العرائش نيوز:
*محمد جزار
في إطار فعاليات المعرض الأول للكتاب الذي نظمته جماعة العرائش دورة الكاتب والمترجم والسيناريست الراحل محمد بنعبود، نظمت جمعية فضاءات ثقافية بالعرائش يوم الثلاثاء 12 أبريل 2022 ، وبحضور وازن ونوعي لشعراء ومبدعي ومثقفي المدينة، تشرفت بتنشيط حفل تقديم وتوقيع ديوان ” محض مزاج ” للشاعر محمد عابد الذي تخللته قراءتين نقديتين للأستاذ محمد الوردي والأستاذة فاطمة مرغيش.
يحتل الشاعر محمد عابد مكانة مهمة في المشهد الشعري المغربي، فلا غرابة، فاسمه أصبح متداولا وطنيا وحاضرا في العديد من الأنطولوجيات الشعرية العربية والأجنبية، كما ترجمت نصوصه إلى لغات متعددة منها الإسبانية والألمانية والفرنسية والإنجليزية. إضافة إلى أنه بصم حضوره اللافت في العديد المهرجانات المهمة في خارطة الشعر العربي والأوروبي.
وللإشارة فإن الشاعر محمد عابد مقل في النشر، رغم غزارة كتاباته، فأعماله الشعرية لا تتعدى أربع إصدارات منها شريط صوتي شعري تحت عنوان ” قصائد ” / مدريد سنة 1995، ديوان ” علبة الخسائر ” / منشورات وزارة الثقافة سنة 2005 ، ديوان ” في الطريق إلي ” مترجم إلى الإسبانية / مالقا سنة 2017 ، وٱخرها ديوان ” محض مزاج ” / منشورات باب الحكمة بتطوان سنة 2020 ، الذي نفدت كل نسخه من المكتبات، ما شجعه على التفكير في إصدار طبعة ثانية، وهو بذلك يضع سؤال المقروئية من عدمه في مأزق، إذ يحيل الأمر بالأساس إلى جودة المنتوج الشعري الذي يقدمه الشاعر لجمهوره. وهو منتوج ينبثق ويتمخض في سياق كتابة تروم التأني وتأمل اللحظة الشعرية دون تسرع أو تكلف، بما يلزم ذلك من تنقيح وانتقاء وتكثيف واعتصار كأن قصائده تطهى وتنضج على نار هادئة.

في معرض المداخلة الأولى استهل الأستاذ محمد الوردي تقديمه لديوان “محض مزاج”بملاحظة أساسية حول عدم وجود متابعات نقدية كافية تتوخى التأسيس النظري لمقومات قصيدة النثر وأسسها الفنية والتعبيرية، رغم غزارة الإنتاج في قصيدة النثر، وعطفا على ذلك، ومن زاوية نظر مغايرة، أثار إشكالية التلقي، مشيرا إلى أن عدم وضوح ضوابط قصيدة النثر وتوابثها، أفرز نوعا من الشعر الغامض الذي لا يبني أي أفق للتلقي، وعلى غير المتوقع – يقول الأستاذ محمد الوردي – وجدت ديوان محمد عابد واضحا وقابلا للتلقي في مستويات متعددة ومألوفة، حيث نجح الشاعر في خلق توازن بين الانزياح بوصفه المقوم الأبرز في القصيدة المعاصرة، وبين صناعة الأثر بوصفه مقوما بلاغيا يطمح بشكل ما إلى التواصل مع المتلقي.
كما توقف عند بعض الملامح التي شكلت المقومات الفنية للديوان، والتي حددها في السرد والوصف والانزياح.
فمن ناحية السرد، فإنه يبدو حاضرا بقوة، بمختلف أشكاله وفي سياقات خطابية متعددة، كما هو الحال في أول قصيدة من الديوان ” شبيهي في الأنين ” التي يهديها لصديقه الشاعر توفيق العمراني ويضمنها، في انعطاف إنزياحي مشحون بالأسى، تيمة الموت ويبوح برغبته الخاصة حين يداهمه الموت حين يقول :
إذا مت
لا تسيروا وراء نعشي
ستزعجني تراتيلكم.
