قراءة متأنية بكتاب ” قراءات في الخطاب الفلسفي”، لمؤلفه الدكتور شايع الوقيان

العرائش نيوز:

الأستاذ نورالدين السعيدي حيون

قراءة متأنية بكتاب ” قراءات في الخطاب الفلسفي“، لمؤلفه الدكتور شايع الوقيان،الكاتب والباحث السعودي، الذي درس فلسفة التربية في جامعة ولاية فلوريدا، من المهتمين بعلم الفلسفة، يكتب مقالات أسبوعية في جريدة عكاظ السعودية. تتناول فيها قضايا فلسفية وعلمية ونقدية، وسياسية واجتماعية. أسهم في تأسيس حلقة الرياض الفلسفية، له عدد من المؤلفات منها: الفلسفة بين الفن و الايديولوجيا، أوراق فلسفية، الوجود والوعي، وقراءات في الخطاب الفلسفي، الذي نشر عام 2011 من طرف دار الانتشار العربي ونادي حائل الأدبي.

يسعى في كتابه “قراءات في الخطاب الفلسفي”، إلى تفكيك عنوانه تفكيكا مفاهيميا، بالإشارة إلى أن مفهوم الخطاب وإن كان خصهبكلمة “الخطاب”؛ فهي تحيل- في نظره على الأصل أو التكوين التاريخي Genesis لتطور الفكر الفلسفي، مع تأكيده على أنه في حقيقة الأمر اعتمد على ذلك النوع من التاريخ الذي يسميه “بيير بورديو” (التاريخ الفلسفي للفلسفة) لأنه متعال على الزمان، وهو على عكس إيمان الكاتب ب “التاريخ التاريخي للفلسفة” الذي سماه في مقدمته ب”الكتابة من خارج الفلسفة”، مؤكدا على أن:(التاريخ الحقيقي للخطاب الفلسفي هو “التاريخ الداخلي” الذي يتعلق برصد ووصف وملاحظة التطور الذي يحدث على مستوى الفكر، أو الجوانب العقلية والمنطقية منه، وهي بكل حال مرتبطة ارتباطا وثيقا بالتاريخ العام وتطوره)، معتبرا أن ما يمتاز به هذا التاريخ الفلسفي“:( هو أنه لا يتعالى على شروط الزمان، بقدر ما يتجاوز التحديات السوسيولوجية والثقافية، والتي تنتهي إلى ربط النشاط الفلسفي ، ربطا منطقيا وسببيا، ولا تاريخيا، بمكونات إثنية معينة، فحسب “برديو” لا مفر من ربط “الكوجيتو الديكارتي”، بالثقافة اللاتينية والفرنسية، وليس لنضج وتطور العقل البشري، أيا كانت هوية هذا العقل) مشيرا بعد ذلك إلى أنه:(ولو تحققنا مما يقوله “التاريخ الفلسفي للفلسفة” لوجدنا أن الثقافة العربية القديمة، على سبيل المثال، ما يرهص بالكوجيتوذاته، وغير الكوجيتو. وهو إرهاص لا يحيل، كما قلنا، على التاريخ العقلي، إذا جازت التسمية. وهو تاريخ لا يحقق اتصالا على مستوى الزمان كما يحدث في التاريخ الثقافي أو العام، بل هو تاريخ انقطاعات وانفصالات..، مع ذلك يعتبر التاريخ التاريخي للفلسفة يعد مدخلا ضروريا للتاريخ الفلسفي للفلسفة، ومن ثم للخطاب الفلسفي ذاته)ص:15 و16، خالصا إلى أنه:(إذا كان التاريخ الفلسفي للفلسفة يدرس الجانب البرهاني العقلي، فإن التاريخ التاريخي للفلسفة يتناول الجانب الآخر) ص:16، ويعتبر أنه من الضروري دراسة الفلسفة دراسة دور هيئة التلقي الإغريقية في صياغة الخطاب الفلسفي وتشكيله وبناء مفاهيمه، لأن دراسته شأنا فلسفيا ذا خطر.

تأسيسا على ما سبق، نجد أن الكاتب عرف في كتابه ” قراءات في الخطاب الفلسفي، بنوعينمن الكتابة حول الفلسفة، فثمة كتابة من الداخل، وأخرى من الخارج وهما ضروريتان بعامة ولا يمكن الاستغناء عنهما، ولكن هذا لا يمنع لو وصفنا النوع الأول (الكتابة من الداخل) بأنه من نمط الكتابة الفلسفية.. والنوع الآخر بأنه خلاف ذلك فيكون إما تاريخاً للفلسفة أو توضيحاً أو شرحاً، وهو ما يُستعان به في الكتابة البيداغوجية (التربوية التعليمية). معتبرا أنه إذا كان هناك من الفلاسفة من يعترض على تدريس الفلسفة، فالمقصود النوع الأول، لاعتقاده أن:( الفلسفة في جوهرها نشاط عقلي مفتوح، تفلسف)، ويستشهد بتعبير “ألتوسير” الذي قال عنها أنها:( ممارسة نظرية، وهو ما يجعل اكتمالها وعرضها في الخطاب البيداغوجي أمرا ممتنعا)، ص:9. حيثالدخول إلى الفلسفة يكون بقراءة النوع الثاني، وهو الكتابة حول تاريخ الفلسفة وشرح وعرض الأفكار بشكل عام، مما لا يقدم لعلم الفلسفة شيئا، ما دام لم يتم الولوج الحاسم للفلسفة.

يقول المؤلف عن كتابه “قراءات في الخطاب الفلسفي” :(يراوح في منطقة بينية، فهو يدخل إلى الفلسفة حينا، ويخرج منها حينا آخر، ولكن من أجل تمهيد طريق مناسب للدخول. كما فعلنا في الباب الثالث).

الباب الأول، مــــا هي الفلسفة؟

باب مخصص للتعريف بالفلسفة، بمثابة مقدمة نظرية عامة تحاول تفتح الطريق لفهم ما سيأتي من أبواب وفصول، التي في غالبها اجتهاد في الرد على أسئلة هي ذاتها ذات حمولة فلسفية لافتة، وهذا الباب مكون من فصلين؛ يتعرض فيهما إلى مناقشة تلكم الأسئلة، كما يمكن أن يطرحها أي قارئ للفلسفة، سواء كان متخصصا أم مهتما، أو هاويا لم يغامر بسبر أغوارها بعد. وقد شرع في تفصيل ذلك بعنونة الفصل الأول، بالتساؤل حول: لم الفلسفة؟”؛ ومن خلاله الجواب على عدد متناسل من الأسئلة التالية:

1. هل على الفلسفة أن تبرر نفسها؟

ذلك أنه من المثير أن نعرف أن الفلسفة هي العلم الوحيد الذي يطلب منه أن يبرر نفسه، وأن يذكر شيئاً من محاسنه لكي يتقبله الناس قبولاً حسناً، ولم يطلب مثلاُ من الفن أو الشعر أن يفعل ذلك، فالفلاسفة في غالب الفترات التاريخية التي وجدوا فيها وجادلوا وكتبوا، تنم الوقوف في طريقهم والتحذير، والتبليغ عليهم عند القضاء والسلطات بدعوى حماية المجتمع منهم، لكن مصادر التشويه متباينة ووجهات الهجوم مختلفة؛ ففي أوروبا اعتبر المؤرخون والعلماء أن الفلسفة ليست ذات موضوع، فقال “ألتوسير“:(الفلسفة لم تعد مخولة لإنتاج المعارف والحقائق..، هي صراع طبقي على المستوى النظري..). ص:21.

أما عربيا فمصادر التشويه أكثر تشعبا وتباينا؛ فثمة من يهاجم الفلسفة لاعتقاده بمجافاتها للدين، وثمة من يأتي إليها من باب المنفعة المادية(فالعلم الجدير بالاعتبار هو ما ينتهي بنا إلى اختراع الأدوات والوسائل التي تجعلنا أكثر قوة ورفاهية)، وهناك من يحاربها من منظور أيديولوجي أو سياسي، والأخطر من يعتبرها امتيازا غربيا، ويستحضر هنا عبارة “راسل” القائلة:(العلم هو ما نعرف، والفلسفة هي ما لا نعرف)، لكنه يؤكد على صمود الفلسفة، رغم كل الهجمات المتواصلة، معتبرا صمودها وقوتها انطلاقا من نقاط الضعف التي أبرزها خصومها، مستشهدا بقول “الطاهر وعزيز:(لو بلغت الفلسفة مقاصدها لما بقيت فلسفة، ولانقلبت علما) ص:22.

من هنا يخلص إلى أنها لا تقدم أجوبة جاهزة ومنتهية، بل إنها تكتفي بإثارة العقل وحفزه وتعميق رؤاه لكي يرى العالم والأشياء وإلى كل موضوع معرفي من زاوية أكثر عمقا وجذرية وشمولا، وتحفظ للعقول حيويتها وقوتها وقدرتها الفائقة على اٌبداع، إلى جانب مهمة النقد والتحليل والتفكيك وتعزيز الروح المنهجية ونحوها، لكن كما يقول “نيتشه” في ص 39 من كتابه:” الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي” أن الفلسفة:(لا تعالج الشعب السقيم ولا تزيده قوة)، وهو ما سيفصله الكاتب لاحقا.

2. جينيالوجيا السؤال، ما هو السؤال؟:

هو الباعث على التفكير والأداء، فكثيرا ما يعشق الفلاسفة إثارة السؤال، حسب المؤلف، مضيفا:(إلا أن الفلسفة من حيث هي كذلك تقوم بما هو أكثر مشقة وإثارة للالتباس حينما تسأل عن السؤال ذاته، عن معناه وماهيته وباعثه)، تم يستشهد في هامش الصفحة 25، بقول “هيدجر: (الفلسفة تساؤل يضع نفسه موضع تساؤل)، خاتما بسؤال، هل هناك ما هو أبعد فلسفيا- من السؤال؟، فيجيب: نعم، الدهشة كسؤال مضمر أو بالقوة، مستعيرا المصطلح الأرسطي:(إن الإنسان يستبطن السؤال كما يستبطن الحجر الصوان الشرر)، ولا ينقدح السؤال إلا بالدهشة. والسؤالكفيل بأن يستدعي الانتباه وبذل الجهد من أجل الكشف والمعرفة.  

