الرحلة، الرحالة و العرائش خلال القرن التاسع عشر: الحلقة الثامنة

العرائش نيوز:

بقلم: عزيز قنجاع

ج/ كتب الرحلات والتركيبة السكانية لعرائش القرن التاسع عشر:

العنصر اليهودي بالعرائش:

تشير جميع كتب الرحلات التي تعرضت لوصف العرائش خلال القرن التاسع عشر إلى تعدد الطوائف الدينية من يهود ونصارى ومسلمين، فقد ذكر الرحالة “جوكوبو كرابرج” كما رأينا سابقا ان تتكون من 2700 مسلم و1300 عبراني يعيشون في ستمائة مسكن، وإلى جانب هاتين الطائفتين كانت توجد بالعرائش هيئة فرانسيسكانية اقامت بها رسميا منذ 1822 حسب نفس الرحالة. ويفيد مولييراس الذي اطلع على أوضاع الإثنية للعرائش فقد قال: أن بالعرائش وبنواحي باب البحر وباب المرسى فهناك بعض النصارى وملاح اليهود.

فمع مطلع القرن التاسع عشر ومع وجود السلطان المولى سليمان على رأس السلطة بالمغرب، سيعرف تواجد اليهود بالمدينة انتشارا واسعا، فمن المعروف أن استقرار اليهود بالعرائش بالمراسي الأطلسية وإمكانية التنقل والسفر بين الموانئ الساحلية وأوروبا، غيّر من وضعية اليهود كفئة محصورة داخل أسوار الملاح أو داخل مدنها، منكفئة على ذاتها. وسمحت لهم الوضعية الجديدة بجني ثروات هائلة واكتساب موقع وتأثير داخل جهاز المخزن مما أخذ يشير إلى تمرد اليهود على وضعيتهم كأصحاب الذمة، وكثير من اليهود بدأوا يسافرون باستمرار إلى أوروبا ويعودون بجنسيات مختلفة واسم أوروبي و لباس غربي لا علاقة له باللباس المغربي التقليدي، ومما يؤكد هذا الأمر هو أن المولى سليمان سنة 1806 سيمنع اليهود من ارتداء اللباس الأوروبي ويأمر يهود العرائش، وكان عددهم يناهز الألفين بمغادرة المدينة بعد اتهامهم بترويج الخمور بين المسلمين بالمدينة، لم يصمد الإجراءان طويلا واستمر اليهود بارتداء اللباس الأوروبي، ولم يغادر اليهود العرائش. يفسر ذلك العودة المتكررة للمولى سليمان بمنع مظاهر التمثل بالأوروبيين لدى اليهود العرائشيين.

وستشير وضعية أسرة آل مقنين اليهودية إلى مدى انغراس اليهود بالعرائش في تدبير الحياة الاقتصادية والدبلوماسية وخصوصا ابنهم مايير الذي كان على امتداد فترات عديدة أكثر الوسطاء أهمية ومكانة بين جهاز المخزن المركزي والدول الأوروبية خلال العقود الثلاثة الأولى من القرن التاسع عشر، أي أيام حكم السلطان المولى سليمان. وقد كان الأوروبيون يشيرون إليه بعبارة “يهودي العامل” لأنه كانت تربطه علاقة وطيدة بموظفي الجهاز المخزني ، وكان مقنين يتلقى بين الفينة و الأخرى التفويض للقيام ببعض المهمات بصفته وكيلا للسلطان. كما تمت الإشارة إليه في مراسلات السلطان المولى سليمان مع الدول الأجنبية بعبارة يهودينا”  وكان مايير مقنين ذكيا أو ربما محظوظا في نسج علاقات قوية مع السلطان المولى عبد الرحمان بن هشام الذي خلف المولى سليمان سنة 1822 وخولت له هذه العلاقة الحصول على عدة كنطرادات انفرد من خلالها بامتيازات احتكار تصدير عدة مواد إلى الخارج فضلا عن تخويله حق المراقبة المالية لجل المراسي البحرية بالمغرب.

ففي ظهير للسلطان المولى عبد الرحمان بن هشام:

اقتضى نظرنا الشريف الانعام عليه بالوسق “أي على مايير مقنين” من أربعة موانئ من مراسينا وهي، العرائش، ومزكان، والدار البيضاء،  وآسفي ، لأنواع السلع الآتية: القمح والثيران والغنم والدجاج والشموع والجلودوالصوف ولجميع الموسوقات من السلع الخارجة. وأمرنا بأن يتخذ نوابا عنه بالمراسي المذكورة، فيلزم على كل من يريد وسق السلع من تلك المراسي، الحصول منه على إذن بذلك، والتفاهم معه أو مع نوابه وأن يعطوهم زماما بأنواع السلع الراغبين في وسقها حتى يرسلوا نسخة منه إلينا. وعندما يخصهم بذلك ننظر في أمر الرسوم الواجبة بيننا و بين مقنين لعزمنا على تقديم نصيب معلوم من تلك الرسوم لصالحه، يكون مناسبا لخدماته ومجازاة لصحبته مع مقامنا العالي”. انتهى نص المرسوم. 

  لقد سقنا المرسوم على طوله نظرا لمعلومات قيمة تضمنها حول كيفية تنظيم المراسي بالمغرب على عهد السلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام وكذا أهم المواد المصدرة إلى الخارج على عهده.

ويذكر جون لوي مييج في” Chronique de Tanger 1820-1830 – Journal de Bendelac” ان مايير مقنين كان يؤمر أن يذهب إلى طنجة من العرائش حيث كان منهمكا في العمليات التجارية.

                                 

 


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.