هل ستصبح مارين لوبين براغماتية؟

العرائش نيوز:

حسين المجدوبي

فاز اليمين القومي المتطرف بالدور الأول في الانتخابات التشريعية المبكرة في فرنسا، وهذه أول مرة يحصل فيها على المركز الأول. وبدأت التحليلات التي تنهل من التشاؤم والمبالغة السياسية إلى مستوى السريالية في الانتشار، بينما هذا اليمين، وفي حالة وصوله إلى السلطة، سيتأقلم وينضبط للقواعد العامة التي تقوم عليها السياسة الفرنسية وعلاقاتها الدولية.
كان منتظرا حصول اليمين القومي المتطرف المتمثل في حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبين على المركز الأول، وهو ما حصل بتحقيق هذا الحزب نسبة تقارب 34% متبوعا بالجبهة الوطنية الجديدة، التي تجمع أحزاب اليسار بأكثر من 28%، واحتل المركز الثالث «جميعا» وهو حزب الرئيس إيمانويل ماكرون بنسبة 22%. وكانت نتائج باقي الأحزاب دون 7%، ومنها اليمين التقليدي والكلاسيكي «الجمهوريون» الذي انتمى إليه رؤساء مثل جاك شيراك ونيكولا ساركوزي.
ويُكتب الكثير من المقالات حول هذه النتائج من محبرة الدراما، وكأن فرنسا انتقلت من مرحلة استقرار وتناغم إلى مرحلة الحرب الأهلية، لاسيما في ظل ترديد بعض السياسيين والمحللين ضرورة «إقامة سد» لمنع اليمين القومي المتطرف من الوصول إلى السلطة. ومن دون التقليل من القلق والغموض الذي يواكب هذه الانتخابات، إذ لأول مرة يحتل اليمين القومي المتطرف المركز الأول، وله حظوظ تشكيل الحكومة، يبقى القلق نسبيا لأسباب متعددة وعلى رأسها:
*في المقام الأول، سيجري الدور الثاني يوم الأحد المقبل، ويبدو أن الاستراتيجية في صفوف المعتدلين هي انسحاب المرشح الذي احتل المركز الثالث حتى يحظى مرشح الجبهة الشعبية أو «جميعا» بحظوظ أكبر في مواجهة مرشح اليمين القومي المتطرف. وما هذا سوى تكرار سيناريو ما حدث في الانتخابات الرئاسية سنة 2002، عندما تواجه كل من جاك شيراك والمتطرف ماري لوبين أب مارين لوبين، وفاز شيراك بفارق كبير، ثم تكرر في المواجهة الرئاسية الأخيرة بين إيمانويل ماكرون ومارين لوبين. وبالتالي، سيكون حزب «التجمع الوطني» من دون شك في المركز الثاني الأحد المقبل وسيتولى المعارضة.
*في المقام الثاني، وهو الأهم، لم يعد اليمين القومي المتطرف بعبعا سياسيا مخيفا، ولن تعيش الدول الأوروبية التي وصل إليها اليمين القومي المتطرف حلقات تاريخية مثل، حقبة أدولف هتلر وموسوليني. لقد وصل اليمين المتطرف إلى الحكم في إيطاليا حاليا، مع ميلوني وفي هنغاريا مع فيكتور أوربان، وشارك ويشارك في ائتلافات حكومية في دول أخرى مثل، النمسا وهولندا، ودخل كل برلمانات دول أوروبا والبرلمان الأوروبي. لكنه يتخلى عن مجمل شعاراته وينضبط للواقع السياسي ويصبح براغماتيا في ممارسة السلطة. ومن ضمن الأمثلة، تعتبر محاربة الهجرة غير القانونية، خاصة القادمة من شمال افريقيا السلاح الأبرز في يد هذا اليمين المتطرف للحصول على الأصوات.

