غفوة في باص..

العرائش نيوز:

بقلم : عبد الصمد الشنتوف
في مساء الأحد ، وأنا أمشي في طريقي على مهل ، صادفني كهل طويل القامة بسحنة إفريقية داكنة ، كان يحمل على كتفيه صليبا خشبيا ضخم الحجم بدهان أبيض ، بدت أسماله رثة ، شعره مجعد منفوش ، عيناه غائرتان ، تفوح منه رائحة عطنة حتى ظننته بوهيميا متشردا . كان يرتدي معطفا طويلا بلون أسود وقد تجاوز ركبتيه ، يمشي ببطء وكأنه مصاب بالسرنمة ، اقترب مني وحبات العرق تسيل وتبرق على وجنتيه من ثقل ما يحمل ، وقف برهة ينظر إلي وكأنه يتفحص ملامحي ، فهز رأسه موافقا على شيء يسرح في مخياله ، فجأة صاح في وجهي كالمجنون : ” يسوع يحبك” ! ، لبثت صامتا أتبسم في وجهه وكأنني في حيرة من أمري ، لم أرد عليه ولم أكن أعرف كيف أرد . غمغم المسكين بشفتيه ثم تابع سيره صوب شارع “وستبورن غروف” .
كان المبشر يمارس حقه في العقيدة والدعوة على طريقته ، ترانيم الإنجيل لا تفارق شفتيه ، ينشد تراتيل الكنيسة بصوت عال وقد ارتسمت على محياه ملامح البراءة والفرحة ، كان في غاية الانتشاء . لبثت أرقبه من الخلف وهو يسير حاملا صليبه العملاق ، فيما أنا كنت أردد في نفسي : وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم .

وقفت منتظرا قدوم الباص7 عند موقف الحافلات , بعد وهلة قصيرة تسلقته وراح يطوي شوارع ضيقة اتجاه ماربل آرش . أخذت مكاني في عمق الباص مسندا ظهري إلى مقاعد خلفية وقد صار كل شيء على مرمى بصري . كان الوقت عصرا ، الطقس معتدل ، والباص شبه مقفر من الركاب . وقعت عيناي على شاب قصير القامة بعينين متوجستين يعتمر قبعة بيسبول بنية اللون ، كان ممسكا بعمود حديدي وسط فناء الحافلة وكأنه يتمسح بجدار ضريح . يقطب حاجبيه ، بدا متعبا وملامحه تحمل مزيجا من الحيرة والقلق . أخذ يتثاءب دون توقف واضعا كفه اليمنى على فيه من حين لآخر .
لست أدري لماذا تراءى أمامي الفنان بزيز وهو يروي حكاية مشابهة في حافلة منهكة بالدار البيضاء ، كان مسافرا من بورغون إلى الحي المحمدي . وقف مغالبا ترنحه تحت تأثير عياء قاتل استبد به ، ذلك أنه تسامر مع رفاقه طوال الليل بإحدى مقاهي المدينة يطردون الضجر . ما إن فتح فاه وشرع في التثاؤب حتى وقف عليه شخص ذميم بوجه عبوس كان يرقبه عن بعد .
– سأله ماذا كنت تنوي أن تقول ؟
انتاب بزيز الهلع واتسعت عيناه من الدهشة جراء سلوك الرجل المستهجن .
فرد عليه :
– شعرت بتعب شديد وتثاءبت ، هذا كل ما في الأمر . أنا لم أتفوه بكلمة .
صعد الرجل من لهجته غير مصدق ما سمع وقال في غضب :
– بل كنت ستعبر عن شيء ما يجول في خاطرك ولما لمحتني تظاهرت بالتثاؤب .
– لكن التثاؤب إفراز طبيعي يطلقه الجسم ، لو انحبس ريح بداخلي أو شيء آخر لأطلقته أيضا .
– يجب أن تعلم أن التثاؤب في فضاء عام بشكل مفضوح ممنوع ومخل بالأمن العام . ماذا سيحصل لو تزامن تثاؤبك مع تثاؤب باقي الركاب في آن واحد ، لا شك أن الحافلة سترتج من تثاؤبكم ، الأمر معد للغاية ، علي إحالتك إلى أقرب مخفر لتحرير محضر في هذه النازلة الخطيرة .
– أرجوك سيدي ، أنا لم أخالف قانونا حتى يستوجب الأمر كل هذا الإجراء ، وتجرجرني إلى المخافر .
– على من تضحك يا قليل الأدب ؟ ، لا بد من إقامة كشف عن نواياك كي نستيقن من تلك الأفكار المزعجة التي تسكن رأسك . أنت مواطن مشبوه .

اعتدلت فوق مقعدي ، أغمضت عيني وأخذتني غفوة . أتاني في المنام شيخ بوجه منير مثل غيمة طاهرة ، تكسو وجهه لحية بيضاء ناعمة الملمس ، تبسم لي في حنو ، ثم أخرج يدا طويلة وضاءة من تحت جبته وامتدت إلي في سكون ، دثرتني بقماش من حرير ، فتح الشيخ المهيب شباك غرفتي ، شعرت بهبوب نسيم رطب هادئ على وجهي .
قلت له :
– ما هذا الهواء المنعش العليل ؟
فرد علي :
– إنها نسائم الحرية هبت على وطنك !
أجبته :
– كيف يحدث هذا ، إنه لأمر عجاب ! .
فرد علي بكل ثقة :
– لم تعد في حاجة للبقاء هنا في لندن ، لقد أصبح بلدك ينعم بحريات عامة ، حقوق الإنسان ورفاه اقتصادي ، أنصحك بالعودة إلى وطنك .
وضعت باطن كفي على ذقني وقد انتابني إحساس فخر جميل . ورحت أفكر مليا فيما أسمع من كلام يصعب تصديقه .
بعد لحظات أفرغ الشيخ على رأسي قربة ماء بارد كاملة ، فنهضت جزوعا مذعورا . أصابتني رعشة فائقة ، فركت عيني النائمتين ثم نظرت عبر النافذة لألفي الحافلة مركونة قرب “كازينو فيكتوريا” . خرجت من الباص على عجل وغدوت مطرق الرأس شارد الذهن . بينما أنا أسير على الرصيف المزدحم بالمارة اصطدم كتفي بكتف رجل بدين يرتدي عباءة بيضاء وعقال أسود على رأسه ، حملقت في وجهه مستسمحا فرماني بنظرات هازئة ، التفت حولي فإذا بي أجدني وسط حشد من سواح عرب تائهين ، يمشون جيئة وذهابا في شارع إدجوار رود البهيج ، حينها علمت أني للتو خرجت من حلم غفوة .
طنجة : 14 غشت 2021


شاهد أيضا
تعليقات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.