المغرب بين زمنين

118

العرائش ميوز: 

“حسن اوريد” 

لا يسع المتتبع للشأن المغربي إلا أن يلاحظ أن تواتر أحداث اجتماعية وطريقة التعبير عنها، يشير إلى تحول مستتر في بنية الحقل الاجتماعي والسياسي، يحمل إرهاصات انصرام زمن وأزوف آخر، بقضاياه وبراديغماتياته. فكأنما هي تلك الحالة التي عبر عنها كرامشي عن ضمور القديم، بدون أن يتأتى للجديد الاستهلال، وخلال هذه الوضعية تعشش أوضاع هجينة.
من المؤشرات عميقة الدلالة، في فترة زمنية متلاحقة، ما نقلته وسائل التواصل الاجتماعي بكثافة، مقطع صراخ مشجعي فريق الرجاء المغربي لكرة القدم، وهم يُعبّرون عن هموم الشباب المغربي، ويأسون لوقوعهم في براثن الانحراف وتعرضهم للبطش، ويأسهم من الطبقة السياسية، وهو المقطع الذي سرى سريان النار في الهشيم، أو النور في الظلام، في المغرب وخارجه. والحدث الثاني، هو خروج جماهير غفيرة بالدار البيضاء لما سماه المنظمون بمسيرة الأرض (تاوادا نْ واكال، بالأمازيغية، وهو اسمها الرسمي)، للتعبير عن مطالب ناتجة عن تضرر منطقة سوس من الرعي غير المنظم، ظاهريا، وفي العمق التنديد بتملك شخصيات نافذة لأراض وثروات كان تُستغل جماعيا من قِبل الجماعات، وتُدبر في إطار ما يسمى بالجماعة. مشكل التطاول على الملكية الجماعية واستغلالها لفائدة الخواص، لا يخص منطقة سوس، ويحيل إلى تفويت أراضي ومناجم والاستفادة من الموارد المائية والغابوية لفئات نافذة أو أصحاب رؤوس أموال أجنبية، بتواطؤ من الإدارة، بدون أن يتأتى لذوي الحقوق الاستفادة من خيرات توجد بأراضيها.
الحدثان يؤكدان عجز الهيئات الوسيطة عن الاضطلاع بدورها، وعن تحول الفضاء العمومي إلى الشارع، وتغيير أسلوب التعبير، مع توظيف وسائل التواصل الاجتماعي، ما يكسر احتكار الإعلام، ومن ثمة توجيه الرأي العام. والحدثان يعبران عن هموم جديدة، وهي المرتبطة بالشباب والعجز عن تأطيره، ومشاكل المغرب العميقة التي انتقل التعبير عنها إلى الحاضرة الكبرى الدار البيضاء. ومن المصادفات أن مؤسسة أكاديمية، وهي المعهد العالي للتجارة نظّم لقاء حول موضوع «ما الذي يريده المغاربة» مع ثلة من الفاعلين الجمعويين والمثقفين في الدار البيضاء. ورغم أن اللقاء كان نخبويا، باللغة الفرنسية، وغلب عليه حضور الطبقات المتوسطة العليا، فإن صدى اللقاء خرج من حاضرة الحي الراقي، الذي انتظم فيه اللقاء، إلى الفضاء العمومي الرحب، لأن اللقاء والنقاش الذي أعقبه تضمن بالتصريح أو التلميح أثر هذه التحولات العميقة التي تعتمل في الجسم السياسي والاجتماعي للمغرب.
