العرائش، بونابارت وأسرة فرانسيتشيني العرائشية لماذا ابتدأ عهد بونابارت بأزمة مع المغرب وما علاقته بأسرة آل فرانسيتشيني، ومن هي أسرة فرانسيتشيني؟ الحلقة الرابعة عشرة
العرائش نيوز:
بقلم: عزيز قنجاع
لقد كان رد الفعل المغربي حين تُوج نابليون بونابارت امبراطورا للفرنسيين غير متوقع إذ لم يقم السلطان المولى سليمان بأي خطوة دبلوماسية اتجاه هذا الحدث السياسي الكبير بأوروبا، ولم يتم التفاعل معه لا بالإيجاب ولا بالسلب، وهو ما أثار حفيظة القنصل الفرنسي بالمغرب، فقام بالكتابة إلى السلطان المولى سليمان وأخيه الأمير مولاي عبد السلام بهذا الخصوص، فكان رد الفعل عكس ما كان يتوقعه القنصل الفرنسي، حيث كتب الأمير عبد السلام رسالة إلى القنصل جاء فيها: “نصراني خدمتنا الشريفة فورني قونصو الفرانصيص، أما بعد، بلغنا كتابك ومعه كتاب للسلطان وقرأه وفهم معناه والآن قال لك كيف حتى يمكن له أن يكتب لبونابارطي وهو لازال جديدا ولم يأت من عنده كتاب ولا هدية التي يستحق عليها الجواب، وليس من القانون أن يبتدأ سلطان المسلمين سلطان النصارى بالكتابة، وحتى أنت لم يكتب في شأنك أنك قونصوهم، فلا تعد إلى مثل هذا والتمام. في 4 ذو الحجة عام 1219هـ”.

لقد كان سبب حدة هذا الخطاب الذي استعمله الأمير عبد السلام في كتابه لقنصل فرنسا بما قاله الباحث الفرنسي جاك كايي في كتابه القناصل العامون بطنجة الذي أرجع أسباب هذا الجفاء والحدة في الرد السلطاني على طلب القنصل الفرنسي والذي أعزاه بشكل مباشر إلى التأثيرات التي تركها فانسان فرانسيسكيني في الساحة المخزنية خصوصا عندما لم تستجب الحكومة الفرنسية لرغبة السلطان في تعيينه قنصلا عاما.
يشرع هنا سؤال عريض عن هوية هذه الشخصية المدعوة فانسان فرانسيتشيني التي استطاعت ان تضع امبراطوريتين مؤثرتين دوليا على محك العداوة. وما علاقة شخصية فانسان فرانسيتشيني بالسلطان المولى سليمان حتى يتنطح السلطان المغربي شخصيا للمطالبة بتعيينه قنصلا عاما لفرنسا بالمغرب.
فمن هو إذن فانسان فرانسيتشيني؟

فانسان Vincentفرانسيتشيني هو أحد أفراد أسرة فرانسيتشيني التي تعد مارطاMarta فرانسيتشيني أحد أبرز شخصياتها. ومارطا فرنسيتشيني هي زوجة السلطان سيدي محمد بن عبد الله الذي أطلق عليها اسم الضاويةDavia الأميرة، واسمها الأصلي كما قلنا Martha Franceschini لعبت أدوارا مهمة في الديوان السياسي لزوجها حيث عينها مستشارة سياسية له في شؤون العلاقات الدولية، فكيف وصلت مارطا فرانسيتشيني لتصبح إحدى أبرز أميرات القصر الملكي بالمغرب؟

تقول الحكاية كما اتفقت عليها معظم المرويات أنه وأثناء قيامهم بزراعة حقولهم بالقرب من البحر، تم القبض على جاك ماري فرانسشيني وزوجته سيلفيا مونشي، بعد بضعة أشهر من زواجهما، من قبل قراصنة تونسيينسنة 1751 و تم نقلها إلى تونس حيث تم شراؤها من قبل مراقب داي تونس، نيابة عن سيده، المشرف على عبيد الداي، وقد استطاع جاك ماري أن يكتسب ثقة الداي بعد أن كشف له يوما أن هناك مؤامرة تحضر لاغتياله، لشكره ، يقدم له الداي هدايا غنية ويعيد له حريته. أثناء إقامتهما في تونس، أنجب الزوجان الفرنسشيني ابنة، ولدت في 25 أبريل 1755، عمدت في 29 من نفس الشهر من قبل الأخ ستيفانوس أنطونيوس، كابوشين من جنوة، المحافظ والمدير الرسولي لبعثة تونس والأماكن المجاورة. (شهادة المعمودية صادرة وموقعة من قبل الأب ستيفانوس أنطونيوس في 12 مايو 1755). حران، غادر الزوجان الفرنسيان وابنتهما مارثا تونس للعودة إلى كورسيكا، خلال الرحلة، يتم اختطافهم من قبل قراصنة مغاربة الذين يأخذونهم إلى بلادهم. يتم بيعهم كعبيد للسلطان سيدي محمد بن عبد الله الذي عهد إلى جاك ماري بإدارة أعمال حديقة الإمبراطورية في مراك. كان لدى جاك ماري فكرة إرسال مذكرات إلى السلطان تتحدث عن حقيقة أنه كان أحد رعايا باي تونس الذي أنقذ حياته وأنه لا يمكن اعتباره أجنبيًا. استقبله السلطان الذي ذهب قبله مع زوجته وطفليه مارثا وفانسان( نطقا بالفرنسية) أو فنسنت ( نطقا بالإيطالية نظرا للوضع الخاص لكورسيكا). ولد فانسان وهو موضوع هذه الحلقة الرمضانية من تاريخ العرائش بمراكش في 29 نوفمبر 1759.

تقول الحكاية أنه خلال هذا اللقاء تأثر الملك “بجمال ونعمة وذكاء” الشابة مارثا “إلى درجة” أنه أمر بضمها إلى حريمه. كانت مارثا تبلغ من العمر 7 سنوات. سيغادر جاك ماري وزوجته سيلفيا وابنه فينسنت إلى كورسيكا وهناك ولد طفلهما الثالث، أوغستين في كوربارا بلدتهما الأصلية بكورسيكا سنة 1772.
ستعتنق مارثا الإسلام وستحظى بتكوين أكاديمي صارم ستحصل على إثره على اجازة الفقهاء في علوم الفقه والتي قد تكاد تكون فريدة في ذلك الوقت. يحكى أن السلطان كان يقول عنها إنها “أجمل وردة في حريمه”. يقدر فيها “نضارة وسحر وحيوية الروح”. في عام 1786، أصبحت زوجته الشرعية وأول سلطانة تُدعى “إمبراطورة المغرب” في المراسلات الأجنبية، وسيطلق عليها السلطان اسم الضاوية. سيقلدها زوجها سيدي محمد بن عبد الله مهام عدة، فقد عهد إليها بـ “المراسلات مع المحاكم الأوروبية” وعينها عضوة في مجلس مستشاريه وكان تأثيرها هائل على السياسة الداخلية والخارجية للمغرب، وربطت الضاوية علاقة وطيدة بالقصر الملكي الإسباني وحافظت على مراسلات مستمرة مع سيدة البلاط الاسباني ملكة إسبانيا وتبادلت المرأتان الصور والهدايا.