ما يجري مع اليمين المتطرف هو ما جرى مع الأحزاب الشيوعية الأوروبية في بعض المراحل، حيث كانت الدولة العميقة متخوفة من الأحزاب الشيوعية وكذلك الولايات المتحدة، إلى مستوى أن الحلف الأطلسي نفذ عمليات إرهابية إبان السبعينيات والثمانينيات، ضمن ما يعرف «عملية كلاديو» في بلجيكا وإيطاليا وحمّل مسؤوليتها للأحزاب الشيوعية لحظرها. وخلال الانتقال الديمقراطي في إسبانيا في النصف الثاني من عقد السبعينيات من القرن الماضي، كانت أصعب محطة هي منح حكومة أدولفو سواريث الشرعية للحزب الشيوعي، خلال أبريل/نيسان 1977، حيث كاد الجيش أن ينفذ انقلابا وينهي مؤقتا الانتقال الديمقراطي.
وفي ارتباط بكل هذا، طالما أنها تتقوى وأصبحت واقعا سياسيا لا يمكن إلغاؤه، يبقى انخراط الأحزاب القومية اليمينية المتطرفة في ائتلافات حكومية، أو تولي السلطة لوحدها في الوقت الراهن، أقل الضررين أو «الأسوأ الإيجابي» بدل «الأسوأ السلبي» وذلك بمعنى أن انخراطها في التسيير الحكومي الآن قبل تجاوز عتبة 50% أحسن من توليها السلطة، وقد تجاوزت عتبة 50% وتصبح القوة المهيمنة من دون منازع وتعتقد في ضرورة فرض تصوراتها من دون مراعاة الآخر. الانخراط في التسيير الحكومي سيجعل أعضاء هذه الأحزاب المتطرفة براغماتيين وأقل عدوانية، لأنهم سيصطدمون بالواقع، وعليهم تسيير مطالب شعب بأكمله، وليس مطالب من الكتلة الناخبة التي صوتت لهم. إن المجتمعات الغربية معقدة سياسيا واجتماعيا، والعلاقات الدولية بدورها معقدة وشائكة، وترتكز هذه المجتمعات على توازن حقيقي بين صناديق الاقتراع ومتطلبات استقرار الدولة. وعليه، مهما بلغ تطرف هيئة سياسية تصبح براغماتية وواقعية عندما تصل الى السلطة. إذا نجحت في صناديق الاقتراع وبطريقة ديمقراطية في تجاوز السد أو الجدار الذي أقامته الأحزاب السياسية المعتدلة، لن تتجاوز سد الدولة العميقة التي تشرف وتحافظ عليه الدولة العميقة.
ونعود إلى تجربة جورجيا ميلوني في إيطاليا، من أجل تقييم موضوعي لليمين المتطرف في أوروبا، وكيف يتصرف عندما يصل إلى السلطة، رئيسة حكومة روما الحالية قادمة من اليمين الفاشي، ورفعت عندما كانت في المعارضة شعار مركزيا وهو «الله الوطن والعائلة» واعتبرت نفسها الجناح السياسي للدين المسيحي في هذا البلد، وتعهدت بطرد المهاجرين المسلمين والأفارقة، وبناء جدار في البحر لمنع قوارب الهجرة، ثم محاربة التعدد الثقافي. لكن بعد توليها السلطة يوم 22 أكتوبر/تشرين الأول 2022 بفضل زعامتها لحزب «إخوان إيطاليا» اعتبرت الفاشية جزءا من الماضي، واعتبرت الهجرة ضرور على أن تكون قانونية، ولم ترتفع أرقام طرد المهاجرين مقارنة مع حكومات سابقة غير متطرفة، ولم تمنع التعدد الثقافي المرتبط بالهجرة، ولم ترفع سيف الحرب الصليبية في العلاقات الدولية، وكانت من أشد منتقدي دول الخليج، ولكن بعد توليها السلطة اعتبرتها شريطة رئيسية. والأدهى أن حزبها يحاول تغييب الهجرة من النقاش العمومي حتى لا يطالبه الناخبون بتطبيق التعهدات الانتخابية مثل طرد المهاجرين. فرنسا لن تشكل الاستثناء، إذا وصل التجمع الوطني القومي المتطرف إلى السلطة سيصبح براغماتيا، ولهذا، مقولة الذئب قادم لم تعد تنفع في السياسة القائمة على توازن المؤسسات، والتوازن بين مصالح الدولة وبرامج الأحزاب مثل حالة الغرب. ولهذا، إذا فاز حزب مارين لوبين الأحد المقبل، لن تغلق مساجد، ولن تطرد مهاجرين ولن تقطع العلاقات مع العالم العربي والإسلامي، ولكن هذا لن يمنع من وقوع بعض التوتر، وستصبح مارين لوبين براغماتية على الرغم منها لأن مصالح الوطن فوق الأشخاص والأحزاب.


شاهد أيضا
تعليقات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.