ما يطبع الجسم السياسي المغربي هو فشل خطابات كانت سارية وفقدت بريقها، أمام واقع مغاير، وتعثر خيارات أجرتها النخبة التكنوقراطية. لم يعد خطاب الحركة الوطنية مؤثرا لفئات عريضة من المجتمع لم تعرف فترة الاستعمار إلا سماعا، ما ينعكس على التنظيمات السياسية المتفرعة عن الحركة الوطنية، أو تلك التي أريد لها أن تتصدى للحركة الوطنية. ويعرف الخطاب الإسلامي أزمة، أو ما سماه الباحث عبد الله بن هشام العلوي في مقال له في «لوموند دبلوماتيك» بفشل الطوباوية الإسلامية، بعد مشاركتها في الحكم، وإخفاقها في الاستجابة لتطلعات الجماهير، وسقوطها في التسويات وقبولها لما كانت تنتقده لمّا كانت في المعارضة، ما ينعكس على تلك التنظيمات ذات المرجعية الإسلامية ويؤثر سلبا على مصداقيتها وتأثيرها، وأخيرا فشل المقاربات التكنوقراطية التي كانت في الغالب صدى لمؤسسات مالية دولية، وتعليبها في إطار وطني. وعوض أن تقرأ تلك المقاربات الواقع، فرضت تصورات جاهزة على واقع معقد. وهو الأمر الجلي، سواء في ما سُمي بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي أريد لها «محاربة الفقر» ولم تفلح، أو في التعليم، حيث تواترت الإصلاحات مع مسلسل متواصل من الإخفاق والانحدار.
والشيء اللافت كذلك هو تغير سُلم الأولويات، تتصدر القضايا الاجتماعية اهتمامات الفاعلين، سواء في حراك الريف، أو مدينة جرادة المنجمية، أو المقاطعة الاقتصادية لشركات معينة، أو أخيرا مسيرة الأرض المناهضة لاستغلال الأراضي الجماعية… كل هذا يفترض قراءة دقيقة لواقع جديد. سوء التشخيص لهذه القضايا وعدم معالجتها بنجاعة، قبل أن تستفحل، هو ما يجعلها تتحول إلى قضايا سياسية، كما حدث في الريف. ومن شأن قضايا ذات طبيعة اجتماعية، إن لم تُحسن قراءتها أن تتحول إلى قضايا سياسية مستعصية. قضية الأراضي الجماعية بسوس قضية اجتماعية صرف، ذات مضاعفات اقتصادية، لكن سعي بعض العناصر الإعلامية المؤتمِرة بالسلطة إلى توصيفها بالعنصرية، أو هلهلة السدى الاجتماعي، أو ما شابه ذلك من الأوصاف المجانية، لا يسهم في معالجة المشكل بقدر ما يسهم في تفاقمه.
وبقدر ما يطرح الخطاب الرسمي السؤال حول نموذج تنموي جديد، بقدر ما تطرح العناصر الحرة قضية التوزيع العادل للثروة، والميكانيزمات المفضية لذلك. لا يمكن فصل هذا عن تلك، فاستفحال الفقر هو ناتج بدرجة كبيرة عن الأوضاع الريعية والاحتكارية لأوليغارشيات أتت من عالم الأعمال، إما من وضع الريع أو الاحتكار أو جنحة المعرفة المسبقة أو كلها، وفُرضت على الحقل السياسي فرضا. فكيف يأتي بالحل من هو في الأصل جزء من المشكل؟ وكيف يزعم الإخلاص للصالح العام، من هو ضالع في مشاريع خاصة ضخمة؟ لم تتورع عدة فعاليات، منذ ارتدادات «الربيع العربي»، من التنديد من الجمع ما بين الثروة والسلطة، والحال أن المصالح الشخصية لهذه الأوليغارشيات قد تؤثر سلبا على واجباتها العامة، أو تفضي إلى ما يسمى بتضارب المصالح، مما لا يستقيم أخلاقيا، ويؤثر سلبا على السير العادي للمرفق العمومي ويشين للمنافسة الحرة الشريفة. في خضم هذه الدينامية غير المسبوقة تتوارى القضايا السياسية المرتبطة بتوزيع السلطات وتوازنها وتفعيل الدستور، إلى ما سوى ذلك.
بيد أن اللافت هو أن الوضعية الجديدة لم تفرز نخبة تستطيع أن تقدم البديل، ولا أن تبعث الأمل. وكيف يبعث الأمل من هو مسؤول عن الوضع الكابي المستشري؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.