وأحيانا يصل المكون السردي إلى مستوى الحكي كما في قصيدة ” مشاهد يومية ” و” سيناريو ” .
أما بالنسبة للوصف وصناعة البورتريه كما أسماه الأستاذ محمد الوردي، فقد برع الشاعر في تقديم صورة دقيقة في قصيدة “مومس” (ص.14) ،التي تقربنا وبتفصيل بديع من عالمها الليلي البئيس، حيث يقول :
تنهض كل صباح
ووجهها مثقل بالمساحيق والندوب
تلملم أحزانها
في عازل طبي
تلك التي ربتها
على أسرة الحياة.
وبخصوص مقوم الانزياح، يستحضر الشاعر محمد عابد مجموعة من الصور، بربطه لعلاقات جديدة بين الأشياء، حيث يلجأ إلى توظيف مقولات مشهورة ومتداولة جدا مع تغيير في مفردة أو عبارة ومن تم تحويل دلالتها لدرجة يصعب معها أحيانا الفصل بين المعنى المألوف والمعنى الشعري، ومن أمثلة ذلك عنوان الديوان نفسه، أو على قيد الموت، مرفوع النصر، أنام قرير المزاج، يداي ملطختان بالعناق، أصاب بالسكتة الشعرية … كما يلجأ الشاعر أحيانا إلى السخرية من بعض المقولات المشهورة مثل ” القافلة تسير والكلاب تنبح ” لتتحول في مفارقة ساخرة تصمت فيها الكلاب وتنبح العربة. ويقول في سياق ٱخر :
نمت أفكر في الأغاني وهي تنزل علينا بكل مؤخرات الدنيا، وفي قصيدة أخرى، تركت خلفي شعراء يكتبون قصائدهم على مناديل الكلينيكس، لأنهم مصابون بالزكام الشعري …
وإجمالا يمكن القول إن قصائد محمد عابد تهدف إلى صناعة أثر فني وجمالي، وتوجيه انفعالات المتلقي باستدعاء سخريته من الواقع، وهي السمات التي تفرض علينا – حسب الأستاذ محمد الوردي – إعادة تحديد مفهوم الحداثة الشعرية بناء على هذا التداخل والتعدد الذي يفتح إمكانيات القصيدة على توظيف مختلف أشكال التعبير.
أما مداخلة الأستاذة فاطمة مرغيش، فقد ركزت على الصورة الشعرية في الديوان، حيث تأثثت من لغة تعالت عن البهرجة اللفظية وتضخم الانزياحات واتكأت على السرد، إذ أصبحت القصيدة تسير على حد رفيع فاصل بين الشعر والنثر الفني، فأتت لذلك مألوفة وقريبة من الكلام اليومي، لكنها تأخذ قوتها وتفردها من سياق النص في صورته الكلية بنفس سردي يصرف الشاعر من خلالها موقفه ورؤيته الناقدة للواقع. إنها – حسب الأستاذة فاطمة مرغيش – كون مكثف وفضاء مفتوح على إيقاع الوجود ولغة الواقع.
فالصورة في قصائد محمد عابد تشكل أبرز عنصر ضمن العناصر الفنية والجمالية الأخرى، حيث تتسم بكتابة بصرية أو مشهدية زاخرة بالحياة والحركة كجغرافيا شاسعة ومفتوحة تعمد إلى تكسير الحدود بين مختلف التعبيرات الفنية من تصوير وسرد بنفحة قصصية أحيانا ومسرح وتشكيل … ، ويرجع ذلك – حسب ما أسر لي به بحكم العمر الطويل لصداقتنا – إلى تأثره المبكر بالسينما مذ كان تلميذا بالثانوي، حيث كان أستاذ مادة التربية التشكيلية الفنان الراحل محمد البراق يصطحبه معه لمشاهدة العروض السينمائية التي كان يقدمها النادي السينمائي بالعرائش، مما حبب لديه عوالم السينما التي غذت فكره ومخيلته، سواء من خلال النادي السينمائي الذي أصبح عضوا فاعلا فيه أو مجموعة البحث السينمائي لاحقا أو كمسؤول بالمكتب التنفيذي للجامعة الوطنية للأندية السينمائية، هذا بالإضافة إلى حضوره العديد من المهرجانات الوطنية والعربية والدولية للشعر والسينما.
