العرائش نيوز:
عيسى مخلوف
لم يتسنَّ للمخرجة المغربيّة دليلة النضر أن ترى فيلمها “جان جونيه أبو الزهور”، وهو آخر أفلامها. كانت تضع اللمسات الأخيرة عليه حين خطفها الموت. مركز “جورج بومبيدو الثقافي” في باريس سيعرض هذا الفيلم في السابع عشر من الشهر الجاري في إطار تكريمه لمخرجته.
مدهش هذا الفيلم ببساطته وحسّه الشعري ونفاذ رؤيته، وهو يحكي قصّة الكاتب الفرنسي جان جونيه في علاقته بمدينة العرائش المغربيّة حيث أمضى السنوات العشر الأخيرة من حياته، ودُفن في مقبرتها القديمة المطلّة على البحر. من هذه المقبرة يبدأ الفيلم وفيها ينتهي، ويُشرّع الأبواب على تجربة أحد كتّاب القرن العشرين المتفرّدين، من خلال عائلة متواضعة (تتألّف من أب وأمّ وولدين) تقيم بجواره في المقبرة وتحرس قبره المطليّ بالكلس الأبيض.
سأتقاسم معكم، هنا، أربعة مشاهد من الفيلم قد تكون دليلاً على مناخه العامّ. المشهد الأوّل، يظهر فيه الأب، واسمه يونس. يقول إنّه وُلد في المقبرة وتعرّف إلى جونيه يوم كان لا يزال شابّاً. كان يراه يزور المكان ويجلس دائماً تحت الشجرة نفسها. يحمل كتاباً ويتأمّل البحر. “كان الأهالي يحسبونه واحداً منهم، لكنّهم لا يعرفون أنه كاتب مشهور”. ويضيف: “عندما كنّا صغاراً، كنّا نملأ القفص بالعصافير الحيّة، وكان جونيه يقترب منّا ما إن يرانا، ويشتريها كلّها، ثمّ يفتح باب القفص ويُطلق سراحها. وكانت سعادتنا كبيرة لأننا بثمنها نستطيع الذهاب إلى السينما”.
المشهد الثاني: تجلس الابنة الصغيرة، ضُحى، بين المقابر، وتقرأ بصوت عال مقطعاً من كتاب. تسألها والدتها لمن تقرأ، فتجيب: “أقرأ لهم. للموتى. كأنّهم أطفال وأنا أُعَلِّمهم”. وعندما تعاود الفتاة كتابة اسم جونيه بقلم أسود على شاهدة القبر بعدما يكون هواء البحر المالح قد محا حروفه، تلتفت إليها والدتها وهي تردّد: “أنتِ محظوظة لأنّكِ تعرفين كيف تكتبين”.
المشهد الثالث: الأمّ جالسة على حافّة القبر تروي هي أيضاً قصّتها مع الكاتب الراحل. “أجيء كل يوم بعد الظهر وأجلس بقربه. أشعر بالراحة والاطمئنان عندما أكون بجانبه، لا سيّما عندما تُشغل بالي الهموم. هو عزيز على قلبي”. تسألها المخرجة: “وهل زوجك على علم بعلاقتك مع جونيه؟”. “لا، زوجي لا يعرف شيئاً عن هذه العلاقة. لا يعرف أنّني أجلس بالقرب منه باستمرار، ولا أُخبره بذلك. بحسب عاداتنا، لا يُعقل أن تقيم امرأة علاقة صداقة مع رجل”.
المشهد الرابع والأخير: يلعب الصبيان عند مدخل المقبرة. تقترب منهم والدة ضُحى لتبعدهم عن المكان، ولتحثّهم على فعل شيء آخر أكثر فائدة. فيجيبها أحدهم وهو يبتسم: “جيوبنا فارغة وننظر إلى البعيد. هذا كلّ ما نملكه”.
هكذا تتوالى الشهادات في فيلم دليلة النضر الذي هو بمثابة مرثاة شعريّة، فنستمع إلى أقوال أفراد العائلة التي تحرس المقبرة، فضلاً عن ذكريات أصدقاء يتحدّثون عن الكاتب الذي أصبح أسطورة أبناء المدينة. صحيح أنّ قلّة منهم قرأت نتاجه، لكن لكلّ واحد منهم حكاية يرويها عنه وفق مزاجه الخاصّ، وبينهم الكثير من البسطاء والصيّادين والفقراء “غير المرئيين”، كأنّ جونيه لا يزال حيّاً بينهم. وكم تتلاشى في كلماتهم المسافة بين الأحياء والأموات. هؤلاء الرواة هم، على نحو ما، التجسيد الحيّ لعالم جونيـه الأدبي الذي يحفل بالمهمّشين المتروكين إلى مصائرهم.
جان جونيه، اللقيط والمنبوذ المجروح في وجوده، رفضَ البُنى القائمة والقيَم الاجتماعيّة السائدة كلّها، فهو لم يعرف أبويه وتخلّت عنه أمّه وهو في شهره السابع، وعاش الشقاء والتشرّد والعزلة والسجن. كان الطفل غير الشرعيّ مسكونًا بخوف متأصّل من الواقع ومن الآخرين. وربّما هذا ما يفسّر رغبته العميقة في “التّخلُّص من كلّ ما هو إنسانيّ”، وهذا ما يُطالعنا في معظم نتاجه، من “يوميّات اللصّ” و”الخادمتان” إلى النصّ الذي كتبه تحت عنوان “أربع ساعات في شاتيلا” فور زيارته المخيّم برفقة ليلى شهيد، إثر حدوث المجزرة المروّعة.
هذا الرجل الذي رأى ما رأى وعاش ما عاش، استطاع أن يحوّل ألمه إلى طاقة إبداعيّة كبيرة. أليس هو القائل: “وحده الجرح أصلُ الجمال”؟ وتبقى كلماته حاضرة فينا، وآتية إلينا من بعيد ممزوجة بأصوات أمواج البحر وصيحات النوارس التي تحوم فوقه، حيث هو الآن، في ملكوت الغياب والصمت.
نداء الوطن
