جان جينيه: من شاتيلا إلى العرائش.. بعد الدّم بقليل

0 478
العرائش نيوز: 
ايوب المزين
كثيرون هم المؤلفون الغربيون الذين افتتنوا بالشرق، أثناء استقراره وحين غليانه، وكتبوا عنه في كراريس رحلاتهم، واهتموا بأوضاعه وأحوال أهله. لكن الافتتان لم يكن افتتانا واحداً، ولم تكن دواعيه واضحة، في معالمها ومآلاتها. كذلك هاجر رامبو لتجارة السّلاح في عدن، ورحل شاتوبريان إلى القدس للاستقصاء بشأن شخصيات ملحمته “الشّهداء”، وساح لامارتين في جبل لبنان رفقة زوجته وابنته جوليا المتوفاة ببيروت. وحتى من لم يسافر إلى هناك، فقد حاول ابتكار شرقه عبر تخييلات جابت الجسد والسياسة والشّعر والآلهة. هجرات إيروتيكية خالصة، اختلطت فيها الملذّات والهواجس السلطوية، فشدّت العساكر والتجار والمضاربين والأدباء. ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه. كان جان جينيه* (1910-1986)، الأديب الفرنسي المنبوذ، وصاحب النثر المتلألئ، واحداً من هؤلاء الهاربين إلى نعيم المتوسط السُّفلي، من طنجة إلى دمشق، بدأها جنديا في الشام وأنهاها قدّيساً مغبوناً مدفونا في مقبرة إسبانية، مجاورة لسجن، مُطلّة على المحيط الأطلسي.

مواقف جينيه إزاء العالم العربي، المتشكلة أساساً من إقامته في المغرب ورحلاته إلى المشرق، ومن هويته الاجتماعية كفرنسي مُعدم ولقيط، لا تدخل في دائرة الاستشراق الأدبي أو الشفقة المسيحية، التي كان بلا شك بعيدا عنها؛ وإنْ كانت تندرج أحيانا كثيرة في خانة الإيديولوجيا الممانعة، التي سادت في أوساط النخب الأوروبية اليسارية على زمنه، فإنّ حنقه على البورجوازية واصطفافه إلى جنب المسحوقين يبقى صدى مرتدّاً لغبنه الشخصي ومعاناته الذاتية المريرة. لم يكن جينيه، بهذا المعنى، “ملتزما” بقضية سياسية، سواء كانت اضطهاد السود في أميركا أو تقتيل الفلسطينيين في الأراضي المحتلة والمخيمات أو الاستعمار ثم الديكتاتورية التي عايشها في شمال إفريقيا، بل كان يستردّ لنفسه سيادة ضائعة، في طفولة بائسة وشباب مطبوع بالتشرد والاحتجاز والضياع، من خلال انفتاح وتحالف غير مشروط مع كلّ من يذكّرونه بخسرانه ودونيّته وجوعه البدئي.

تهجية الشين
الشين حرفٌ شرير وقبيح، وتعبيراته شائنة. يقلّد السين في استكانتها ويتغطّى بالنقط. يصير شمعدانا شيطانيّاً لا ينير غير نفسه. حتى عندما نتلفّظ به، فإنه يخرج من وسط اللّسان وما يحاذيه من الحنك الأعلى، حيث ينبت ضرس العقل. الألم. انطقه مراراً، لتحسّ بوجع في أسنانك. قله تباعا، وضعه في كلمات، في أسماء المواضع والمخلوقات: شاتيلا، شيكاغو، شام، شبح، شهيد، شجرة، شارون، شامير، مشاعر شمشون يجر الطاحونة في سجن الفلسطينيين، إلخ. لا يبقى غير قليل من شجاعة الفتية ولفحة شمس أيلول الغدّار، بهما سرد جينيه وتذكر الفدائيين والمجازر والجمال الحزين في نصه “أربع ساعات في شاتيلا”. يكتب: “في السماء الزرقاء دائما، تتابع الشمس مُنحناها، إلا أنها ما تزال ساخنة. وتلك النساء، ممثلات التراجيديا، يتذكرن ويتخيلن في آن (…) هنا في أطلال شاتيلا لم يعد يوجد شيء. بعض العجائز، صامتات، أغلقن على أنفسهنّ وراء باب عُلِّقت عليها خرقة بيضاء. وفدائيون، جدّ صغار، سأقابل بعضهم، فيما بعد في دمشق”. (منشورات مكتبة الأعمدة، ترجمة: م.برادة)