معززا ذلك بقول “موريس بلانشو في كتابه “أسئلة الكتابة” بالصفحة 9السؤال-:(بحث عن الجذور وحفر في الأسس وتقص للأصول وغوص في الأعماق)، فيص إلى استنتاج، مفاده أن:(والفلسفة هي السؤال الكبير الذي يبرر كل الأسئلة ويمنحها المشروعية. ومن أجل هذا فإن كثيرا من الفلاسفة اعتنوا بالسؤال فهو الشرط الضروري للتفكير والباعث الحثيث على التأمل. ومتى استطعنا أن نثير السؤال بطريقة صحيحة نصبحعلى العتبة الأولى للتفلسف) ص26.

ما هي الفلسفة؟ ذكرنا سابق عبارة “راسل”، ونعززها، بجواب مميز قدمه “جيل دولوز” و”فليكس غتاري في كتابهما “ما هي الفلسفة؟” بالصفحة 29:(الفلسفة هي الإبداع المستمر للمفاهيم)، ويصيغه الكاتب بتعريف جديد، هو:(التوليد المستمر للأسئلة) ص: 28، معتبرا أن السؤال ذو طابع إشكالي، يفترض الشك وعدم الثقة، وبالتالي:(الفلسفة، بعبارة أخرى، هي النظر إلى المألوف من زاوية أخرى تجعله مشكلا مثيرا للقلق والحيرة والتساؤل) ص:30.

3. ماذا تبقى من الفلسفة؟ بعد انهيار الأنساق الفلسفية الكبرى، هل لازال هناك فلسفة؟

مع سيادة النزعة العلمية خلال القرن 20، والفلسفة تعاني التشويه، حتى أصبح كبار الفلاسفة يخجلون من صفتهم ونعت أفكارهم ومذاهبهم بالفلسفية، فحارب المفكرون الما بعد الحداثيون والتفكيكيون ما يسمى بالسرديات الفلسفية الكبرى التي تزعم لنفسها معرفة كل شيء..، دون رفضهم للفلسفة ولصفة الفيلسوف وإلا اعتبرناهم لا يزالون خاضعين للتعريف الكلاسيكي والتحديد التنويري للفلسفة في الوقت الذي يعلنون براءتهم التامة منه. فهم فلاسفة، سواء كانوا وضعيين منطقيين أم بنيويين أم تفكيكيينفإلغاء الميتافيزيقا، بالنسبة إلى الفريق الأول، لا يسوغ إلغاء الفلسفة والتفلسف تماما. وحصرمجال التفلسف في مراقبة وملاحظة لغة العلمالوضعي دليل على أن صفة الفيلسوف لا تزال تصف أعمالهم الفكرية والتحليلية.

مؤكدا في نفس الوقت، وعلى نفس المنحى، أن الاستناد إلى اللسانيات والعلامات، باعتبارهما عامين وصفيين، لا يبرر نفي صفة الفلسفة عن البنيوية، حتى ولو أعلنت أنها مجرد منهج. وهنايتساءل الكاتب: ماذا تبقى من الفلسفة بعد استقلال العلوم و”تصدع” الميتافيزيقا؟، ويصر على أن “موت” أو “خرافة” الميتافيزيقا لا يعني سوى موت ضرب من الفكر الميتافيزيقي الموروث، الذي يغلب عليه الطابع المغالطي والسجاليالقطعي، وليس لفاعلية البحث عما وراء الظواهر.. والتي هي امتياز فلسفي لا يمكن الاستغناء عنه وإلا وقعنا في حبائل الوضعية العلموية المعادية للتفكير المثالي.

بالنسبة له تفكيك الخطاب الفلسفي لا يعني تدميره بل إحياءه، باعتباره جدليا ونقديا، وعمل فلاسفة عصرنا إنما هو فلسفة، ودليل على أن الفلسفة تحاكم ذاتها بعد أن (خانتها) وتخطت الحدود التي رسمها لها “كانط“، فتغيرات الألفية الثالثة التي تدل على أزمة الحضارة المعاصرة، باعتبارها نتاجا للتنوير والعقلانية والتقدم العلمي والتقني…، ظهرت معها نظريات في العولمة والثقافة والصراع وتصورات نقدية حول التعددية والديمقراطية والسلام العالمي والاختلاف، وعودة بحث العقل الإنساني في النصف الثاني من القرن 20، وهذه العودة في نظره تتكرر في تاريخ الفلسفة إلى اليوم،  في جدل صاعد وهابط.. مستشهدا بلغة “هيدجر🙁تنطلق الفاعلية الفلسفية من الكوسموس أو الكون لتهبط إلى الإنسان أو “الأرض”). ص:35، ضاربا لذلك أمثلة ب(المجادلة): الكون/الإنسان، المادة/العقل، الجسد/النفس..، وهي جدلية حسب اعتقاده غير ودية، تكمن في صميم الخطاب الفلسفي باعتبارها استخداما للغة في التفكير، أو تفكيرا باللغة في اللغة؛ نظرا لـ(تخلق) كثير من المفاهيم الفلسفية داخل شبكة اللغة× داخل “المنجز” الفعلي والممكن لممارسة اللغة كأداة للتوصيل والتواصل وكوسيلة للكشف المعرفي والأنطولوجي، وكآلية للإبداع والخلق… من أجل الكشف عن تناقضات الخطاب الفلسفي وتحريره.  

يرى “هيجل” أن الفلسفة نسق وعلاقات متشابكة تشابكا ضروريا؛ حيث قال في المجلد الأول، الصفحة 70 من “موسوعة العلوم الفلسفية”:(ما لم تشكل الفلسفة نسقا Systemفإنها لن تكون نتاجا علميا… وحقائق الفلسفة لن يكون لها قيمة)، ومن أجل هذا تبرأ كثير من الفلاسفة المعاصرين من صفة (الفلسفة)، إلا أن الكاتب يعلق على هذا لرأي بالقول:(ولكن الفلسفة خلافا لـ”هيجل” تستطيع تستطيع أن تعيش خارج النسق، أو بالأحرى تقدر على مراوغته ومخاتلته وكشف ثغراته، ومن ثم مجاوزته، ولهذا ستبقى) ص:36.

4. الجدوى من الفلسفة:

بصيغة أخرى، يدفعنا الكاتب للتساؤل حول: ما الجدوى من الفلسفة؟، خصوصا وأنه يستشهد بما قاله “أفلاطون” عن ضحك فتاة على “طالس” عندما انشغل بما يجري في السماء حتى سقط في حفرة، فاعتبر “أفلاطون” أن الفيلسوف سيظل دوما موضع الضحك، بل أكثر من ذلك اعتبر الكاتب أن الفلسفة لن تكسب ود الناس بسهولة، وأنها لن تفهم إلا بالفلسفة ذاتها، لأنها تستعصي على العقول غير المهيأة، لهذا التفكير، حسب تعبير “ألتوسير“، ثم يتساءل، لماذا يشك أغلب الناس في فائدة الفلسفة وأنها مجرد ترف فكري وتعقيد لفظي لا جدوى منه؟ هل سيدر علي تعلم الفلسفة مزيدا من المال؟ هل سيدفعني إلى معرفة كيفية عمل هذه الآلة أو طريقة تشغيلها؟ مقدما جواب “هيدجر إلى أن عموم الناس(يصرون على مقتضيات النفع المباشر الملموس) بمعنى البرغماتية الساذجة.

لابد أن نعترف، لكي نحدد بصورة واقعية جدوى الفلسفة، حسب “راسل”، بأن(قيمتها تكمن في صلتها بحاجات العقل فقط) ، وأما الحاجات المادية فهي وظيفة العلوم والمخترعات… إلا أن الغالبة تعتقد أن عصر التأمل الفلسفي قد ولى، وأن العلوم الحديثة كفيلة بتوفير الرفاهية وبلوغ الحقيقة… وتناسوا أن للعقل حاجته، سواء فيما يهتم به العلم وما لا يهتم به كالأخلاق وسواها…، فأهم خصائصه:

أولها: تفكير عقلاني، حيث العقل ملكة خص بها الإنسان ليرفع عن باقي الكائنات الحية؛

ثانيها: تفكير شكي، حيث لا يسلم بصحة شيء ما لم يعرضه على ملكة العقل، للتحقق من صدقه وعدم تناقضه، والبرهنة عليه؛  

ثالثها: تفكير نقدي، حيث هو قلق مقلق حسب تعبير “طه حسين”.

5. الفرق بين الذكاء النظري والذكاء العلمي:

في التفريق بين الذكائين يقول الكاتب:(والخطأ الذي يعتري الفلسفات والعلوم من حيث مادتها ليس عيبا تماما ما دام الخطأ هو الطريق إلى الصواب وما دام التقدم العلمي والفكري يفترض عدم الكمال ولا نهائية الحقيقة) ص:44. والإلمام بسائر أحوال الموضوعات المعطاة يقتضي البدء بممارسة الشك المنهجي… حتى يتجلى اليقين… حسب “ديكارت”، وذلك بهدف (تطهير العقل من الأوهام والآراء الباطلة… التي لم يتحصل عليها المرء بالقناعة واليقين وإنما بالتقليد هي مهمة عسيرة وتحتاج إلى كبير جرأة ومزيد من الشجاعة) فهو بذلك نوع من التنوير حسب الكاتب، معززا ذلك بقول “كانط“:(فالتنوير هو استخدامك هو استخدامك لعقلك بشجاعة) ص:46. ومجمل الكلام حسب الكاتب هو: (فإن الذكاء الحقيقي الذي يعصمنا من الوقوع في سخيف الآراء ورديء الأخبار هو الذكاء الناتج عن العقل النظري الفلسفي وليس العقل العملي الفطري) ص:48.

