حكَاية مُهاجر -20-

العرائش نيوز:

حكَاية مُهاجر -20- 

التسونامي الأخير

عشنا ليلة حَوَت الكثير من مفردات قاموس المهاجر السرّي، أو بالتعبير الدارجي الحرّاك الذي أُرغم على الدخول أو السَّيْر في نفق مظلم منذ أن فكّر في هجْر وطنه ومن فيه قلق هذه الليلة كان موَزَّعاً بين جنون سرعة السيّارة بسبب ملاحقتنا من قبل الشرطة وبين المطلب الذي لو حصل، ربّما خيال السريالي ضولي  كان عاجزاً عن رسم لوحة تعبِّر عن تمزُّقنا الباطني والظاهريّ. و لرُبّما استطاع خيال أحد الرسّامين رسم أو تجسيد تشتُّتنا لو حصل، قد يضع -هذا الرّسام- إطاراً مربّع الشّكل، شديد السواد، فيرسم عن يسار اللوحة في الأعلى نقطة حمراء اللون، على شكل قلب آدميّ،أو جزء منه، ويضع على اليمين في الأسفل دائرة كبيرة بلون بنِّيّ، وفي أماكن أخرى  يرسم بعض الأعضاء الأخرى، قد تكون شفتين بالقرب منهما حروف مُقطّعة، لامٌ مزدوج، صاد ونون منحدِرة في اتّجاه الدائرة البنّيّة التي قد تكون ترمز إلى العالمالكرة الأرضيّة – أو إلى جزءٍ منهابعد ساعات من الزمن اللّيليّ المليء بالهلع وقفت السيّارة في محطّة للتّزوُّد بالوقود وفُتحت الباب الخلفيّ للسيّارة. وإذا بالقائد ومعه السائق -صاحب الزّورق- يبتسمان مبتهجان بنصرٍ قد تحقّقحيث لم تستطع الشرطة العثور علينا، أو أنّها لم تُرد ذلك لدواعي ربّما إنسانيّة، يبدو أنّ الخطر الذي كاد أن يُحطّم أحلام الجميع لم يعُد موجوداً على أرض الواقع لكنّه لا زال ثابتاً في أذهاننا قبل أن نتابع السير وزّع علينا عصير وحلوى -اعتقنا الرّوح- شكلهما وذوقهما أنسانا -أنساني الأيّام العِجاف التي عشناها في الغابة دون طعام أو شراب كعادتي، وفي جميع المراحل الخطرة، أو بعدها، أخلو بنفسي وأبدأ في استرجاع وتِعداد العواصف واحدة تلو الأخرى. قلتُ: يا تُرى أيّة عاصفة كانت أشدّ خطورة علينا من الأخرى؟ وأيّتها كانت ستكون أهون من الأخرى لو حدث فيها ما حدث؟ وكيف كنّا نحن المُستضعفون -الحرّاكة ننجو من كلِّ عاصفة؟ وهل هذه هي آخر عاصفة تُواجهنا؟

أنا غارقٌ في هذه العواصف، وإذا بسرعة السيّارة تنخفض. يبدو أنّنا على مقربة من نقطة النهاية– البداية-. كان ذلك قبل طلوع الفجر حيث النجوم لا زالت تزيِّن فضاءنا اللّيليّ إنّه توقيتٌ غاية في الأهمّية حيث لم تبدأ بعد حركة مرور السيّارات بكثافة ولا أثر بعدُ لحركة الناس.

دخلت السيّارة بهدوء، وبعد ثواني من وقوفها فُتح الباب علينا لآخر مرّةٍ عَهِدْنا بالسيّارة كالعادة، كان الاثنان هما من فتحا الباب وطلبا منّا النزول. عمّت الفرحة الجميع وحمدنا الله على سلامتنا قالا لقد نجونا من … قُلتُ في نفسي ربّما من آخر عاصفة التسونامي.


الحقيقة أنّ هاجس المطاردة والملاحقة كان لصيقاً بكياننا كلّه منذ أن خرج كلّ واحدٍ منّا من داره
إلى أن جاء اليوم الموعود.

بعد نزولنا كان من المهنّئين والمستقبلين لنا صاحب المنزل ببشاشته، وبذراعه عانقنا واحدا واحداثمّ دعانا إلى دخول المنزل ومن ثَمَّ إلى قاعة مؤثّثة على الطراز المغربيّ.



شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.