من اجل جبهة علمانية للدفاع عن الدين…؟


 بقلم الاستاذ : حميد باجو

اجل من جبهة علمانية للدفاع عن الدين…؟

قد يبدو هذا العنوان متناقضا بالنسبة للبعض، وذلك بسبب ما تكرس في الأذهان من وجود تضاد ما بين العلمانية والدين. غير أن الحقيقة لم تكن كذلك أبدا، لأن التضاد إنما هو بين العلمانية وبين تسييس الدين. بل أن كل الوقائع توضح أن أفضل الأنظمة السياسية التي وفرت الحماية للمتدينين والمؤمنين من كل الملل، لكي يمارسوا شعائرهم بحرية وطمأنينة إنما هي تلك التي تتبنى العلمانية، ولنا في نموذجي الولايات المتحدة الأمريكية والهند أبلغ مثال على ذلك. في المقابل نجد أن أكبر من يهدد حرية التدين ويبقي المتدينين في وضعية اللاطمأنينة هي تلك الأنظمة أو الجماعات الدينية التي تجعل من الدين وسيلة للسيطرة السياسية ولفرض نفسها كمفوض وحيد من السماء للتحكم في رقاب العباد. بل الأدهى من ذلك أنه حتى المتدينين الذين يعيشون في كنف الدول العلمانية، كما هو حال المسلمين في بلدان المهجر، يضطرون لتحمل تبعات ممارسات وفتاوي أولاءك الغلاة من أئمة المتطرفين وشيوخ السلفية.
لذلك قد نعتقد نحن أنه حان الوقت لأن ينتفض العلمانيون في بلادنا بمختلف أطيافهم: حداثيون ويساريون وليبراليون وأمازيغيون واسلاميون متنورون …ألخ ، لمواجهة هذا التسلط الذي يقوم به السلفيون على الثقافة الدينية والسعي لتحريرها من قبضتهم. إن الإسلام سواء كحضارة مادية أو كتراث روحي، هو جزء أساسي من هويتنا وكينونتنا كمغاربة، وبالتالي فإن معركة استرجاعه من يد هؤلاء الدخلاء، لا تقل أهمية من معركة استرجاع الوطن من الاستعمار الأجنبي التي خاضها أسلافنا.
إن هذه المعركة وإن كانت قد بقيت عمليا دائما مفتوحة، سواء من طرف الديمقراطيين والحداثيين أنفسهم او من طرف بعض الإسلاميين المتنورين، الذين قدموا في سبيل ذلك العديد من الشهداء ومن التضحيات، فإن الأحداث الأخيرة التي جاءت مع الربيع العربي و حركة 20 فبراير، قد أظهرت مدى ملحاحية هذه المعركة اليوم، خاصة بعد أن سرق هؤلاء الأصوليون ثمرات هذا الحراك من صانعيها الحقيقيين من الديمقراطيين، وبعد أن تأكد التوجه الأمريكي نحو عقد تحالف استراتيجي في المنطقة مع قيادات حركة الإخوان المسلمين على حساب نضالات الشعوب وتضحيات المناضلين الديمقراطيين.
في هذا الإطار بالنسبة لبلدنا، وإذا كانت مواجهتنا كعلمانيين هي بالدرجة الأولى مع السلفيين، فإن ذلك يطرح علينا كيفية التعامل مع القوتين الاسلاميتين الرئيسيتين: العدالة والتنمية من جهة والعدل والإحسان من جهة ثانية.
بالنسبة للقوة الأولى وإذ كنا لا ننكر بعض التحولات الجارية داخلها، خاصة لدى جزء من انتلنجينسياها: المراجعات التي أعلن عنها الريسوني مثلا مؤخرا، في اتجاه الإنفتاح والقبول بالقيم الكونية التي تطالب بها العلمانية، فإن هذا الحزب يبقى مع ذلك مرهونا عموما، إما لعقلية سلفية محافظة لن يستطيع الذين تربوا في أحضانها لمدة طويلة أن يتخلصوا منها بسهولة، أو لضغوطات خارجية تتمثل في التوجهات العامة للحركة الإخوانية أو الوهابية الذي لا زالت تخضع له قيادته، أو ربما فقط لحسابات سياسية ظرفية ، في إطار مغازلتهم لشيوخ السلفية كما فعل مصطفي الرميد مع المغراوي، بهدف كسب أصوات ودعم هؤلاء في الانتخابات. 