أما في الفصل الثاني، الموسوم بـ” ما الفلسفة؟”، اعتمد في مناقشة ذلك ثلاثة طروحات، وهي:

1. الفلسفة في التاريخ:

استهل الكاتب هذا الطرح بكون:(البحث عن تعريف جامع ومانع للفلسفة ليس أمرا ميسورا، فقد تعددت التعريفات بتعدد المذاهب الفلسفية بل بتعدد الفلاسفة) ص:49، معتبرا أن من التعريفات ما هو جدير بالتوقف عندها لدورها الكبير في تحديد مسارات التفكير الفلسفي وتوجيه البحث نحو وجهات جديدة ومغايرة، التركيز فيها إما على ماهية الفلسفة كمذهب، أو التفلسف كنشاط وفاعلية، أو غاية، أو منهجا..، فالفلسفة في “موسوعته لالاند الفلسفية”، المجلد 2، ص،980:(هي المعرفة العقلية)؛ بمعنى أنها كمذهب حصيلة للأفكار التي أنتجها العقل الإنساني المنسجم مع قوانينه ومبادئه الفطرية التي حددها “أرسطو” في(الهوية، عدم التناقض والمرفوع). وهي كمنهج طريقة في الاستدلال والنظر تراعى فيه الدقة والترتيب والإحصاء والشمول. وهو ما يخالف المعارف أو الآراء الناتجة عن الإيمان…

في نظر المؤلف أن:(العقل يلعب دورا هاما في فاعلية التفلسف وفي بناء المذاهب الفكرية والأدبية والاجتماعية،) ص:50، مشيرا إلى كون عقلانية المعرفة في اليونان بمثابة رد فعل على انتشار الفكر الأسطوري، ومع الفلاسفة “الإيليين” تأكدت عقلانية التفكير الفلسفي،؛ حيث طرح “بارمنيدس” ثنائية (الثابت والمتغير) كأخطر ثنائية في تاريخ الفلسفة، فربط الثبات بالعلم الحقيقي، وما هو متغير فهو لا يستحق عنايتنا، هذه الفكرة، هي أول تحديد نظري لمبدأ القانون العلمي كما نعرفه اليوم، وعند إدراك القانون نستطيع السيطرة على الظواهر والتنبؤ بمساراتها؛ وهذا منظور إبستمولوجي، أضاف إليه منظورا أنطولوجيا، معتبرا العقل الكلي ليس مجرد وسيلة للفهم بل حقيقة العالم وماهية الكون.

لتوضيح ما قاله “بارمنيدس“، أحالنا الكاتب على “أفلاطون” وتطويره للفكرة من خلال نظرية المثل التي ترى أن كل شيء حقيقي يعد عقليا، وكل عقلي حقيقيا، مذكرا بقول “هيجل” في تصدير كتابه “أصول فلسفة الحق”، ص 113:(إن ما هو عقلي متحقق بالفعل، وما هو متحقق بالفعل عقلي)، و(كل عقلي واقعي، وكل واقعي عقلي)، والمطلق بالنسبة له، لا يولد مكتملا، بل هو في طور الاكتمال.. إنه ليس ما هو كائن بل ما سيكون. بعدهايعرض لرأي “أرسطو” الذي في نظره لا يتخلى إطلاقا عن العقل، لأنه آلية للكشف والمعرفة؛ حيث صنع “منطقه” على مبادئ العقل الأولية، التي تعصم الفكر من الوقوع في الخطأ.

ثم ينتقل بنا المؤلف للعصر الحديث ومع ما سمي باللحظة “الديكارتية“؛ حيث:(تأسس التفكير الفلسفي على عقلانية حديثة تبدأ بالشك المنهجي في كل الحقائق المستخلصة من طريق الحس أو التقليد أو نحوها من سبل التعليم، ومحاولة إقامة معارفنا وعلومنا على يقين لا سبيل إلى الشك فيه)، فيخلص للقول:(وهذا اليقين الأول الذي توصل إليه “ديكارت” هو “الكوجيتو” أو الأنا أفكر.. هنا اتخذت المعرفة العقلية نقطة انطلاق تبدأ بما هو ذاتي أو داخلي وتنتهي إلى الخارجي والموضوعي، بل إن الموضوعي يتأسس في الذاتي منذ البداية، منذ محاولات البرهنة على كل شيء من خلال وجود الذات. المقدمة الأولى للقياس الديكارتي ككل هي “الأنا المفكرة دوما”)، ويصل إلى نتيجة مفادها: (ولكن العلاقة بين الذات والموضوع كانت علاقة متوترة؛ بمعنى أنها ليست ودية حيث سمحت للشيطان الماكر، مثلا، أن يتدخل بينهما ليفسد هذه العلاقة التي قامت على الانفصال التام) ص:54.  

يعتبر المؤلف أن ظهور مفهوم جديد للفلسفة في العصر الحديث رافقه ظهور مشكلات فلسفية جديدة تتصل بنظرية المعرفة أكثر من اتصالها بنظرية الوجود أو الأخلاق، مما طرح معه السؤال: هل نتحصل المعرفة من التربة الحسية أم من الأفكار الفطرية الموجودة في العقل؟ ومن خلال بحثه على الجواب، وجد مدرستين فلسفيتان سيطرتا على الفكر الفلسفي منذ القرن17 وإلى اليوم بأقل حدة، هما المدرسة التجريبية(المادية) التي ترى أن التجربة الحسية هي مصدر المعرفة، مثلها(بيكون، هوبز، لوك، هيوم، ومل). بينما المدرسة العقلية(المثالية) التي ترى أن العقل أو الأفكار الفطرية هي أصل المعرفة، مثلها(ديكارت، سبينوزا، ليبينتز، وفولف).

ويرى الكاتب أنه باطلاع “إيمانويل كانط على فلسفة “هيوم الشكية تجاوز تأثره بأفكار “ديكارت”، فاتفق مع “هيوم” على أن التجربة لا تدلنا على أية صفة من الصفات التي تقوم عليها الأحكام العلمية كالكلية والشمول والضرورة، دون أن ينكرها بل اعتبرها موجودة على نحو “تصورات” أو “مقولات” عقلية محضة، مركوزة في العقل الإنساني؛ وهي التي تنتج المعرفة العلمية من خلال اشتغالها على الإحساسات التي تأتي بها التجربة، والتي تتأطر في إطاري الحساسية؛ الزمان والمكان… وهنا يتم للحكم العلمي ما كان يحلم به “كانط“، وهي صفة المعرفة التركيبية التي تضيف جديدا؛ لأنها جاءتنا عن طرق التجربة. وإذن فالمعرفة لم تعد مجرد انطباع للإحساسات على صفحة العقل، حسب “جون لوك”، كما لم تعد أفكارا فطرية، حسب “ديكارت”. بل هي الجمع بين الصفتين؛ أي التقاء الذات بالموضوع، وهو التقاءجوهري من أجل إنتاج المعرفة، وهي الفكرة التي ساعدت “هوسرل” على اقتراح علاقة جديدة بينهما لا تقوم على الانفصال وعلى الثنائية التي أرهق بها “ديكارت” أتباعه..

هذه الفلسفة لا تهتم بالوجود وإنما بالدلالة؛ بمعنى الوجود، وهو ما رفضه “هيدجر” تلميذ وخصم “هوسرل“؛ حيث إن الوجود يسبق المعنى ويشترطه، والذوات موجودة في العالم مسبقا ولا يمكن الانفصال عنه ولو ذهنيا. ويرى “هيدجرويوافقه “سارتر” أن الفلسفة طريق للكشف على الوجود من خلال دراسة الموجود.

تأسيسا على ما سبق، يرى المؤلف أن:(الفلسفة أصبحت علما كليا مع “هوسرل” و”هيجل” الذي اعتبرها أرقى تجليات العقل المطلق وأعلاها)، مضيفا أنه: (كرد فعل على الشمولية الهيجيليةوالديكارتية أخذت الفلسفة، في منعطف القرن 20، منحى جديدا مع فلاسفة التحليل الإنجليز والفلسفة الوضعية المنطقية.. فالعلم المتطور جدا هو السيد الأوحد في إنتاج الحقائق، أما الفلسفة .. فلم يعد لها من دور سوى دراسة لغة العلم) ص:58، وهو ما يعتبره تحجيم لدور الفلسفة بدل أم العلوم. ويأتي بمثال “نيتشهو”كركغاردالذبن هاجموا الفليفة التقليدية النسقية، واعتبروها منافية للأمانة، مما يذكره بعبارة “ياسبرز” حول خيانة الفلسفة لنفسها، معتبرا حد الجزم أن الفلسفة المعاصرة أو ما بعد الحديثة تستلهم “نيتشه” استلهاما مباشرا، أو غير مباشر عن طريق “هيدجر” تحديدا.  

