الرحلة، الرحالة و العرائش خلال القرن التاسع عشر: الحلقة التاسعة

العرائش نيوز:

بقلم: عزيز قنجاع

وتفيد مصادر أخرى لرحالة زاروا العرائش خلال هذا القرن أن هذه الطوائف كانت تمارس شعائرها بحرية تامة وتبرز شعائرها ورموزها علانية و بحرية فقد ذكر “توماس و سكوف” أن يهود العرائش يقيمون أعيادهم بحرية وقد رخص لهم بذلك المولى اليزيد – حسب نفس المصدر-  عند إقامته بالعرائش للاحتفال في يومهم المقدس في أربع و عشرين ساعة. ونجد أن النصارى بالعرائش تمتعوا بنفس الحقوق، ففي ظهير للسلطان مولاي سليمان لعامله بالعرائش مؤرخ في الثالث من شعبان لسنة 1802 جاء فيه “يعلم من هذا المسطور الكريم والخطاب الجسيم أننا جددنا بحول الله وقوته وشامل يمنه وبركته لخدامنا الفرايلية من جنس الإصبنيول حكم ما بأيديهم من ظهائر أسلافنا الكرام قدسهم الله وظهير مولانا الوالد رحمه الله وأعاد علينا من بركة رضاه آمين المتضمنة توقيرهم وإسقاط الكلف اللازمة في مراسي ايالتنا السعيدة عنهم فيما يأتيهم من بر النصارى من مأكول ومشروب وملبوس، فلا تفتيش صناديقهم ولا تمتّ الأيدي إليها كما لا يحال بينهم و بين ما يريدون من إقامة بمحل أو الخروج عنه إلى غيره “هذا التعايش الديني بين الطوائف المختلفة جعل الأوروبيين يزورون العرائش في وقت كان المغرب يعيش فيه فترة من الحساسية الدينية بتأطير من الزوايا و بسبب التوجه الرسمي الاحترازي للدولة حيث لم تكن السياحة الأوروبية بالمغرب تتجاوز مثلث طنجة تطوان العرائش، وهو ما أكسب ساكنة المدينة خاصية التواصل بلغات متعددة أثارت إعجاب الزائرين للمدينة.

وفي هذا الصدد يقول ألفاريز بيريز أن سكان العرائش “الكل يتكلم الإسبانية ظرفاء و يمكنك أن تتواصل معهم بسهولة”. كما أن جميع الطوائف انتظمت في مؤسساتها ومارست طقوسها بحرية، وهذا ما نفهمه من النص الطويل الذي احتفظ لنا بوصف مفصل لعرس يهودي بالعرائش للرحالة “توماس موسكوف” والذي تكتمل أفراحه في الفضاءات العمومية لمدينة العرائش حيث نجد العروس “تتجه نحو الحمام بالجوق والموسيقى والرقص بالصينية”. وانعكس هذا التعايش الديني على مستوى التساكن حيث يشير مولييراس إلى أن “اليهود لا يقطنون بالملاح فقط بل يسمح لهم بالسكن وسط العرب مع استثناء يهم القصبة وحي القبيبات. وقد أحرز العديد من الإسرائليين على حماية القوى النصرانية من أجل تفادي مضايقات المسلمين لهم، وليس كما يعتقد بعض الأوروبيين عن خطأ، حبا بأتباع عيسى”.

وقد عاشت هذه الطوائف في وئام وسلام تحت نفوذ المخزن المغربي فيذكر لنا مولييراس حادثة طريفة تسير في هذا الاتجاه حيث حكى أنه في أحد الأيام “كان الدرويش بمتجر يهودي من أصدقائه ، فرأى نصرانيا قادما، تدل ملامحه وحركاته على غضبه الشديد. وكان اليهودي الماكر محميا من طرف بريطانيا العظمى ويتقن الحديث باللغات العربية والإسبانية و الإنجليزية. وبدأ الحوار بينه و بين النصراني بهذه اللغة الاخيرة. ولأن الدرويش لم يفهم ما دار بينهما، فقد طلب من العبراني بأن يشرح له ما قاله الرومي، فأوضح اليهودي الأمر قائلا:

  • لقد طلب مني أن ارافقه إلى الباشا كترجمان، لأنه تعارك مع مسلم وجرحه مما دفع الباشا إلى استصدار أمر بطرده من العرائش، علما بأن تجارته تستدعي بقاءه بالمدينة.

وكان بنفس المكان يهود آخرون، خاطبوا أخاهم في الملة بعربية رديئة، يعلمون بأن الانجليزي لن يفهمها قائلين:

– اذهب معه وعندما تقف أمام الباشا اعمل على إثارة حفيظته ضد هذا النصراني الكلب لأن هؤلاء النصارى الملاعين منافسون لنا. وإذا كنا قد طلبنا حمايتهم، فلأننا لا نريد أن يزعجنا أحد ونحن نطلب من الخالق كل يوم، بان يبيد جميع من ليس عبرانيا” les gentils  ” مسيحيين و مسلمين.

وبالفعل قرر اليهودي اتباع النصيحة . فقد رافق الإنجليزي عند الباشا، وبعد مرور ساعة  ظهر لوحده مشرق الوجه وقال ساخرا:

  • هذا الرومي البحر عليه. لقد قمت بتأليب الحاكم ضده، بحيث لن يبقى هنا شهرا واحدا.

وما إن انتهى من كلامه حتى ظهر الإنجليزي وهو يشير بيديه معبرا عن غضبه من اللقاء. وعلى الفور، تغيرت ملامح اليهودي وتحولت من الفرح إلى الحزن وحاول تهدئة الرجل مؤكدا بأن كل المغاربة معاندون ودمعت عيناه أثناء الحديث. وعندما رأى دموع التماسيح هاته، تذكر محمد المثل العربي الشهير :

  • يحرقو النوالة و يبكيو مع مولاها”

وإنني اتساءل بالمناسبة، ألم يقرر إخواننا تعلم العربية بعد؟ لأنهم سيتفادون الكثير من الإهانات داخل البلد الذي تنطق فيه هذه اللغة وليتذكروا المثل الإيطالي  traduttore traditor  ” المترجم خائن” وهذا المثال صحيح خصوصا في الحالة التي ذكرناها قبل قليل.

وتشير هذه الحكاية إلى عمق التناغم والانسجام والمنافسة التي طبعت إثنيات المدينة خلال القرن التاسع عشر.

أما على الصعيد الاقتصادي، حيث نسجت الطوائف المتعددة بالمدينة علاقات تجارية نشيطة لعب فيها اليهود دورا محوريا. وتخبرنا وثائق الخزانة العامة بتطوان عن أوجه هذا النشاط حيث كان اليهود يجلبون الحبوب و الماشية من ضواحي العرائش ويسوقونها من مرسى المدينة إلى الدول الأوروبية المختلفة.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.