا يعرف من يقول مثل هذا الكلام أن الدول لا تعيش وتتطور بالقوة العمومية فقط، بل بالمؤسسات الوسيطة وبالقيم أيضا، وأن دولة تنهار منظومة القيم فيها، وتنسحب المؤسسات المنتجة للقيم فيها من ساحة التأثير والتوجيه، وتصبح مؤسساتها التشريعية والتنفيذية مجرد قنوات لتصريف القرارات الفوقية ثم تحمُّل تبعاتها الاجتماعية، ومن ذلك قرار الساعة الإضافية، الذي لم يجرِ فقط الاكتفاء بإلصاقه برقبة العثماني، بل جيء به إلى التلفزيون للدفاع عنه، كما قد يحدث لشخص مرعوب يعترف بجريمة لم يرتكبها.. إن دولة كهذه ليست دولة ديمقراطية الواجهة والبزار الحزبي فحسب، بل هي أضعف حتى من عدد من نماذج الدولة الأوتوقراطية الخالصة، أو دولة الديكتاتور الوطني، كما عرفتها إسبانيا مع فرانكو، والعراق مع صدام، وسوريا مع الأسد، والجزائر مع بومدين… حيث قابل التضييق على حرية التعبير والتعددية السياسية، نهوض حقيقي بقطاع التربية والتعليم والتثقيف.

لقد كان لافتا خروج عدد من القياديين الحزبيين إلى مواقع التواصل الاجتماعي للتنديد بإحراق العلم، دون أن يصدر عنهم أي موقف تنديدي أو تضامني مع ما تعرض له الرجل الثاني في الدولة بعد الملك، أمام البرلمان وتحت أنظار رجال الأمن. ولنترك رئيس الحكومة جانبا، فربما وجد هؤلاء الحزبيون، أخيرا، من يُعبر بدلا منهم، عن الحنق والكره الذي يكنونه في صدورهم للعثماني ولحزبه. لكن، ألم يكن حريا بهم أن يتنبهوا، على الأقل، إلى خطورة انحدار وبذاءة خطاب تلاميذ في زهرة العمر؟ ألم يتخوفوا من انسحاب المدرسة والأسرة من دائرة التأثير في الأطفال والمراهقين، وتكفل الألتراس بذلك؟ لقد أصبح الألتراس وأهازيجه المرجع الوحيد والدرس الأساس والمدرسة النموذجية للتلاميذ.

الأخطر من ذلك هو أن كرة القدم أصبحت ترسخ ديمقراطية زائفة، فالثقافة الوحيدة التي توحد، اليوم، الطبيب والمهندس والمحامي والشاعر والسينمائي… هي كرة القدم. ومن له اهتمامات بعيدة عن الكرة يجد نفسه غريبا مقصيا من نقاشات المقاهي والأفراح والمآتم. وهذا ما أصبح يحكم أيضا علاقات الأطفال بآبائهم، إذ إن الكرة باتت تُجسِّر الفوارق العمرية والثقافية، فما تعرفه الأم والأب عن اللعبة ونجومها قد يعرف الابن أكثر منه. لقد أدى التتبع والنقاش اليومي الدقيق للمباريات المحلية والدولية، في المنزل والمدرسة… إلى أن يصبح الخطاب والسلوك الجماعي محكومين بلغة كرة القدم وعنفها ومنطقها اللانسبي: فوز – هزيمة.

عندما كان للسياسة معنى في هذا البلد، كانت الدولة «اللاديمقراطية» تحتكر كرة القدم، والرياضة بصفة عامة، فكان الحسن الثاني يتصل بمدرب الفريق الوطني ويملي عليه خطة اللعب، ويحف اللاعبين بعناية خاصة. في المقابل، كانت أحزاب المعارضة تحتكر الثقافة؛ اتحاد الكتاب، الأندية السينمائية، مسرح الهواة… وكنا أمام مشروعين واضحين؛ مشروع يُعنى بالجسم ومشروع يُعنى بالعقل. لكن هذا لم يعد حاصلا اليوم، فالكرة أصبحت تقودنا، بديمقراطية أفقية، إلى ضرب روح الديمقراطية، كما تقودنا إلى تفكيك القيم وخلخلة منظومة الأخلاق والأذواق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.