ويختم الفصل الثاني “ما الفلسفة” بتعريف غريب للفلسفة حسب زعمه طرحه “جيل دولوز” و”غيتاري”، حيث يريان فيه أنها صياغة وإبداع للمفاهيم باعتبارها الوحدات الأساسية في كل بناء فلسفي. من هنا يخلص إلى “إشكالية تعريف الفلسفة” طارحا سؤالا جوهريا، مفاده أنه:(إذا كانت تعريفات الفلسفة، في تاريخها الطويل، بمثل هذا التنوع والاختلاف فأي تعريف منها يمكن لنا الاهتداء به؟) ص:61، لكنه يعترف أن لا حرية له في الاختيار، على اعتبار الأخذ بتعريف دون سواه يثبر إشكالية جديدة، مفسرا ذلك بكون في نفس الصفحة بالقول:(أن التعريف حد. أي له حدود كل ما يتعداها أو يتجاوزها يخرج عن دائرة الفلسفة). ويرى أنه إذا أخذ بــ:

تعريفأفلاطون سينفي أرسطو من دائرة الفلسفة؛ لأنه ينكر موضوعية المثل؛
التفسير الكلياني للكون مشكلاته سيقصي أغلب فلاسفة الوجودية الذين رفضوا فكرة النسق الشامل، باستثناء “سارتر” و”هيدغر” في سعيهما الحثيث إلى إرساء بناء أنطولوجي عام؛
التوضيح المنطقي للفكر، كما يقول الوضعيون، فلن يبقى في تاريخ الفلسفة إلا قلة ممن يستجيبون لهذا التحديد الضيق؛

كما يعترف المؤلف في الصفحة 62 بعدم قدرته على نفي صفة الفيلسوف عن (برغسون أو باسكال أو كيركيغارد أو نيتشه) لأنهم لم يكونوا “عقليين” بالمعنى الهيجيلي أو الديكارتي الصارم. أو إزاحةعباقرة فلاسفة لأني أتبنى هذا التعريف دون سواه.فيتساءل: هل نتخلص من (التعريف) باعتباره يحد من فاعلية العقل التي لا نهاية لنشاطها؟ مستدركا القول:(أن الغرابة في دعاة التحديد والتعريف مثل “كانط” لم يلتزم في ممارسته الفلسفية بذلك، بل أن تقسيمه للعقل إلى نظري وعملي لا يعير من الأمر شيئا، هنا يستحضر قول “جسدورف“:(لم تقدر أية فلسفة أن تضع حدا “تعريفا” للفلسفة، رغم أنها هي النية المبيتة لكل فلسفة).  

يخلص إلى أنه سيترك تعريف الفلسفة كنتيجة لاحقة للممارسة الفلسفية وليس كمقدمة أو كشرط للتفلسف، بل ذهب أبعد جد فاقترح ترك للقارئ حرية وضع التعريف المناسب حسب جولانه في أرض الفلسفة. لتفادي قتل الفلسفة والإضرار بها ممن لا يعرفها أو يعاديها، فيكون بذلك “رمي في عماية” حسب تعبير أبي حامد الغزالي. موضحا ذلك أكثر بإفصاحه (أن تعريف الفلسفة لا يمكن أن يكون مدخلا موثوقا للفلسفة، فلربما كان مخرجا، بل مخرجا نهائيا)ص:62. وبالتالي يجزم أن الفيلسوف الحقيقي لا ينتظر أية إشارة ليبدأ التفلسف، وللحكم على كونه فيلسوف فلابد من وضع تعريف للفلسفة بصورة مؤقتة، كإجراء تعليمي. وهكذا لا تعريف نهائي للفلسفة ما دام الغق البشري يتفلسف، وسيظل كذلك ما بقي الإنسان حيا.

2. فلسفية الفلسفة الشروط الممكنة لكل إبداع فلسفي:

فإن كانت الشروط/ الأسرار ضرورية، فهي غير كافية، لصعوبة الكشف عنها لالتباسها ولدقتها وغموضها، وغير قابلة للتحديد(التعريف) لأن ذلك سيكون موتا لها. وعليه، فسيبرز المؤلف ما هو ضروري ولأولي لقيام تلك الملكات السرية بعملها. ليكون الفيلسوف فيلسوفا حقيقة، فنجد في كتاباته التالي:

الشروط/ الأسرار

التجليات

1. الجدة

*منهجيا، أو فكريا، أو مذهبيا، أو العرض والتعبير؛

*اقتراح طريقة جديدة لإعادة صياغة وترتيب المقولات القديمة، تبرز ما خفي، أو الكشف عن التناقض، أو إيضاح الغموض أو العكس؛

* القدرة على إثارة الدهشة من جديد لدى المتلقي بع أن اندثرت في ظل الحياة الاجتماعية القائمة على العادة والمألوفية.

2. الموهبة

*مرتبطة بالجدة وزائدة عليها؛ إذ تقتضي نوعا من الإلهام والحدس الفلسفي؛

*نوع من الأسرار التي توهب للنفس.. نشاط روحي حر ودقيق جدا؛

*رفع القيود عن المواهب كفيل بظهورها

3. القدرةاللغوية

*تكون فائقة على صياغة المقولات والعبارات والأحكام بشكل فلسفي برهاني متماسك يهدف للإقناع والتأثير؛

*ربما يكون غير متماسك ظاهريا ولكنه ينطوي على معقولية باطنية وعلى منطق داخلي؛

* عن معقولية مختلفة.. أسلوب كل فيلسوف وطريقة لإنجازه للنص الفلسفي لا بد أن يكون جديدا متفردا يختلف فيه عن غيره من الفلاسفة؛

*الجدة في التعبير اللغوي مهمة كالجدة في المنهج والرؤية.. لا تكون كتابته شعرا .. ولا علما.. ولا ميثولوجيا.. ولا وعظ ديني.. ولا تقليدا لسابقيه من الفلاسفة.

4. الثقافةالواسعة

*فالكون بكل ما فيه هو مجال الفيلسوف، بل إن كل موجود وكل معدوم هو مجال للتأمل الفلسفي؛

* عمل الفيلسوف مختلف عن افيزيائي.. وخارج المختبر .. فهويلاحظ ويتأمل في الكون ذاته، وهي تتجلى في الكتب بشكل خاص.

5. وجودالمجتمع الفلسفي

*هذه مفردة غريبة على السمع، فالفلسفة ذات الطابع الفردي لا يمكن أن تكون نواة لأي اجتماع بالمعنى السوسيولوجي

*يقصد بها المؤلف وجود نشاط فلسفي أكاديمي عام؛

*غياب المجتمع الفلسفي في السعودية يقصد- ليس لإلا نتيجة لإصرار الثقافة العامة ، التي يتولى أمرها فكر محافظ موروث، على أن الفلسفة شر وكفر؛

*غياب المجتمع الفلسفي ليس سببا لغياب الفيلسوف، فالموهبة الفلسفية قادرة على الانعتاق من قيود المجتمع.

     

هل هذه المقومات أو الممهدات الخمسة هي ما يمكن أن نطلق عليها شروطا لفلسفية الفلسفة؟ بالتأكيد لا. فالنص يعتبر فلسفيا لأسباب تزيد على هذه..؛ لكن هي ما يمكن أن نسميه المقوم الأساسي الجامع.. المتعلق بماهية الفلسفة والتفلسف الصادر عن “الرؤية الفلسفية” حسب المؤلف. فماذا يقصد بها؟

3. ماهية الرؤية الفلسفية:

يقول الكاتب: هي المنظار الذي يرى منه الناظر إلى الأشياء رؤية مغايرة لأي مناظر آخر(أدبي، سوسيولوجي..)، وإن كان لا يستقل بالرؤية بعيدا عن التأثير والتأثر، لكن له طابعا يكاد يميزه عن غيره. فمثلا: الأديب ثائر لا يمتلك الأدوات المنهجية لتفكيك الأخلاق، والسوسيولوجي يعتبرها نظاما اجتماعيا وسمات ثقافية، فهو عالم يقيم مسافة بينه وبين موضوع درسه. واللغوي يعتبرها درسالغويا، فيبحث في معانيها ودلالاتها. عكسالفيلسوف الذي يشك في الأطروحات السابقة، ويصوغ شكه في أسئلة؛ معتمدا لغة جيدة. فالشك سؤال بالقوة، واللغة الفلسفية تخرجه إلى الوجود بالفعل كجملة أو متوالية من الجمل الاستفهامية؛ وبالتالي فهو الأساس الأول، متبوعا بالإحاطة والحدس والنقد:

الشـــــك

تعقيبا على ما سلف فالكاتب يعتبر أن السؤال المفترض طرحه قبل كل شيء من قبل الفيلسوف هو، هل هناك أخلاق أصلا؟ وهو على عكس الباقي قد يجيب بالنفي معززا ذلك بالقول (لقد فعل “نيتشه” ذلك)، وإن وجدت، هل هي مطلقة أم نسبية؟ وبالتالي إن كانت ملقة، فكيف الوصول إليها؟ هل العقل، أم الضمير، أم الحدس؟ فلما ضل أقوام عن الأخلاق، واهتدى لآخرون؟

أما إن كانت نسبية.. فيتساءل، ما مدى نسبيتها؟ هل بالنسبة للفرد أو المجتمع؟ فإنكانت بالنسبة للفرد، فكيف يتم التعايش؟ وإن كانت ثقافة مجتمعية فكيف لمغترب أن يتعامل مع المجتمع المستضيف: هل يتمسك بأخلاق مجتمعه وإن كانت متناقضة مع أخلاق المجتمع لجديد؟        

وبذلك يصبح منافقا ومتملقا، وهي قيم لا أخلاقية، وإن تشبت بأخلاقه ربما اعتبر ذلك اعتداء وإهانة للمجتمع الجديد..

إن مثل هذه الإشكالات لا تطرحها إلا الرؤية الفلسفية العميقة التي أساسها الشك في كل شيء، والشك كما وصفه الكاتب هو:(نشاط ذهني عسير، يهدف إلى التحرر والتجرد من كل المسبقات وما قيل عن الموضوع، وبانفصال تام عنه)، تم أضاف:(إن الفيلسوف في إطار هذه العلاقة، كالعالم في انفصاله، والشاعر في اتصاله. ولكنه يفوقهما في هذا التركيب والاندماج؛ في هذه الجدلية المرنة، والحيوية التي يتعاطى بها مع الموضوع).. هي منهج قديم امتازت به الفلسفة عن غيرها .. وقد صاغها الفيلسوف الألماني “هوسرل” صياغة جديدة وناضجة، وقبله “ديكارت”، وستظل هي الوسيلة الفضلى  لكل فيلسوف.