فلا غرابة أن تحتل الصورة عماد البناء الشعري لديه، لدرجة تسمح بقراءة قصائده بمداد العين، ليس كمجال للمشاهدة الصرفة، ولكن بعين ترى وتستبصر وتفكر وتتأمل وتتخيل كل ما تمور به الحياة من مفارقات وحوادث وإشارات، فتعمد إلى التقاط أنفاس الحياة شعريا عبر رصد ذكي لإيقاعاتها اليومية فيما يمكن تسميته ب “شعرنة اليومي” في أدق تفاصيله، وهو رهان صعب يستنفر لغة دقيقة في الرصد وترويضها بأسلوب يتجاوز الالتقاط الفوتوغرافي في معناه التقني، ويرنو إلى استخدام استعارات وتكثيف لغوي يخلف أثرا جماليا بنكهة خاصة، دون تنميق أو مساحيق تفسد حلاوة الشعر وتوهجه.
يقول الشاعر محمد عابد في هذا المنحى : ” أنا أرصد اليومي وأشعرنه ليتحول إلى مادة شاعرية تتصالح مع الشعر وتستكنه معانيه بعيدا عن المباشرة والابتذال ” .
الشاعر محمد عابد يكتب شعرا نابضا بالحياة من الحياة، تستهويه ضفاف مختلفة في البوح الشعري، وهو حين يلجأ إلى تقنية ” زوم ” لتقريب صورة أو مشهد ما، يدعونا للتفكير والتأمل والاستمتاع أيضا، مثال ذلك قصيدة ” على مرأى شاعر في شارع ” ( ص 70 ) حيث يقول:
عربة يجرها بغل محملة بالأزبال
يتبعها كلب أجرب
سيارات تزعق بمختلف منبهات الصوت
صبايا بتنورات قصيرة
وسراويل جينز ممزقة
يعبرون ممر الراجلين بغنج،
يمر مخبول ويلمس مؤخرة إحداهن
يهرولن وهن يقهقهن،
يجفل البغل
يعوي الكلب
فيعلو صوت زعيق السيارات
تهرب قطة من تحت سيارة مركونة
فيحبل الشارع
بالأزبال
والكلاب
والبغال
والحمقى
إننا أمام شاعر يمارس أيضا التثوير في الشعر، وينأى بنفسه عن لغة المباشرة والبيان السياسي كما هو الحال في قصيدة ” في الطريق إلي ” ( ص 16 ) ويفسح لنفسه المجال للتمرد على الأشكال والقوالب الجاهزة للشعر بهدف خلخلة بنية التفكير التقليدية التي لم تتحرر من الاستعارات الشعرية القديمة وكأنها التجلي المطلق للنظم الشعري، ونسيت أو تناست العصر أو الزمن الذي نعيشه الٱن، حيث يقول : ” قصيدتي ليست بدوية ولن تكون يوما كذلك، لأنها خرجت من رحم المدينة الحديثة، وأنها تجيب على زمن المدينة والتمدن وليس زمن البداوة، حيث كان إيقاع الحياة فيه رتيبا، ولعل علم العروض يعكس ذلك بأمانة، إذ جاء كاستجابة لهذه الرتابة التي تزن إيقاعها بخطى الجمل البطيئة في الصحراء، بينما إيقاعي في الحياة سريع ومتشنج وفيه أسئلة كثيرة ومعقدة ” .
وتكمن الصعوبة هنا في نقل كل تحولات وتعقيدات الحياة اليومية وكتابتها شعريا. إنه إختيار صعب يتعمد البعض تجنبه، بوعي أو بجبن، حين يختبئون في جلباب الأسلوب القديم والاستعارات المبتذلة أو يلجأون إلى استعمال لغة مكرورة قتلت استهلاكا، روحها منطفئة ونبضها فاتر.
