
مواقف جينيه إزاء العالم العربي، المتشكلة أساساً من إقامته في المغرب ورحلاته إلى المشرق، ومن هويته الاجتماعية كفرنسي مُعدم ولقيط، لا تدخل في دائرة الاستشراق الأدبي أو الشفقة المسيحية، التي كان بلا شك بعيدا عنها؛ وإنْ كانت تندرج أحيانا كثيرة في خانة الإيديولوجيا الممانعة، التي سادت في أوساط النخب الأوروبية اليسارية على زمنه، فإنّ حنقه على البورجوازية واصطفافه إلى جنب المسحوقين يبقى صدى مرتدّاً لغبنه الشخصي ومعاناته الذاتية المريرة. لم يكن جينيه، بهذا المعنى، “ملتزما” بقضية سياسية، سواء كانت اضطهاد السود في أميركا أو تقتيل الفلسطينيين في الأراضي المحتلة والمخيمات أو الاستعمار ثم الديكتاتورية التي عايشها في شمال إفريقيا، بل كان يستردّ لنفسه سيادة ضائعة، في طفولة بائسة وشباب مطبوع بالتشرد والاحتجاز والضياع، من خلال انفتاح وتحالف غير مشروط مع كلّ من يذكّرونه بخسرانه ودونيّته وجوعه البدئي.
تهجية الشين
الشين حرفٌ شرير وقبيح، وتعبيراته شائنة. يقلّد السين في استكانتها ويتغطّى بالنقط. يصير شمعدانا شيطانيّاً لا ينير غير نفسه. حتى عندما نتلفّظ به، فإنه يخرج من وسط اللّسان وما يحاذيه من الحنك الأعلى، حيث ينبت ضرس العقل. الألم. انطقه مراراً، لتحسّ بوجع في أسنانك. قله تباعا، وضعه في كلمات، في أسماء المواضع والمخلوقات: شاتيلا، شيكاغو، شام، شبح، شهيد، شجرة، شارون، شامير، مشاعر شمشون يجر الطاحونة في سجن الفلسطينيين، إلخ. لا يبقى غير قليل من شجاعة الفتية ولفحة شمس أيلول الغدّار، بهما سرد جينيه وتذكر الفدائيين والمجازر والجمال الحزين في نصه “أربع ساعات في شاتيلا”. يكتب: “في السماء الزرقاء دائما، تتابع الشمس مُنحناها، إلا أنها ما تزال ساخنة. وتلك النساء، ممثلات التراجيديا، يتذكرن ويتخيلن في آن (…) هنا في أطلال شاتيلا لم يعد يوجد شيء. بعض العجائز، صامتات، أغلقن على أنفسهنّ وراء باب عُلِّقت عليها خرقة بيضاء. وفدائيون، جدّ صغار، سأقابل بعضهم، فيما بعد في دمشق”. (منشورات مكتبة الأعمدة، ترجمة: م.برادة)
Video Player |
قدّيس العرائش الملعون
لقد قام صاحب “يوميات لص” (1949)، بجذريته الجمالية واستفزازه الأدبي، بالبحث عن بهاء خافت ومغبون في هوان وبشاعة العرب لكي يواجه به فظاعة أهله وازدواجية مواقفهم الإنسانية والسياسية. يكتب في نصه عن شاتيلا: “قبل حرب الجزائر، لم يكن العرب، في فرنسا، جميلين. كانت حركاتهم بطيئة، متلكئة، ووجههم جانبياً باستمرار… وفجأة، تقريباً، جمَّلهم الانتصار.(…) على الشاكلة نفسها، كان الفدائيون الفلسطينيون، وقد انعتقوا من مخيمات اللاجئين، ومن أخلاق المخيم ونظامه، تلك الأخلاق التي فرضتها ضرورة الاستمرار في العيش، وانعتقوا في الآن نفسه من العار، جدّ جميلين”. كذلك خلق جينيه للجمال جهنّمها الملتهبة، فالجميلون هم الضعفاء حينما ينتصرون أمام المستبدّ ويسلبونه أدوات قمعه، فيقلبون الأدوار، يصيرون مستبدّين ولصوص حتى تحقق عدالة ما؛ لكنهم جميلون لأنّ جينيه نفسه يريد أن يجعلهم كذلك، حتى يأسرهم داخل عالمه.
Video Player |
صوّر جينيه فيلمه القصير “نشيد الحب” (1975) بالأسود والأبيض. لا ألوان ولا خلايا مخروطية. كأنّها حياته موجزة في خمسة وعشرين دقيقة: وحشة “الأسير العاشق” وشفافيته الحارقة وعلاقته الإيروتيكية بالعالم وقضاياه. العالم، معتقله الكبير. يتواصل سجينان عبر ثقب في الجدار الذي يفصل بين زنزانتيهما: يرقصان، ينفثان الدخان، يمسّان الأعضاء والخيالات، على مرأى من السّلطة، يختلسان لحظات حميميّة ويحلمان بالحرية المؤجلة. لم يتوقف جينيه، منذ وضعته أمّه في دار رعاية اللّقطاء، عن اختلاس الحنان والحليب والأشياء، لكنه بقي مفتوناً بكلمة “قداسة” (sainteté)، كلمة سيقول أنها أجمل ما تزخر به اللغة الفرنسية. بها ينتقم لنفسه من قساوة والديه. كأنه يقول: تخلّ عن والديك، كما تخلّيا عنك، سر إلى الله عارياً وابق الطفل الذي كنته. هذه وصية جينيه التي نسمع صداها في نص صديقه شكري: “أخي صار ملاكاً. وأنا؟ سأكون شيطاناً، هذا لا ريب فيه. الصغار إذا ماتوا يصيرون ملائكة والكبار شياطين. لقد فاتني أن أكون ملاكاً”. فلنمت إذن، قبل فوات الأوان!