الإحاطة والشمول

أما الأساس الثاني، فهي الإحاطة والشمول، أي النظر للموضوع ككل، وتقصي خصائصه، والتعمق في تمظهراته؛ بحثا عن الثوابت والمتغيرات، وتركيز قوى الذهن من أجل حدس الموضوع في كليته، مما ينقلنا إلى مستوى الحدس الفلسفي كأساس ثالث، متنوع تحدده طبيعة الموضوع المدروس؛ حيث نجد الحدس(الحسي، الميتافيزيقي، المنطقي..)، ولكن الحدس الفلسفي بعامة، فاعلية واحدة.

الحــــدس

يستشهد الكاتب في هذا المقام بقول “أوغسطين“:(إنني أعرف الزمان حينما لا يسألني أحد عنه، فإذا سألني أحد عنه صرت لا أعرفه)، ثم يعمل على تفسير ذلك بمايلي:(ومن المفيد القول إن السؤال عن الزمان أنتج لنا فلسفة). مستنتجا أنه لو توقف “أوغسطين” عن محاولة الإجابة لما كان فيلسوفا. فالحدس بالزمان دون جواب (دون لغة) لا يؤدي إلى فلسفة ما، فلابد أن تتم الإجابة عن سؤال الزمان، حتى ولو كانت الإجابة اللغوية أقل صحة وقربا من الإجابة الحدسية (غير اللغوية). ففاعلية التفلسف في نظره تتأسس على “قبلية كانطية” هي الحدس.. الذي تخرجه اللعة إلى الوجود.

الفاعلية والنقد

الأساس الأخير، هو الفاعلية النقدية، فالنقد هو الجانب السلبي للممارسة الفلسفية، بينما الجانب الإيجابي فهو البناء والتأسيس الجديد.. ولا يمكن لأحد أن يشك ما لم يكن ذا روح نقدية.

من هنا يتضح لنا أن هناك أربع أساسات للرؤية الفلسفية..، لكن أليس الشك، و الحدس، والنقد، والإحاطة موجودة في العلوم الأخرى؟ يتساءل الكاتب، إذن فما الفارق؟ فيجيب: صحيح ، ولكن هناك فارقا جوهريا، وهو “اللانهائية”.

الباب الثاني، في الفلسفة الحديثة

اعتمد المؤلف في هذا الباب نمط الكتابة الداخلية؛ حيث يغلب عليه نقد ومساءلة وتفكيك للخطاب الفلسفي الحديث، فخصصه لرواد الفلسفة الحديثة بدءا ب”ديكارت”، مرورا ب “كانط” و”هيجل“، وانتهاء بفلاسفة الحياة، الذين يعتبرهم السلف الحقيقي لمفكري ما بعد الحداثة، وهمزة الوصل للانتقال من الفلسفة الحديثة التي تنتهي بالنسبة له عند “هيجل”، حيث يبدأ زمن فلسفة ما بعد الحداثة.

الفصل الأول: الفلسفة الحديثة

1. ما قبل “الكوجيتو” وإمكانية الخطأ :

يقول “ديكارت” في كتابه “مبادئ الفلسفة” ص،35:(إن الحواس مصدر الخطأ مالم نستكمل بعد استعمال عقولنا)، ويوضح المؤلف ذلك بالقول: (ويجب إيضاح النقطة التالية: وهي ـن عبارة ” الأشياء الحسية، أو الموضوعات الخارجية” التي هي مصدر الالتباس والخطأ، يراد بها في الخطاب الديكارتي الشيء والإحساس معا، فلإدراك الحسي إدراك لشيء خارجي؛ أي خارج الأنا أو الذات الخالصة المبرأة من الخطأ والمصدر الوحيد اليقين)،ثم يضيف:(أن الأشياء الحسية أو الموضوعات الخارجية في الفكر الغربي الحديث الذي انبنت أصوله على “الكوجيتو الديكارتي” تكون دائما مصدرا للخطأ والالتباس والضلال)، مما يبرؤ ضمنيا، الأنا أو الذات العارفة التي توصف بالتعالي على الواقع التجريبي(أصل الخطأ) والتي تستمد يقينها من ذاتها. وهو تحديد ذاتي أساس اليقين الموضوعي بدءا ب”ديكارت” وانتهاء ب”هيجل”، مرورا ب”كانط“.

أثبت “ديكارت” أن “الكوجيتو” بوصفه منطلقا يقينيا، لا يمكن الشك فيه، مصححا أخطاءه لمفترضة إزاء وجود الله والعالم، من خلال منهج الشك. فخرج بصيغة “الكوجيتو“:(أنا أفكر إذن أنا موجود) وهي بديهية أولى وحقيقة حدسية تامة وخالية من أي جهد فكري أو استدلال قياسي. فمقدمته الكبرى المضمرة؛ ف”الأنا أفكر” تفترض المقدمة التي تنص على “أن كل مفكر موجود” لكي يصل إلى النتيجة؛ وهي” إذن أنا موجود”؛ إنه قياس له مقدمتان ونتيجة، والحد الأوسط في القياس، والذي يظهر في المقدمتين ويختفي في النتيجة، وهو “التفكير”، والحد الأوسط يدخل للبرهنة على النتيجة.

تعليقا على هذا يرى الكاتب أن ما توهم “ديكارت” أنه فكرة فطرية بديهية هو في الأصل مجرد استدلال، لا يمكن أن نبدأ منه أو نؤسس عليه معارفنا ما دمنا نتحاشى الخطأ ونتوخى اليقين، وتأسيسا على ذلك يود البحث عن إمكانية الخطأ فيما قبل “الكوجيتو” التي تغاضى عنها “ديكارت”. فعندما يقول:(إننا لا نستطيع أن نشك ما لم نكن موجودين)، معقبا على ذلك بالقول:(وهذه العبارة تجعلنا نتردد في قبول عبارة “الكوجيتو“.. وما دمنا لا نستطيع أن أن نقول (كل موجود مفكر) للإستحالة الواقعية والمنطقية (لا تشابه ولا تماثل)، فيتساءل أمام هذه النتيجة بالقول: فكيف تسنى لـ”ديكارت” أن يبرهن على الوجود بالتفكير لولا مطلبه كان معرفيا فحسب؟ وهل يكون إثبات وجود (الأنا المفكرة المتعالية) تسليما نهائيا بعدم إمكانية الخطأ؟

وأما المطلب الذي لم يوفق فيه، وهو التوحيد بين المعرفة والوجود، أو بين المنطق والميتافيزيقا فسيتم تحقيقه من طرف “هيجل” الذي أسس جدله على الوجود وليس على التفكير.

2. فلسفة “كانط” الأخلاقية : مفهوم الحرية وتأسيس ميتافيزيقا الأخلاق  

قام “إيمانويل كانط في “نقد العقل المحض النظري” بإثارة السؤال عن إمكانية قيام العلم؛ أي كيف تكون المعرفة العلمية ممكنة، على اعتبار أن قانون السببية لابد أن ينطبق على كل الظواهر التجريبية في كل مكان وزمان، وحتى وإن طال الزمان فسيكون للظاهرة سبب. بعد هذا يأتي بقول “ديفيد هيوم” أن:(جميع أفكارنا ليست سوى نسخ عن انطباعاتنا الحسية)؛ حيث فتح الباب على مصراعيه للنزعة الريبية التي تشك في (إمكان) قيام علم ضروري ويقيني، فأخذ “كانط” هذه الملاحظة مأخذ الجد، فقرر معه أن التجربة لا تمدنا بالضرورة والكلية، وإن لم يكن “كانط” حسيا متطرفا، لإيمانه بالعقل البشري في تركيب وتأسيس العلوم، من هنا نجده يقول في “نقد العقل المحض” ص، 45:(فعلى الرغم من أن كل معرفتنا تبدأ مع التجربة، فإنها مع ذلك لا تنبثق بأسرها من التجربة). وعليه فإن في العقل تصورات تتمتع بالطابع الكلي والضروري.

هكذا يرى “كانط” أننا لا نعرف عن الأشياء إلا ما يظهر منها لعقولنا. ومعنى هذا أن ثمة قطاعا وجوديا مهما يظل غائبا عن إدراكنا، وهو ما يسميه الشيء في ذاته أو (النومين)؛ فهو كل ما لا يظهر ظهورا حسيا، بينما الأشياء التي تدخل قلوبنا وتصوراتنا العقلية المحضة فيسميها (الفينومين).ويعطى مثال صفات التفاحة التي إذا فقدت هل ستكون التفاحة تفاحة؟ ويستشهد المؤلف على صحة ذلك بقول “جورج باركليفي كتابه “المحاورات الثلاث بين هيلاس ةفيلونوس” ص، 35: (فلو جردنا الأشياء من جميع صفاتها الحسية، فلن يبقى فيها شيء محسوس.. ولا وجود لشيء مما يطلق عليه الفلاسفة اسم الجوهر المادي)، ثم يضيف في ص،21: ( إن الأشياء كلها ليست إلا من خلق عقولنا).  

ولكن “كانط” يصر على أن ثمة شيئا يبقى. وأننا لن نستطيع أن نصنع تفاحة من مجرد جميع هذه الصفات الحسية – لونها، ملمسها، طعمها..- المتباينة، فثمة شيء جوهري لا نعرفه إطلاقا. وهو الشيء في ذاته (النومين)، وأما الصفات الحسية فهي الشيء كما يظهر لنا (الفينومين). هذا يجعلنا نستوعب فلسفة الأخلاق عند “كانط” أو فلسفة العقل العلمي.

