” شكون فينا ؟ “

العرائش نيوز:

قراءة الاستاذ محمد جزار

احتضن فضاء فندق زلجو يومه الأحد 16 يناير 2022 ، العرض المسرحي الأول ” شكون_فينا ” تأليف وإخراج محمد الشريف الطريبق، في إطار الأنشطة الثقافية والإشعاعية لجمعية Laracultura، بحضور وسائل الإعلام الوطنية والمحلية وجمهور متميز انصهر مع أجواء المسرحية بتذوق فني رائق.

تنطلق المسرحية من قلب ظلام مطبق، كما لون أن مونولوج الذات لا يتأتى إلا في السواد، مثلما يحدث في شاشة الحلم تماما، يظهر ممثلان متلبسان بعتمة الخشبة وهما يقتعدان كرسيا أبيض. في صمت وبغموض يلتفتان لبعضهما، في مساحة تبدو كغرفة ملائمة لاستدراج الشخصيات ومن تم دفعها للبوح.


من هنا تبدأ رحلة البحث عن الحقيقة من خلال شخوص مختبئة خلف المرايا، مرايا ذات متشظية، تحمل وجوها بأكثر من قناع، تتجاوز إطار التجاذب الثنائي وتصيب الجميع بالعدوى والسؤال. إنها إعترفات بيضاء او لنقل نقطة ضوء نابضة بالبوح والأسئلة الغامضة، فدوما نحس أن ثمة عطب مستمكن، أو قاطع فج يجعل الأحلام لا تتحقق، أو سر ما غامض، في الأدوار والأشياء التي تجمع الممثلين الشابين يوسف شغايش وبدر العگباني، وهما يبحثان بشغف وعبث أيضا، عن أثر بعيد لماض نضالي حافل بالفكر الماركسي والشعارات الثورية والتنكر له، في مرحلة لاحقة، بل والانقلاب عليه باختيارات متطرفة، كما حصل مع الطالب الثوري يوسف الذي وجد في التدين ضالته أخيرا، لكنه رغم ذلك لم يعثر عن الأمان الروحي، وظل يبحث عن حبيبة سرية قديمة ومشتركة مع صديقه بدر، سنكتشف ذلك فيما بعد، إسمها سعاد، ربما قد تكون ما نفتقده جميعا، سعاد الفكرة والحلم وليس الشخصية الفيزيقية كما قد يبدو للبعض.

حقا إستمتعت بالعرض وراقتني طبيعة النص كسفر لا نهائي ومفتوح يستنفر كل التأويلات وما تستولده من تساؤلات حول الذات، إن كان لهذه الذات من أحلام راودتها ذات ذاكرة وما تزال لحد الٱن تبحث عنها.
من ناحية الأثر الجمالي وبالتحديد في المدى البصري، راقني أثاث السينوغرفيا البسيط جدا، بدون ديكور أو مؤثرات فنية، إلا من كرسي أبيض للانتظار أو خشبة تمور باعترافات الشخوص رغم السواد الذي يلفها وبعض المكر أحيانا.

كان سريان الحوار كمجرى النهر ينساب، بدارجة سلسة ومنتقاة، في دهاليز الأغوار ويكسر كل تنميق للصورة، الصورة هنا تقول لغتها ببساطة عارية، شدت إليها الجمهور دون كلل، ودفعت الكل للبحث عن حقيقة سعاد في أحشائه وأمنياته وتورطه في سؤال : ” شكون فينا ؟ ”
هناك أيضا لحظات الصمت الناطقة، والإيقاع المطرد في الكشف، من مكاشفة إلى ٱخرى، رغم ما ينقصها أحيانا من وهج وقوة في ترجمة انفعالات الممثلين ومشاعرهم كبوح كان من المفترض أن نحسه نابعا من الأعماق وليس مجرد جمل حوارية لا تتعدى سقف الحنجرة، مادام أن زمن النص يتجاوز ما هو فيزيائي بالمعنى الجسدي للكلمة، إلى ما نشعر به من أحاسيس ومشاعر لمكنونات الشخوص في بعدها النفسي.

عند الحديث عن الثرات الماركسي كفكر وكتجربة أطرت مرحلة زاخرة ضمن صيرورة نضالية طويلة، وهو نفسه المدار الفكري والسياسي تقريبا الذي سبقت مقاربته في فيلم ” زمن الرفاق ” لكاتبه الأستاذ عزيز قنجاع وإخراج محمد الشريف الطريبق، فإنني أرى أنها ما تزال ممتدة في الوجدان والمخيال الجمعي، وهي مستمرة في الوجود رغم محاولات الإقصاء والمحاصرة، فقط لأن شروط إنتاج الثراث الماركسي واليساري عموما ما تزال قائمة في ظل توحش الرأسمال. إنها أوراق لم تحترق تماما وما تزال ” تتشعلق ” بنبض ما ولا تريد أن تسقط.

ما أغبى أن تكتشف أخيرا بعد طول بحث وعناء أن الحقيقة مجرد حقيبة سفر مليئة بالعبث ومدعاة للسخرية والضحك !
إنه حقا عمل واعد وجدير بالاهتمام.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.