للبيت ترامب يحميه

106

العرائش نيوز:

سليمان الريسوني

لم يحنث ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، عندما قال، قبل سبعة أشهر من مقتل الصحافي جمال خاشقجي، في حوار أجراه معه تلفزيون «CBS» الأمريكي في مارس المنصرم، إن الموت وحده القادر على منعه من حكم السعودية.

وبالفعل، فها هو موت خاشقجي يهدد طموحه في الجلوس على العرش، وها هي الدولة العميقة في أمريكا (الاستبلشمنت) والصحافة القوية وحتى اليسار الليبرالي.. لا يتوقفون عن التفتيش تحت بشت وشماغ ولي العهد عن كل ما من شأنه أن يعلق دم الصحافي السعودي جمال خاشقجي على رقبته.

وحده دونالد ترامب من يعمل جاهدا على تخليص ابن سلمان من هذه الورطة، مع تحسيسه، باستمرار، بأن براءته عارية ويجب تغطيتها بغطاءين اثنين؛ المال وفك العزلة عن إسرائيل.

قد يقول قائل إن علاقة أمريكا بالسعودية باتت منذ سنوات محكومة بهذين الشرطين، وهذا، إلى حد كبير، صحيح. لكن هذه العلاقة أصبحت، في عهد ترامب، أكثر «شفافية»؛ فهذا الرئيس، القادم إلى السياسة من التجارة، لا يتوقف عن تذكير آل سعود، وعلى الملأ، بأن نظام حكمهم لا قيمة له دون حماية أمريكية، وبالتالي، فإن مزيدا من الحماية والتستر على التجاوزات الحقوقية وعلى تدخلاتهم الكارثية في دول الجوار، له سومة مالية.

من ناحية ثانية، فإن الحماية الأمريكية للنظام السعودي، وحاكمه الفعلي، يجر اللوبي الصهيوني في أمريكا إلى دعم ترامب، وإفتار ارتباطه بباقي مؤسسات الاستبلشمنت، وذلك من خلال تأكيد أن استمرار الكيان الإسرائيلي رهين بوجود النظام السعودي في وضع قوي، وهذا الأمر إذا كان، أيضا، معروفا ومألوفا في دوائر صناعة القرار، فإن الجهر به في الإعلام من شأنه أن يعالج العرب والمسلمين بالصدمة، ويدفعهم إلى قبول الأمر الواقع، الذي يراد له أن يُرسخ في ذهنية المواطن العربي والمسلم، وهو أن من يحمي مغتصبي بلد أولى القبلتين وثالث الحرمين هو خادم الحرمين.

في آخر خرجة له، الخميس الماضي، بمناسبة عيد الشكر، استعار ترامب خطابا قدريا تجريديا، حين رمى بجثة خاشقجي إلى مجهول سماه «العالم البشع»، وقال: «إن العالم البشع هو الذي يتحمل المسؤولية عن جريمة قتل خاشقجي»، قبل أن يضيف بصراحته الفاضحة: «السعودية مفيدة جدا لنا في الشرق الأوسط، ولو لم تكن لدينا السعودية لما كانت لدينا قاعدة ضخمة، وإذا نظرت إلى إسرائيل دون السعودية فستكون في ورطة كبيرة. ماذا يعني هذا؟ هل على إسرائيل أن ترحل؟ هل تريدون رحيل إسرائيل؟».

لعل فرادة الرئيس ترامب، المُضافة إلى خصوصيات سابقيه من الرؤساء وكبار المسؤولين الأمريكيين، والتي تكمن في عدم تستره على عدد من السياسات التي ظلت تحكم -في السر- علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بالشرق الأوسط، راجعة إلى طبيعته تاجرا يعي جيدا أنه يحتكر السلعة التي يريدها زبائنه في المنطقة، وأن منافسيه المتربصين في موسكو وبيكين، إذا كانوا قادرين على إنتاج السلعة نفسها، فإنهم غير قادرين على الحفاظ على الواقع الجيواستراتيجي نفسه الذي جرى وضعه وإغلاقه بإحكام قبل الحرب الباردة، ثم صيانته والحفاظ عليه بعد انتهائها، وافتعال الحروب المشتعلة في العراق وأفغانستان وسوريا وليبيا واليمن.

إن «شفافية» ترامب الفاضحة ترجع أيضا إلى كونه مسيحيا صهيونيا رافضا لنتائج الربيع العربي وللتجارب الديمقراطية، ودعاوى وضع حد لتجاوزات حقوق الإنسان في المنطقة العربية، وفي السعودية بالخصوص.

وهو ينطلق من قناعة مفادها أنه إذا كان باراك أوباما قد راهن على دعم الديمقراطية في المنطقة لتغيير صورة الولايات المتحدة الأمريكية لدى الشعوب العربية، وخلق سلام شعبي ورسمي مع إسرائيل، بعد إيجاد حل متوافق عليه للقضية الفلسطينية، فإنه هو (ترامب) يراهن على إقناع أو تخويف هذه الشعوب بأن أنظمتها، وإن جارت وخرقت حقوق الإنسان، فهي الأضمن للاستقرار، كما يراهن على إقناع الأمريكيين بأن حكومتهم لو ذهبت بعيدا في محاسبة حلفائها السعوديين على جرائمهم، فإنهم سيجدون من يزين لهم تلك الجرائم، ومن شكك في هذا فلينظر إلى موقف روسيا والصين من مقتل خاشقجي.

في خطابه، يوم الخميس، استعمل ترامب عبارات مسكوكة بدقة في ما يتعلق بنظرة الولايات المتحدة إلى «عقلنة استعمال» معايير حقوق الإنسان، وجعلها في خدمة المصالح الأمريكية، حيث قال: «إن السعودية حليف مهم، وإذا اتبعنا معايير معينة فلن يتبقى لدينا حلفاء من أي دولة تقريبا»، وبالتالي، فإن محاسبة ولي عهد السعودية على مقتل صحافي يمكنها أن تفقد أمريكا أبرز حلفائها في المنطقة؛ السعودية والإمارات ومصر. هذا هو منطق ترامب.

ختاما، إن منطق المقولة التي واجه بها عبد المطلب، كبير مكة وجدّ الرسول (ص)، غطرسة جيوش أبرهة الحبشي، الذي جاء من اليمن قاصداً هدم الكعبة، هي التي يعمل بها -مع بعض التحوير- صقور مربع الحكم في الرياض، في مواجهة من يعولون على حدث جريمة قتل الصحافي جمال خاشقجي، لإطلاق شرارة الربيع الديمقراطي الثاني، مثلما أطلق الموت التراجيدي للبوعزيزي الربيع الأول.

فإذا كان عبد المطلب قد استجار بالرب لحماية البيت الذي بناه إبراهيم، فإن ابن سلمان ومحيطه يستجيرون بترامب لحماية البيت الذي بناه أمير الدرعية محمد بن سعود آل مقرن، ولسان حالهم يقول: للبيت ترامبٌ يحميه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.