فالعالم منقسم إلى عالم الظواهر التجريبية، وعالم الأشياء في ذاتها؛ والذي لا يخضع لقوالب العقل وتصوراته وقوانينه الزمكانية والعلية (العلية) التي تحكم عالم الظواهر بشل حتمي لا مجال فيه للاستثناء؛ أي لا مجال في للحرية. وجسم الإنسان كغيره من الظواهر، وينطبق عليه قانون العلية وقوانين العقل النظري. وكل سلوك يقوم به فهو تجريبيا، فهل هي جبرية إذن؟ فأين الحرية؟ وهل أجسادنا محكومة هي أيضا بقوانين الطبيعة؟ وأين الأخلاق بدون حرية؟ وهل هناك أخلاق؟، ويسترسل الكاتب في طرح الأسئلة، مضيفا: كيف نبرر الحرية؟ كيف نعرفها؟ وكيفتكون ممكنة ما دام كل العالم محكوما بالحتمية؟ ويفسر ذلك بقول “كانط“:(فالحرية عنده هي العلة التلقائية التي ليس لها علة)؛ بتعبير أدق: (الحرية هي الاستقلال الذاتي، أو التحديد الذاتي Autonomie)؛ بمعنى الخاصية المميزة للإرادة الإنسانية التي تجعل من نفسها قانونا لنفسها. فلاعلة ولا أمر خارجي يفرض عليها.. فذواتنا تنقسم إلى أنا ظاهرية تجريبية خاضعة لقوانين الطبيعة، وأنا متعالية نومية غير خاضعة للطبيعة، والأخيرة هي في صميمها “حرية”..؛ إذن “أنا حر“، ف”أنا كائن أخلاقي”.

يعتبر “كانط” هذا غير كافي، فبالنسبة له كثير من الإرادات البشرية قد يعينها ويحددها الشر أو توجهها اللذة غير المبالية بالخير. فما العمل؟ يعود ويبحث في العقل المحض عن قانون أخلاقي أو أمر مطلق يكون قاعدة تهتدي بها الإرادة الخيرة، ويفسر الكاتب هذا  باستنتاج وارد في كتاب “كانط” الموسوم ب” تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق” ص،93 القائل:( لا تفعل الفعل إلا بما يتفق مع المسلمة التي تمكنك في الوقت نفسه من أن تريد لها أن تصبح قانونا عاما). وللتوضيح أكثر يورد الكاتب في ص، 97 صيغة جديدة مضمونها أنه:(حينما تريد أن تتحقق من أن فعلك صادر غن القانون الأخلاقي، فاسأل نفسك: هل تريد أن يصبح عملك هذا قانونا للبشر جميعا؟)، ضاربا لذلك مثال خيانة الأمانة؛ هل يمكن أن نجعل ذلك سلوكا للبشر؟ مجيبا بالنفي القاطع، معتبرا أن هذه القاعدة ليست كلية ولا ضرورية (ولا عقلانية) وبالتالي لم تصدر عن الواجب الأخلاقي المطلق.

3. نقد مفهوم الحرية عند “كانط: الحرية كأصل للشر أيضا      

يشرع المؤلف في معالجته لهذا المفهوم الأساس في تفكير “كانط” بطرح سؤالين هامين سيبني عليهما نقده، وهما:

لماذا كف (النومنين) بوصفه سببا مطلقا (للفينومين) عن المبادرة التلقائية في عالم الطبيعة؟  مع أن “الحرية” نابعة من عالم الأشياء في ذاتها، ومن ضمنها الأنا المتعالية (النفس المعقولة). وأن معناها المبادرة التلقائية العفوية غير المشروطة، أي إن فعل الإرادة يفاجئ القوانين الحتمية ولا يحفل بها..؛
لماذا كان سببا أول ثابتا وناجزا بالنظر إلى مسبباته، بينما هو مجال الإرادة الإنسانية سبب أول تلقائي (متغير) أو متنوع في تمظهره في المسلمات الذاتية التي تعين الإرادة؟

وقد علق على تساؤلاته في ص، 99 بالقول:(إنني، الآن، لا أتحدث عن إرادة الخير فحسب، ف”إرادة الشر” هي بالضرورة مما ينطبق عليه وصف الأولى، أقصد إن لها “حرية المبادرة”، معقبا برأي “كانط” في مصدر الشر وإن لم يسميه بهذا الإسم– ليس نابعا من الإرادة الخيرة، بل من الرغبة أو من الحساسية بصورة عامة. فالعقل لا ينبع منه إلا الواجب الأخلاقي الخير. وتبع تعقيبه بسيل من التساؤلات حول الحساسية، والقواعد الحتمية، وفعل الخير، والواجب، والرغبة، والحرية، والأمر الأخلاقي المطلق.  

بعدها يخلص في ص، 100، إلى أن:(العقل العلمي المحض مصدر الخير فحسب؛ بانيا استنتاجه هذا على قول “كانط” في ص، 75 من مرجعه السابق؛ حيث يعتبر:(مقر جميع التصورات الأخلاقية قائم في العقل بصورة قبلية خالصة..)، فماذا تكون إمكانية الشر هاته، ومن أين أتت؟ وهل الشر هو العدم؟، بعد هذه التساؤلات يأتي بخلاصة مفادها أن كلمتي “شر” و”عدم” غائبتان في كتب “كانط” الأخلاقية، متسائلا: هل هرب من هذه الإشكالية التي أرهقت فلاسفة الأخلاق والوجود أكثر من إشكالية الخير ذاته؟

تأسيسا على خلاصته الأخيرة يدعوا الكاتب إلى الوقوف على ملاحظة التالية:

التجربة محكومة بالقوانين الطبيعية الحتمية، والفعل الأخلاقي محكوم بالواجب (الأمر المطلق)، بينما الشر لا يحكمه أي قانونP
الحرية التي لم ينتبه إليها، ليست مجرد قانون أول أو علة أولى مطلقة، بل هي (لا- قانون)، أو (علة نسبية متغيرة)؛
القانون يقف في وجه حرية الإرادة خيرها وشرها:

الإرادة الخيرة

الإرادة الشريرة

النتيجة

محكومة بالأمر المطلق الذي هو أمرها هي ذاتها؛

برأي “كانط“، حينما نطيع القانون الأخلاقي النابع من عقولنا العملية فإننا نطيع أنفسنا لأننا أحرار قانونا(اللا– حرية)؛ 

– غير محكومة بأي أمر مطلق، بل بأوامر نسبية متغيرة تحددها لها الرغبات والمصالح والقوة؛ فهي حرة.

– إذن الإرادة الشريرة أكثر انسجاما، من الإرادة الخيرة، مع مفهوم الحرية حتى بالمعنى الكانطي؛ أي بوصفها علة أولى؛

– لماذا؟ لأن الأولى تحمل في طياتها تلقائية دائمة ليست موجودة في الثانية لخضوعها لصيغة أخلاقية صورية واحدة وثابتة.

يعلق الكاتب على هذه النتيجة بالتساؤل التالي: هل هذا ما انتبه إليه “شوبنهورو”نيتشه“؟ أي أنهما رأيا أن إرادة  ليست عقلانية (أي ليست خيرة بمعنى “كانط“؛ إذن شريرة)وتحكم والوجود، ثم يحيل على خلاصة، وتوضيح قوله (إن القانون يقف في وجه حرية الإرادة) فهل نقول (أن الحرية مصدر الشر؟) فيجيب بالقطع؛ الحرية لا هي مصدر خير ولا شر، بل مبدأ للمبادرة والتلقائية المستمرة فحسب، لكن “كانط” يرى:(إن إتيان العمل الخير مسبوق بالحرية ومشروط بها)، إلا أن الكاتب يرى في ص،104:(العمل الخير بحد ذاته ليس عملا حرا بالضرورة، بل هو انصياع للواجب أو الأمر الكلي)، ويختم بالقول:(الخير والشر يختلطان، وهذا ما يؤكد الواقع العملي نفسه، وإن رفضه العقل المحض والعملي.

4. الفرق بين الفهم والعقل عند “هيجل” ولادة الديالكتيك :

لقد فرق هيجل بين المنطق التقليدي والمنطق الجدلي باعتبار تفريق بين العقل والفهم واعتبار المنهج الجدلي هو منهج حديث يقوم إزاء المنهج الصوري التقليدي أو منهج الفهم سواء كان استنباطيا أم استقرائيا صوريا أم تجريبيا. لهذا كان المنهج الجدلي هو بديل الأنسب عن المنهج الهندسي صوري. إذا لتوضيح الأمر إن الجانب السلبي للعقل ينطلق باكتشاف الضد فيه للوصول إلى الحقائق.