أما بالنسبة للقوة الثانية: جماعة العدل والإحسان، فرغم انها تختلف نسبيا في ارتباطاتها الخارجية، باعتبار أنها هي في الأخير منتوج مغربي محض، وإن كانت بنكهة خمينية خاصة، تمتح من تقليد محلي قديم هو ما يتمثل في الإسلام الطرقي الذي بقي مستقلا عن السلطة المركزية وبالخصوص تجربة الزاوية الدلائية في صراعها مع السلاطين العلويين، فإنها هي أيضا قد سقطت في مرحلة معينة في لعبة السلفيين والإسلام السياسي عموما، حين دخلت معهم في تنافس على استقطاب بعض الفئات المتدينة من المغاربة، ومن تم المزايدة عليهم بالشعارات الأكثر تشددا ومحافظة، على حساب البعد الصوفي المتسامح الذي كانت تتميز به تلك الزوايا القديمة.
لكن بالتأكيد أن ما حدث في 20 فبراير سيجعل العدل والإحسان لما بعد هذا التاريخ ليس هي نفسها ما كانت عليه من قبل. فقد أتاح ذلك الاختلاط الذي جمع ما بين شباب الجماعة والشباب ذوي المرجعيات اليسارية، أن يكتشف هؤلاء وبعيدا عن تلك الكليشيهات القديمة عن الإلحاد والتفسخ الأخلاقي والتبرج … ألخ، أن هذا الشباب وبالإضافة إلى صفة الإلتزام النضالي الذي دفعه إلى الخروج في مظاهرات 20 فبراير، له ميزة أخرى يمتاز بها حتى على العدليين، وهي انفتاحه على التنوع الفكري والثقافي العالمي، وبالخصوص حرصه على استقلاليته في القرار، كما تبين بالملموس من خلال الجموع العامة للحركة، وهي الميزة التي ستنتشر بالتأكيد داخل جسم العدل والإحسان كما تنتشر بقعة الزيت.
لذلك وبسبب هذا التباطؤ في التحول الذي يجري وسط هاتين القوتين الإسلاميتين الرئيسيتين نحو المزيد من الانفتاح والقبول بالتعددية والتعايش مع الأخرين، يبدو أن مجال التدين والثقافة الدينية للمجتمع عموما، لا زال مشرعا على مصراعيه أمام انتشار وتوسع التأثيرات السلفية وخطابات شيوخها المنغلقة والمتطرفة أو حتى التكفيرية، بما لن يزيد إلا في تشويه سمعة هذا الدين وتكريس ربطه بكل ما هو همجي وظلامي ولا انساني. وقد يكون أكبر المتضررين من ذلك هم بالضبط أولاءك المتدينون من المواطنين البسطاء الذين يسعون لإيجاد توازن بين حاجاتهم للإشباع الروحي وبين متابعة حياتهم بشكل عادي وسط مجتمع اليوم.
فلأن أن التراث الإسلامي بكل مكوناته، هو إرث لنا جميعا كمسلمين متدينين أو غير متدينين، سلفيين أو علمانيين، وفي انتظار أن يتقوى عود الإسلاميين المتنورين وسط جماعاتهم، سيبقى من الواجب علينا كعلمانيين أن نتحمل مسؤولية الدفاع عنه وحمايته من هذا التشويه الذي لحقه في العقود الأخيرة من طرف أولاءك السلفيين، الذين تمكنوا في العقود الأخيرة، وبفضل الدعم المادي الخليجي من احتكار حق الحديث باسمه.

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.