Video Player

في دمشق، عام 1930، خدم جينيه في الجندية الفرنسية، وعشق حلاّقا دمشقيا يافعاً كان في ربيعه السادس عشر. لا شكّ أنه ساهم في قتل عرب هناك. أحبهم وقتلهم. لكن جينيه لا يعرف تماما سبب تواجده في بيروت الغربية الآن، ولا دافعه لدخول المخيم بُعَيد المجزرة عام 1982. إنّه كهل، ولا هو جندي ولا هو صحافي ولا هو صيّاد غلمان وسط الجثث. يكتب في نصه: “أوّل جثة رأيتها كانت لرجل في الخمسين، أو الستين من عمره. وكان مُهيئّاً ليكون له إكليل من الشّعر الأبيض لولا أنّ شرخاً (ضربة فأس، فيما خُيِّل لي) قد فتحت جمجمته. جزء من النخاع المسود كان مُلقىً على الأرض إلى جانب الرأس (…) هل كان يحاول الهرب؟ لقد كان مسجّى في زقاق صغير، مباشرة على اليمين من مدخل مخيم شاتيلا المواجه لسفارة الكويت”. ما الذي جاء جونيه يبحث عنه حقا، وهو في الثانية والسبعين؟ تجديد صداقة الفدائيين (لقاءات سابقة معهم في الأردن) أم استعادة أطياف رغبته في انتحار لم يُقدم عليه بعد انتحار عبدالله، عشيقه المغربي؟

قدّيس العرائش الملعون
لقد قام صاحب “يوميات لص” (1949)، بجذريته الجمالية واستفزازه الأدبي، بالبحث عن بهاء خافت ومغبون في هوان وبشاعة العرب لكي يواجه به فظاعة أهله وازدواجية مواقفهم الإنسانية والسياسية. يكتب في نصه عن شاتيلا: “قبل حرب الجزائر، لم يكن العرب، في فرنسا، جميلين. كانت حركاتهم بطيئة، متلكئة، ووجههم جانبياً باستمرار… وفجأة، تقريباً، جمَّلهم الانتصار.(…) على الشاكلة نفسها، كان الفدائيون الفلسطينيون، وقد انعتقوا من مخيمات اللاجئين، ومن أخلاق المخيم ونظامه، تلك الأخلاق التي فرضتها ضرورة الاستمرار في العيش، وانعتقوا في الآن نفسه من العار، جدّ جميلين”. كذلك خلق جينيه للجمال جهنّمها الملتهبة، فالجميلون هم الضعفاء حينما ينتصرون أمام المستبدّ ويسلبونه أدوات قمعه، فيقلبون الأدوار، يصيرون مستبدّين ولصوص حتى تحقق عدالة ما؛ لكنهم جميلون لأنّ جينيه نفسه يريد أن يجعلهم كذلك، حتى يأسرهم داخل عالمه.

Video Player

في كتابه “جان جينيه وتينسي وليامز في طنجة”، يكتب محمد شكري: “من يقترب من جينيه للمرّة الأولى يكون عُرضة لصفعة أو لقبلة”. ما لخّصه شكري، على طريقته، هو تماما الشيء الذي شطر الأدباء والفلاسفة الفرنسيين بخصوص جينيه. كوكتو يدافع عنه، فرانسوا مورياك يهاجمه، سارتر وباتاي يختلفان حوله، ثم دريدا يشرّحه للتبيان. هل هو مجرّد مارق يوظف الفن والقيم لتحقيق نزواته؟ أم أنّه فعلاً قدّيس حقيقي تهمته التغرير باليافعين والشباب وإخراجهم عن قانون المدينة؟ تقول سيّدة عرفته في شهادة لها: “كان جينيه يعرف كيف يفتن ويتلاعب. كان يجعل الرجال ينتصبون والنساء يتبلّلن. رأيتُ كلّ ذلك، مباشرة، عندما كنت طفلة (…) لقد كان منحرفا، متحديا على الدوام… نحن، أنا، لم نكن سوى عرائس بين يديه. لقد قدّسته، ولست لحد اليوم في سلام معه”.

صوّر جينيه فيلمه القصير “نشيد الحب” (1975) بالأسود والأبيض. لا ألوان ولا خلايا مخروطية. كأنّها حياته موجزة في خمسة وعشرين دقيقة: وحشة “الأسير العاشق” وشفافيته الحارقة وعلاقته الإيروتيكية بالعالم وقضاياه. العالم، معتقله الكبير. يتواصل سجينان عبر ثقب في الجدار الذي يفصل بين زنزانتيهما: يرقصان، ينفثان الدخان، يمسّان الأعضاء والخيالات، على مرأى من السّلطة، يختلسان لحظات حميميّة ويحلمان بالحرية المؤجلة. لم يتوقف جينيه، منذ وضعته أمّه في دار رعاية اللّقطاء، عن اختلاس الحنان والحليب والأشياء، لكنه بقي مفتوناً بكلمة “قداسة” (sainteté)، كلمة سيقول أنها أجمل ما تزخر به اللغة الفرنسية. بها ينتقم لنفسه من قساوة والديه. كأنه يقول: تخلّ عن والديك، كما تخلّيا عنك، سر إلى الله عارياً وابق الطفل الذي كنته. هذه وصية جينيه التي نسمع صداها في نص صديقه شكري: “أخي صار ملاكاً. وأنا؟ سأكون شيطاناً، هذا لا ريب فيه. الصغار إذا ماتوا يصيرون ملائكة والكبار شياطين. لقد فاتني أن أكون ملاكاً”. فلنمت إذن، قبل فوات الأوان!


شاهد أيضا
تعليقات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.