لقد تأثر هيجل بـ”كانط وبفكرة الديالكتيك الترانسندنتالي الذي يعرض فيه نقائض العقل، ولكن كانط كما هو معروف يستبعد هذا الجدل ويعتبره ميتافيزيقا غير مشروعة. كما أن مسار الفلسفة الهيجلية التطوري الذي يعتبر تاريخالفكر ومنطق الفكر انتقالاً من الأدنى إلى الأعلىأو من المجرد إلى العيني، يقتضي اعتبار هذا المسارٍ ذاتّه في حركة الفكر من الفهم إلى العقل ومن المنطق الصوري إلى المنطق الجدلي. وبصورة أدق (من أرسطو وديكارت وكانط إلى هيجل نفسه)!،  فماهو الفهم وما هو العقل؟ 

أولا، الفهم :

هو مبادئ الفكر التي وضعها أرسطو: الهوية، عدم التناقض، الثالث المرفوع، والمبدآن الثاني والثالث هما تنويع على المبدأ الأول. ومبدأ (الهوية) يعتبر أن الشيء هو ذاته فحسب ولا يمكن أن ينطوي على نقيضه أو ضده. وقد قام المناطقة باستبعاد كل نقيض أو داخل مقولة الهوية لتحقيق الانسجام والسكون الثبات؛
فالفهم:“يعتقد أن الضدين كالوجود والعدم يستبعد كل واحد منهما الأخر تماما” بخلاف العقل الذييرى أن الفصل بينهما ليس مطلقاً وأن توحيدهما ليس عملاً غير عقلي. فتعتبر “هيجل أن المناطقة تعسَّفوا كثيراً بهذا العمل. فالحياة كما يتصورها، بل الفكر ذاته، هو نسيج من المتناقضات ومن الحركة والانتقال التي يسميها الصيرورة. هذهالمتناقضات لا يستوعبها ويتعاطى معها إلا العقل ذاته؛
إذن الفهم: يحرص على استبعاد كل ما‏ لا يؤكد الهوية الداخلية للشيء. يقول هيجل: (الفكر من حيث هو (فهم) يتشبث بترسيخ الخصائص وتحديدها وتمايزها بعضها عن بعض، وهو يعالج كل تجريدٍ محدد كما لو كآنَ مستقلاً، وقائما بذاته)، أي تجاوز الفكر لحالة الإثبات والتحديد، ليست وظيفة الفهم، بل العقل.
إذا كانت المقولات في إطار الفهم ثابتة وساكنة، فإنها في إطار العقل “تكون متحركة. حية، تحطم القيود، وينساب بعضها إلى بعض“. وبما أن هيجل يضع شرطاً للفلسفة الحقة أنْ تكون كل مقولاتها مستنبطة (أي مبرهنة ومفسّرة) فإن الفهم الذي لا يحقّق هذا الشرط ليس هو الأساس اليقيني للفلسفة. وقد اعتبر هيجل أن المنهج الهندسي الذي انبهر به ديكارت واسبينوزا هو (منهج فهم)، أي إنه غير مستنبط وغير مفسّر، وذلك بسبب نهوضه على بدايات أولى، يسميها بديهيات وتعريفات ونحوها لا تبرهن على نفسها، بل تؤخذ وحسب، لوضوحها. كما أنه منهج تجريدي صوري، وتجريديته جاءت بسب التمسك بمبدأ الهوية وعدم التناقض.  

 لذا كان المنهج الجدلي هو البديل المأمون عن المنهج الهندسي وأي منهج صوري آخر. ويمتاز المنهج الجدلي بأنه يستنبط البداية ذاتها؛ وذلك بالنظر إلى ما تنطوي عليه من تناقض. فالتناقض والحال هذا هو نوع من التحديد الذاتي (اللامتناهي) الذي يجعل الشيء يبرهن على ضده،وضده يبرهن عليه. إذن كل بداية ليست (لا متناهية) هي بداية غير مستنبطة وغير مفهومة؛ وتعد غامضة في رأي هيجل، حتى وإن بدت واضحة بذاتها ومميزة ومسلماً بها. 

ثانيا، العقل :

يخالف الفهم، ذو طابع جدلي، حركي، انسيابي. والحركة لا تتم إلا بوجود الأضداد، في الهوية الواحدة. فلما كان الفهم يفصل في الشيء ويقسمه لكي يحدده تحديدا خارجيا، ويثبت له هوية منسجمة وثابتة، فإن الجدل هو “الميل المستمر الذي نتجاوز بواسطته التحديد وأحادية الفهم”؛
وبما أن مفهوم العقل لدى هيجل هو مفهوم جدلي، فإنه يمكن القول إنه المفهوم القادر على تفسير وفهم الحياة بتشكلاتها كافة. فهو “يدرك وحدة الحدود والقضايا في تضادها أو هو الإثبات الإيجابي الذي يشمل بداخله تفككها وتحولها”؛
الفرق بين هيجل والمناقشات المعاصرة هو أنهحينما يتحدث عن الفهم أو عن منطق الهوية لا يتحدث من منظور معياري أو قيِمي، بل إنه يعد المماثلة والفهم مرحلة من مراحل تطور الفكر ولا بد أن يمر بها؛
فالفكر بوصفه فهماً يفرق بوضوح وباستقلال بين حدي الوجود والعدم، ولا يمكن لأحدهما أن يستنبط من الآخر، وهذه مرحلة أولى، ولكن العقل – وهو ذو جانبين: سلبي وإيجابي يدرك أن هدين الحدين يمكن أن يضما إلى وحدة مركبة هي الصيرورة. ولتوضيح الجانبين، في الختام، نقول:(إن الجانب السلبي للعقل يكتفي بداية باكتشاف الضد داخل الحد أو المقولة (أي اكتشاف أن الوجود ينطوي على عدم)، وما الجانب الإيجابي فهو يعود ليركب الحدين في مقولة ثالثة: وهي الصيرورة.ص:113. 

 الفصل الثاني: فلسفة الحياة

أولا: تجاوز ثنائية الذات والموضوع

يناقش الكاتب في هذا الفصل عدد مهم منالمسائل والنظريات المتعلقة أساسا بفلسفة الحياةومتمثلة في فلسفة الحياة وتجاوز ثنائية الذات والموضوع كذلك تحديدا لثنائية الذات والموضوع فلسفة الحياة وتجاوز الثنائية، بالإضافة إلى الفروض المسبقة المشروعة وتأويل الكينونة، كذلك يناقش أفكار كيركيغارد ونيتشهوبرجسون، ومن ثم يتطرق إلى موقف هيدغرمن العلم وإسهامه اللغوي.

تعتبر ثنائية الذات والموضوع من أهم الثنائيات التي تأسس عليها الخطاب الفلسفي الأوروبي منذ عصر اليوناني حتى هذا العصر.وتتجه أساسا هذه الثنائية إلى البنية العميقة لهذا الخطاب. تعتبر الذات هي المركز الأعمق للمعارف المسيطرة وكل الأشياء لأجلها. إن أول من حدد الموضوع تحديدا فلسفيا دقيقا هو المفكر حيث ميز بين الشيء في ذاته والظاهرة، وهذه الأخيرةفي حد ذاتها تقابله مقولات العقل وتصوراته.

إن موقفه من العلم طرح عديد التساؤلات والإشكالات من بينها الأسئلة المتعلقة بماذا فعل العلم للعالم؟ أو ما فائدة العلم للإنسان؟ والأكيد أنالمقولة التي تنص على أن العلم قوة وقدره، وأن غايته السيطرة على الطبيعة هو جواب هذه الأسئلة الأكثر حداثة إلى يومنا هذا. إذا من خلال هذا ستكون التقنية بوصفها النتيجة العمليةللنظرية العلمية هي الغاية التي يهدف إليها العلم.

وفيما يتعلق بإسهام هيدغر اللغوي فقد ناقش في كثير من محاضراته وكتبه التساؤلالكلاسيكي للغة وبحثه بدقه في طبيعة الحكم أوالعبارة بوصفها مكانا للحقيقة والتي هي بالتعريف مطابقة الفكر والشيء.

ومن أهم الأشياء التي ركز عليها الكاتب في هذه الفقرة والمتعلقة بدرس الهيدغيري هو رفضه القاطع لفكرة أن اللغة مجرد أداه أو وسيط يتم من خلاله النقل الفكري أو الشعور أو الوصول إلىالمعنى. في اعتقاده أن هذا التصور يفترض أسبقية الفكر والمعنى على اللغة وأن اللغة بمثابةاختراع بشري لاحق من اجل التعبير والتبليغ عن ما نراه من أشياء وما نشعر به ونحس به. إن اللغةفي حياتنا اليومية هي وسيلة للوصول إلى غايات وهي هنا لا تحيل على اللغة في حد ذاتها، وإنما على المعنى أو الفكرة المراد إيصالها.

ثانيا: كيركيغارد، نيتشه، وبرجسون، العصاة الثائرين على الهيجيلية

يقول “فوكو”: (إن عصرنا هذا كله، سواء من خلال المنطق أم من خلال الإبستمولوجيا، وسواء من خلال ماركس أم نيتشه، هو عصر يحاول أن يفلت من هيجل)، فهو بحق، يمثل اكتمال الميتافيزيقا الغربية ذات الطابع النسقي والشمولي والكلياني. وهو يجد الفلسفة الأوروبية– عامة-وبعده لم يعد في مستطاع أحد أن يضيف شيئاجديدة؛ إذ دخلت الفلسفة في المطاف النهائي والأخير، كما يقول هيدغر وبلغت ذروتها. ويهمنا الآن الحديث عن الذين رفعوا شعار (لا لهيجل!)، وهؤلاء العصاة والثائرين هم:

1. سورين كيركغارد Soren Kierkegaard

دنماركي الأصل، شاعر، وناقد اجتماعي، ومؤلف لاهوتي، ويعتبر أول فيلسوف وجودي من مواليد 5 مايو 1813، توفي في 11 نوفمبر 1855. كان عدوا للنسقية الهيجلية التي قدمت شكلا من العقلانية الصارمة التي ترفض المشاعر الإنسانية والعواطف الفردية وتعتبرها عوارض طارئة، وأن العقل يقول هيجل: (العقل يحكم العالم، وتاريخالعالم. وكل شيء آخر بالقياس إليه يخضع له ويتبعه ويعمل في خدمته، وهو وسيلة لتطورها). فكيركغاردكان يقاسي صنوفا من العذاب والشقاء، و يشعر أن حياته تتحدد بهذه العواطف التي يرى هيجل أنها هي وصاحبها مجرد وسيلة لنمو الروح المطلق وتطور العقل الكلي الممثل، تاريخيا وسياسيا، في مؤسسات المجتمع المدني والدولة.

ثار كيركغارد على جدل الروح، ودعا إلى ما سماه جدل العواطف، وهو جدل ينبع من الداخل؟وهو ليس كالجدل الهيجلي الذي يحدث بين ضدين يتم التوفيق بينهما في مركب القضية، بل هو جدل مستمر لا يرفع. إنه صراع وكفاح مستمر.

