في نقد الحاجة إلى السلفية

العرائش نيوز:

في نقد الحاجة إلى السلفية

بقلم: ذ. محمد مروان

تبلور الإتجاه السلفي التقليدي في سياق الخطاب النهضوي الحديث، الهادف إلى إصلاح أوضاع الأمة والإرتقاء بها فكريا واجتماعيا وسياسيا، وتقليص الهوة الفاصلة بينها وبين الشعوب والأمم المتقدمة، وعلى رأسها المجتمع الغربي. كانت الحاجة ماسة إلى نقد الجمود والتخلف الفكري الذي كرس اللاعقلانية في فهم الخطاب الديني، ومحاولة تفعيل دور العقل والإجتهاد، والإعتماد على الأصول متمثلة في القرآن والسنة. من هذا المنطلق، تعالت الدعوات إلى النقد والإصلاح مع كل من رشيد رضا، محمد عبده، عبد الرحمان الكواكبي، قاسم أمين، شكيب أرسلان، فيما يشبه جبهة متكاملة لمواجهة وتجاوز آفة التخلف الفكري والإجتماعي والسياسي التي تعانيها المجتمعات العربية الإسلامية. وهكذا، انصب اهتمام رضا وعبده على الإصلاح الديني والفكري من خلال نقد مظاهر الخرافة والسحر والشعوذة التي أصبحت طقوسا ملازمة للممارسة والسلوك الديني، داعين إلى اعتماد العقل في فهم الدين وبناء المعارف، وكذلك تطوير العلم الذي هو أساس تقدم المجتمعات الغربية الحديثة. في حين سعى الكواكبي إلى تشريح وتعرية الإستبداد وطبائعه أملا في ترسيخ العدل الذي هو أساس الملك، وتأسيس ما يشبه الدولة الديمقراطية الحديثة، من حيث عقلنة ممارسة السلطة وضمان الحرية والعدالة. أما التوجه الذي اختاره قاسم أمين، فقد كان اجتماعيا بامتياز، حيث اعتبر إصلاح أوضاع المرأة، بما هي نصف المجتمع، مدخلا أساسيا للنهوض الإجتماعي، وهو يستلزم مساواتها مع الرجل في الحقوق والواجبات، وعلى رأسها التعليم والشغل. هذا المشروع السلفي المتكامل قدم فهما إيجابيا لماهية الدين وغايته، واتخذ منه أصلا ومرجعا وأساسا للنهضة والإصلاح، وقد لا يتسع هذا المقام للتفصيل والتقييم بصدد هذا المشروع، إلا أن ما يسترعي الإنتباه في السياق الحالي، هو تنامي تيار سلفي آخر، مخالف جذريا للإتجاه السلفي التقليدي: إنه السلفية الجهادية أو التكفيرية التي أصبح يصدرها المشرق العربي إلى كافة المجتمعات الإسلامية، بهدف إقصاء واستئصال “مظاهر الكفر” لدى المسلمين وغيرهم، عن طريق إعلان الجهاد والقيام بما يسمونه عمليات استشهادية من قبيل الإغتيالات والتفجيرات وفرض نمط عيش وسلوك بالترهيب، مما سوغ، بكل يسر وسلاسة، تصنيف هذه السلفية في خانة الإرهاب. وإذا كانت السلفية التقليدية تجد روادها في مفكرين و”علماء” كبار، فإن السلفية الجهادية القائمة على التكفير والدموية والتقتيل والترهيب، لا يمكن أن تنشأ وتنمو إلا في تربة غاية في الجهل، والخضوع الآلي لأوامر الأمير ونواهيه، والصورة التي تقدمها عن الدين الإسلامي لا يمكن أن تشرف أي مسلم مؤمن بأن الدين، أي دين، هو في جوهره دعوة إلى الفضيلة، بكل ما تستلزم من أخوة ومحبة وتسامح بين البشر. لذلك نقول لهؤلاء: لكم دينكم ولنا ديننا، ونسأل لكم المراجعة والهداية.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.