العرائش والثورة الفرنسية: الحلقة الثالثة عشرة

العرائش نيوز:

بقلم: عزيز قنجاع

 الثورة الفرنسية ونهوض الحركة الدرقاوية بشمال المغرب:

إن الإشارة الفريدة لتشابه وتزامن قيام الثورة الفرنسية وقيام درقاوة بالمغرب وبتطوان خصوصا . وما ذكرناه من قبل عن ما قاله العلامة محمد بن محمد الجنوي المعروف بالجنوي الصغير، وهو أحد فقهاء تطوان المتوفى سنة 1799. يعتبر أحد ابرز علماء عصره أحرز على رئاسة الفقه والفتوى في عهده، وكان خطيبا ومدرسا بمسجد سيدي ابن مسعود. وقد مثل هذا الفقيه كما سبق وقلت الزعامة المعارضة لطائفة الدرقاويين بمدينة تطوان، حيث نقل عنه تلميذه السكيرج كما نقله لنا محمد داوود في تاريخه الكبير عن تطاوين حملته على درقاوة وما قاله في هذا الصدد “قام درقاوة في قطرنا والفرنسيس في قطرهم وينشأ عنهم جميعا فساد هذا العالم”. والجملة جد واضحة إذ يربط ويشبه قيام درقاوة بالمغرب كقيام جموع الفرنسيين إبان الثورة الفرنسية.

 إن هذا النص ينبئنا إلى معرفة بعض العلماء المغاربة بأحداث الثورة الفرنسية، لكنه يحيلنا أيضا إلى معرفة والاطلاع من طرف العلماء المغاربة على أسلوب التظاهر الجماهيري في شوارع المدن الفرنسية، واعتماد العنف والمواجهة التي دفعت الثورة الفرنسية وجموع الفرنسيين للإطاحة بالملكية و تتبع أفرادها و المقربين منها، حيث التشبيه قائم من حيث القيام نفسه الذي يعني هنا الانتفاض باللغة السياسية الحديثة، فهل قلدت وتشبهت الحركة الدرقاوية بأسلوب الثوار الفرنسيين في التعبئة والتحريض واحتلال الشوارع والتظاهر بالمدن؟ وهل هناك ما يشير إلى حدوث مثل هذا الأمر والذي يمكن أن نفهم من خلاله تشابه أسلوب ثوار فرنسا مع حركات درقاوة بالمغرب.

الزاوية الدرقاوية بتطوان

لقد كان بحق نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر بالمغرب أوج ظهور الحركة الدرقاوية ومن خلال مسار إحدى الشخصيات المهمة التي أثرت في تطور الحركة الدرقاوية، خاصة والتصوف المغربي بصفة عامة الشيخ الأكبر سيدي أحمد بنعجيبة، يمكن لنا أن نتعرف عن قرب على الأشكال التعبوية التي نهجتها الحركة الدرقاوية في فرض وجودها وقوتها.

أولا: المواجهة المباشرة مع السلطة:

من خلال كتاب الفهرسة لسيدي أحمد بنعجيبة، نشرة دار الغد العربي وبصفحة 56، وحين كان يصف سيدي أحمد بن عجيبة أصناف الاضطهاد من قبل السلطات قال “وفي هذه الوقعة ضرب المقدم شيخ القبيلة بالخدمي”، الخدمي تعني السكين”، وفر إلى بني سعيد فقبض على جميع الفقراء “الفقراء تعني أتباع الطريقة الدرقاوية،  اذن فاستعمال العنف ضد ممثلي السلطة المركزية كان أسلوبا طبع تحركات الدرقاويين.

ثانيا: العصيان:

استعمل سيدي أحمد بنعجيبة أسلوب العصيان الجماعي حيث يقول في واقعة سجن أخيه “وكتب فقيهه الفلوس إلى القائد يأمره بقبض أخي. فأمر بقبضه فلما بلغني أنه مقبوض بقبيلة انجرا، خرجت معه حتى قدمت معه إلى القائد. فلما أمر بسجنه قال لي: أنت لا دعوى لي عليك. فقلت: أنا لا أفارق أخي. فأمر بسجني معه. ثم قبض فقراء تطاون كلهم. فكانوا معنا بالسجن.”  وسيسجن معه في هذه الواقعة أيضا أتباع درقاويين من تازة بسبب تضامنهم في هذا العصيان، كما تعرضت زاويته للإغلاق مرارا وعانى من الملاحقة المخزنية كثيرا.

الزاوية الدرقاوية بتازة

ثالثا : أسلوب التظاهر:

أ/ بالبوادي:

اعتمدت الحركة الدرقاوية بالشمال على أسلوب التظاهر والمسيرات الجماعية، ويحكي سيدي أحمد بن عجيبة في فهرسته كيف كان وأتباعه يتنقلون جماعات بين الدواوير خالقين حالة ارتباك لدى السلطات المخزنية.

حيث يقول دائما عند الحديث عن مسيرات الدعوة فخرجت في جماعة من الفقراء ….نذكر الناس و نلقن الأوراد… ثم خرجنا إلى فحص طنجة وسرنا فيه كذلك،  والفقراء في غاية السكرة” ويحكي سيدي أحمد بن عجيبة عن مظاهر الاستقواء بالجموع على ممثلي السلطة في فهرسته.

ب/ بالمدينة:

وفي المدينة تطوان تحديدا كان سيدي أحمد بن عجيبة لا يتوارى عن استعمال الشارع في إظهار طريقته، حيث يقول في الفهرسة التي تؤرخ لسيرته الذاتية أنه حين لبس جلابة غليظة من جلاليب أبي نداف – وأبي نداف جلباب ذو قماش شديد الخشونة قبيح المنظر- كطان سيدي احمد بن عجيبة بائتا في عرصة خارج تطوان، ويقول ” فدخلت المدينة بتلك الجلابة والفقراء معي يذكرون الهيللة والناس ينظرون ويتعجبون.”

ج/ العرائش والدعوة الدرقاوية:

ولم تكن مدينة العرائش بعيدة عن التإثير الدرقاوي، حيث يذكر سيدي أحمد بن عجيبة أنه في السنة الثالثة من الدعوة خرج “إلى ناحية الفحص، ثم وصلت إلى أصيلا والعرائش. ودخل هناك سربة من الفقراء في الطريق”.

من خلال هذا التحليل الذي يحتاج إلى نصوص أخرى تؤيد دعواه، فإنه يعود التشابه الذي لاحظه العلامة الجنوي الصغير المسمى محمد بن محمد الجنوي، وللإشارة فإن فهرسة سيدي أحمد بن عجيبة تشير إلى مناظرة هذا العلامة لأحد أقطاب الدعوة الدرقاوية المدعو بالكويهن وأعاب عليه لبس المخرقة. و في نظرنا إلى ما قد يكون من تشابه بين تحركات الدرقاويين خلال هذه المرحلة وتحركات الثوار الفرنسيين يعود إلى ما أثرناه من تشابه الحركتين في موقفها من السلطة واعتماد الدرقاويين على أسلوب المجابهة المباشرة مع المخزن والسلطات الحاكمة وأسلوب العصيان و التظاهر العلني.

 

 

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.