أي مستقبل لليسار بعد الربيع العربي الذي وضع الحركة الإخوانية على رأس السلطة؟..
بقلم: خالد ديمال
إن من جملة الأسئلة المؤرقة: ما العمل؟.. وهذا السؤال كان عنوانا لرواية قبل أن يكون سؤالا فجوابا سياسيا. وأيا كانت الإجابات، وأيا كانت النتائج، فإن مجرد استمرار السؤال، يتيح إمكانيات غير محدودة لإجابات تتعدد بتعدد الأزمنة والأماكن والبشر، وهذا هو دور الإبداع. لكن أي إبداع؟.. يقول أكسندر روشكا: “الإبداع حصرا هو النشاط أو العملية التي تقود إلى إنتاج يتصف بالجدة والأصالة والقيمة من أجل المجتمع”، وهذا يعني حسب روشكا أن “نهج الإبداع منهج في التفكير والإنجاز، وعقلية اقتحامية تحسن طرح الأسئلة الحاسمة، وهو كذلك خيار تربوي وعلمي يقصد به تكوين الشخصية الإبداعية على مستوى الفرد، وتأسيس وضع إبداعي على مستوى المجتمع”. فهل اليسار لما بعد الربيع العربي قادر على الإجابة على هذه السئلة، خصوصا وأن هذا الربيع لم يكن سوى قنطرة العبور بالنسبة للحركات الإخوانية بجميع فروعها، للوصول إلى السلطة محملة برهانات سلطوية لا تخرج عن دائرة تكرارية تعيد نفس أنماط القهر والإستغلال والإحتكام إلى القوة العمياء التي كان يسخرها الحكام المستبدون للبقاء في السلطة والحفاظ عليها، وتسخير جميع الوسائل لخدمة أغراضها، خاصة الآنية، ضاربة عرض الحائط كل مكتسبات الشعوب وتطلعاتها نحو الديموقراطية والحق في الإختلاف، وهذه من جملة العلاقات التي تقود نحو الإرتياب ثم إلى الخوف، باعتبار هذه الحركات نفسها صاحبة حق لا يطاله الباطل من أي جهة، بتعبيرات مضادة تروم قمع كل من يخالفها الرأي. في ظل وضع كهذا، ألا يتحتم على المثقف، أن يعاود الآن طرح الأسئلة الأساسية كما فعل مثقفو عصر النهضة، بإعادة قراءة المراحل، وإعادة النظر والمراجعة، بعيدا عن رد الفعل والإنفعال، واعتماد فكر نقدي جريء، لتشكيل البدايات الحقيقية لسد الباب في وجه التطرف والفكر الواحد إذا وضعنا المغرب حالة استشرافية للنقد والتحليل؟..
في إحدى لقاءاتها الحوارية الشهرية، استضافت الرابطة المغربية للشباب من أجل التنمية والحداثة من خلال فرعها المحلي بالعرائش، العضو السابق بحركة “لنخدم الشعب” أنيس بلافريج، تحدث فيه عن “النظام السياسي في المغرب، ومستقبل اليسار”، ودافع فيه عن القضية الفلسطينية التي اعتبرها “قضية وطنية خصوصا وأنه كان أحد المهندسين الذين بلوروا هذا الشعار في إطار حركات التحرر الوطني”. مستعرضا الإرهاصات الأولى للإستقلال من خلال حديثه عن “الحركة الوطنية التي كان يقودها حزب الإستقلال الذي كان يضم مليون ونصف منخرط”، كاشفا عن “جو العنصرية والكراهية التي كان يعانيها العرب، خصوصا عندما كان يقيم بفرنسا أواسط الستينيات، ولاحظ المساندة التي كانت تحظى بها إسرائيل من لدن الغالبية العظمى من الفرنسيين وبشكل أعمى، في مقابل جو هستيري معادي للعرب، وكان سببا في انخراطه في الصراع العربي/الإسرائيلي بفرنسا، إلى أن تطورت الأمور وانخرط بحركة فتح من أجل القضية الفلسطينية سواء في الأحزاب أو في صفوف المهاجرينمو”. ومضى يقول أن “اهتمامه بالقضية الفلسطينية لم يتوقف في حدود فرنسا، بل استمر بعد عودته إلى المغرب من خلال مجموعة من اللجان، سواء بكريان سنطرال أو بحي بن مسيك، إلى أن تعرض للإختطاف رفقة مجموعة من الشبان في مارس 1972، إلى أن تم الإفراج عنه أواخر سنة 1977، حيث قرر العودة مجددا إلى العمل السياسي والحقوقي في إطار الجمعية المغربية لحقوق الإنسان سنة 1979”. وفي حديثه عن اليسار، شدد بلافريج عن “رفضه لهذا المفهوم”، معتبرا إياه “مفهوما دخيلا أتانا من الغرب”، داعيا إلى “بناء مفاهيم خاصة بنا تنبني على مواقف من خلال ثورة ثقافية، لتوحيد التيارات من خلال قراءة نقدية لهذا التفكير المتعلق بمين ويسار”. مستحضرا تجربة الصين التي اعتبرها “نموذجية في التحرر والقضاء على المجاعة وتطبيق العدالة الإجتماعية والقضاء على العبودية من خلال ماو تسي تونغ الذي أتى بأفكار جميلة استطاعت أن تحرر قارة بأكملها تضم 600 مليون نسمة”، أكثر من ذلك يضيف المتحدث أن “الصين تقدمت وصارت دولة عظمى نتيجة العمل والتعليم المتطور، وتوفير الكرامة الوطنية بعد القضاء على الإقطاع، والتعامل مع الأجنبي على قدم المساواة”.
أي مستقبل لليسار؟..
دافع أنيس بلافريج عن حركة 20 فبراير عندما قال “أنها نشأت في جو الربيع العربي، فكانت نتيجة عوامل دولية ومحلية جعلت الشعوب تتحرك بشكل منسق”، مضيفا بقوله أن “هذه الإنتفاضات التي انطلقت في المغرب منذ 1944 كانت بسبب قبضة القوة الإستعمارية المهيمنة، ووجدها الوطنيون فرصة للعب على التناقض بين القوى الإستعمارية وميثاق الأمم المتحدة الذي ينص على مبدأ تقرير المصير، كذلك الشأن بالنسبة للثورات العربية”، ضاربا مثلا بالرئيس التونسي زين العابدين بنعلي “الذي كان محروسا من فرنسا ومع ذلك طار في لحظات قليلة بعدما مل الشعب التونسي قبضته الحديدية، فانتفض معبرا عن درجة من الإحتقان في الوطن العربي، وبموازاة ذلك عجز القوى المهيمنة على السيطرة على الموقف بعدما تجاوزتها الأحداث”. وتابع قوله أن “حركة 20 فبراير ناتجة هي الأخرى عن الإحتقان والتهميش والبطالة والحالة السياسية القائمة”، وهي حركة يضيف المتحدث “أعطت أكلها من خلال وضع دستور جديد، وإجراء إنتخابات شفافة”، محذرا من أن المغرب “لم يصل بعد إلى المرحلة الديموقراطية وتحقيق العدالة الإجتماعية حتى يسمى استثناء مقارنة مع نظرائه من الدول التي شهدت ثورات”. منبها إلى “وجوب الإتجاه صوب تفعيل مبادئ الإنصاف والعدل، بدل إعادة إنتاج أساليب الحسن الثاني”. فالدستور شفاف يستطرد المتحدث لكن “تبعاته انكشفت لدى الجميع، فرئيس الحكومة لا يحكم، باستثناء تميزه بالشعبوية التي لا تخرج عن كونها ديماغوجية بلغة الشارع”. ورأى أن “النزاهة تحتاج إلى كلمة حق، ونبذ الأعمال والبزنس عن السياسة، لأن السياسة هي دفاع عن الشأن العام، لكن البزنس هو دفاع عن مصالح خاصة”، مصرحا بأن “قيم اليسار تتلخص في هذه المبادئ إذا شئنا تحديد التسمية”. معبرا عن تفاؤله بما أسماه “الحركة الديموقراطية الجديدة التي تحتضن شبابا وطنيين يريدون التغيير لصالح الوطن”. وتابع قوله “حركة 20 فبراير هي نهضة عظيمة متواصلة، تحتضن فرديات ممتازة، لكننا نحتاج إلى مايسترو على مستوى التنسيق والتكوين يجعل الفريق يلعب بانسجام”. وفي رده على التفسير المؤامراتي الذي يعتبر أن حركة 20 فبراير تحركها خيوط وأجندة خارجية، فقد أكد بلافريج أن “هذه الأطروحة لا تصمد أمام الواقع، سواء في تونس أو أو مصر أو اليمن أو الأردن أو سوريا”، فكلها يضيف المتحدث “خرجت من صميم الشعب الذي واجه الرصاص ومات”، مستدلا على ذلك بقوله “حيثما يوجد اضطهاد، توجد ثورة ومقاومة”. وتابع حديثه “هذه شعوب انتفضت من أجل التغيير في انسجام مع التيار العالمي الذي يخدم التنافسية الحرة وحقوق الإنسان بمفهومها الكوني، وبالتالي لا يمكن أن نكون ضد هذا التيار”. وفي توصيفه لأوضاع الرأسمالية اعتبر بلافريج أن “الرأسمالية تعيش أزمة خانقة، وبالتالي إما أن تطالها إصلاحات جذرية ذات بعد اجتماعي يزيل الظلم في المجتمع، وإما ستزول خلال ال10 سنوات المقبلة في إطار تحولات”. داعيا إلى “ابتكار قيم ثقافية تنشد التطور باستحضار القيم الدينية لمجتمعنا في إطار الحفاظ على الخصوصيات”، ويستطرد المتحدث أن هذا الدور ” لن يقوم به إلا المثقفون وعلماء السياسة كعقول قادرة على الإبتكار”. ليخلص إلى القول أن “الشعبوية لن تأتي بنتيجة، لأنها لا تكون إلا في حالة انهيار معنوي للقيم، وعندما لا يعود الإنسان يبصر طريقه بشكل جيد”.