كانت سيادة الموضوعية في فكر هيجل دافعة لـ”كيركغارد لكي يعود إلى الطرف الأقصى؛ إلى الذاتية المتطرفة، ويراد بها الوجود الذاتي الحميم، وليس إلى ميتافيزيقا الذاتية، والتي تريد بالذات: العقل ومقولاته وحسب، والوجود الذاتي هو وجود متناقض وعيني ومتوتر، ولا يمكن اختزاله في مقولات العقل المجرد، فيرى أن “تاريخ الحياة ليس إلا سلسلة من الأحداث العارضة، وأن الترابط الضروري مجرد وهم، أو خطأ من أخطاء العقل كما يقول نيتشه. ويصرح قائلا🙁 إنني أفكر فأنا إذن غير موجود)، فقد كان تصريحه ثورة على هيجلأكثر منه علی دیکارت، فمادام الفكر كلية وضرورية، وبما أنني كشخص عيني فردي، لا أنكر تفكيرا حقيقيا، بل يفگر بي ومن خلالي، فإن التفكير عندها سيكون طمسة للشخصية وإحالة لها على ما يتجاوزها ويعلو عليها. فالروح المطلق عند هيغل هو الحقيقي، وأفكارنا الصحيحة ليست من عندنا، بل من عند الروح الذي يتجلی – تاليا – في العقل الإنساني. أما ما هو من عندياتنا ومن صميم مشاعرنا الداخلية فهو أفكار خاطئة، تطرد بعيدة مع الشر والمادة إلى عالم الاغتراب الروحي. فما يخص الذات الفردية وحدها، وما لا يمكن أن يكون كلية مشتركة، لا يمكن اعتباره نابعة الذات الحقيقية التي هي ذات طابع جوهري کلي، وإنما هي تنسب إلى الإنسان بوصفه جزءا من الطبيعة لا جزءا من الروح، وليست الطبيعة في نظر هيجلإلا العبودية الحقيقية واللاحرية، أو هي كما قال:(روح متحجرة).

هذه الآراء هي ما يرفضه كيركغارد تحديدا، فالحقيقي هو أنا، بكل ما أعانيه من آلام ومشاعر وأفراح وأتراح وتناقضات وشهوات وخطايا… إلخ. ولا يمكن تجريد شخصيتي من هذه المحددات والصفات التي تشكل ماهية وجودي الخاص.

2. فريدريش فيلهيلم نيتشه: Friedrich Nietzsche

فيلسوف ألماني، ولد في 15 أكتوبر 1844، ناقد ثقافي، شاعر وملحن ولغوي وباحث في اللاتينية واليونانية. كان لعمله تأثير عميق على الفلسفة الغربية وتاريخ الفكر الحديث، توفي في 25 أغسطس 1900. فثمة عودة من عالم التجريد الكلي إلى عالم الوجود الذاتي، وعالم الشخصية وعالم المشاعر. ولقد عاد نيتشه وقبلهشوبنهاور – عودة مشابهة، إذ دعا إلى النزول إلى الأرض وتمجيد الغريزة والحياة والبهجة، والتفكير بالحواس. وبدأ باسم فلسفة للحياة، هجوما عنيفا على الفكر الميتافيزيقي الغربي، وسماه بالفكر السقراطي، ويريد به العقلانية الإغريقية التي جاءت على حساب التراجيديا والفن والشعر، واستمرت إلى العصر الحديث.

كل الفلاسفة الذين هاجموا الهيجلية كانوا يهاجمونها بسلاح الفن والرؤية الفنية أو (الاستطيقية وكانت الحياة والوجود الواقعي الفردي هو ما يشكل الغاية النهائية لهم، لجأوا إلى الرؤية الفنية؛ لأنها، كما يقول برغسون، إدراك (أو حدس) مباشر قادر على النفاذ إلى باطن الحياة؛ “فالحياة التي يحبها نيتشه حبا عميقا – كما يقول في كتابه (هكذا تكلم زرادشت) – لا تتعالى على الغريزة والتناقض والصراع، والفردي، والعيني، والحسي. بل هي مزيج من كله، وإذا كان التفلسف، بخلاف الفن، يقتضي حذف وإلغاء هذه الخصائص الحيوية فإنه سيحكم على الحياة بالموت.

وكان نيتشه يرى أن الفلاسفة السقراطيين يحقدون على الحياة ويكرهونها لأنها تعبير حي عن الصيرورة والتدفق الحيوي. لقد كان يعتبر أفلاطون وسقراط والفلسفة التي يبشران بهادليلا على انحطاط الثقافة الإغريقية وتدهورها، وهذا رأي غریب، بينما يجمع المؤرخون أن السقراطية هي أساس الحضارة الغربية بأسرها، بل هي اسباب قوتها ورقيها. ولكن نيتشه الذي أحب الحياة وأسس فلسفتها، وأذن بالحرب على أعدائها، كما قال”يسري إبراهيم”، لم يكن يرى في البداية السقراطية إلا نهاية وسقوطا، بل إن أغلب أفكار الفلاسفة لم تكن سوى (موميات أفكار) حسب تعبيره، لأنها ترفض شهادة الحواس التي تبدي التنوع، والتحول، والاختلاف، والحيوية.

إن الإفلات من قبضة هيجل اتخذ شكل العودة إلى الأشياء ذاتها، الشعار الذي رفعه هوسرل. وهذه الأشياء ذاتها هي الوجود الشخصي عند كيركغارد، وهي الإرادة عند شوبنهور، وهي الديمومة واندفاعة الحياة عندبرجسون، وهي الحياة والقوة عند نيتشه، وأخيرا، هي الوجود عند هيدغر. ومما هو جدير بالذكر أن الفن بوصفه ملكة الخيال مستبعد من إطار الميتافيزيقا العقلانية الغربية، فهو ملكة الخطأ والظن والوهم والضلال، كما يقول باسكال. إلا أن هيدغر في حديثه عن الشعر – وهو معنى واسع يمكن تسميته بالرؤية الفنية يقول: (إن الشعر ليس تسيبا للخيال ولا شرودا للروح، بل هو قوة مخلصة وتسمية للوجود وانفتاح لحقيقت).

3 . هنْرِي برجسون Henri Bergson

فيلسوف فرنسيمن مواليد 1859، حصل على جائزة نوبل للآداب عام1927، يعتبر من أهم الفلاسفة في العصر الحديث، كان نفوذه واسعا وعميقا فقد أذاع لونا من التفكير وأسلوبا من التعبير تاركا بصماتهما على مجمل النتاج الفكري في مرحلة الخمسينيات، ولقد حاول أن ينقذ القيم التي أطاحها المذهب المادي، ويؤكد إيمانا لا يتزعزع بالروح، حظي إبان حياته بشهرة واسعة الانتشار في فرنسا تؤثر في دوائر مختلفة: فلسفية ودينية وادبية، أدت شعبية الكبيرة إلى إثارة جدل في فرنسا؛ حيث كان ينظر إلى آرائه على أنها معارضة للموقف العلماني والعلمي الذي يتبناه مسؤولو الجمهورية، فحدث له العكس تماما بعد وفاته سنة 1941، إذ حدث انصراف تام أو شبه تام عن فلسفته حتى صارت تقبع في ظلال النسيان ابتداء من نهاية الحرب العالمية الثانية حتى اليوم.

فتحكيم العقل ومبادئه بمطارقها، وتمزق النسق الذي يلم الأفكار المجردة ويفسر بها الوجود. وماكان له أن يفسره وهو يمتص منه عناصر الحياة من خلال تفتيته وتقسيمه وتثبيته. فالعقل، بحسببرجسون: (لا يتصور إلا المنفصل، والساكن، ويمتاز بقدرته اللانهائية على التقسيمة. وأما العلم، الذي هو نتاج للعقل، فلا يقدر على إدراك الحياة وهو الذي كلما أراد فهمها قام بتجزيء عناصرها المتراصة ليغيب عنها ما تنطوي من عناصر حيوية خاصة، وباختصار فالصفة التي يتميز بها العقل هي عجزه الطبيعي عن فهم الحياة).

إن الهجوم على الفلسفة العقلانية باسم الشعر والفن هو نوع من الانتقام، فالعلاقة بينهما علاقة متوترة، فكان لا بد لفلاسفة الحياة من أن يتسلحوا بالشعر والفن لتخفيف حدة النسق العقلي الصارم الذي رأوا فيه تهديدا للحياة. وكما يقول أفلاطونفي كتابه الجمهورية:(إن بين الشعر والفلسفةخصاما قديما). فهل هذه النزعة سبب أم نتيجة لهذا؟

يرى المؤلف أن🙁النسق الفلسفي المتكامل عرضة للتزعزع بمجرد انتهائه. والذي يدفع إلى إظهار تناقضاته واضطراباته هو التأويل الذي يرمي في الغالب الة الفهم، لكنه ينتهي إلى إعلان تصدع النسق وتمزقه، والتأويل أصبح مع فلاسفة الحياة وسيلة ذوقية مثلى للتخلص من شمولية وطغيان النسق الكلي. بل أصبح أداة تفكيك وحفر وهدم فيما بعد) ص:…..

الباب الثالث، الفلسفة العربية – الإسلامية القديمة

وبدافع الواجب الوطني والقومي، والضرورة الفلسفية، أفرد الباب الثالث والأخير من الكتابللفلسفة العربية- الإسلامية القديمة، ويتضمن ثلاثة فصول:فصل أول، متعلق بالعقلانية العربية القديمة، وفصل ثان، يتطرق للقراءة الماركسية العربية لابن رشد، بينما الفصل الثالث، والأخير يتضمن دراستان في الفلسفة الإسلامية.

اختار المؤلف تخصيص هذا الباب حالما ببناء فلسفة عربية مستقلة وفاعلة كونية، مستمدة من التراث العربي الفلسفي خصوصا، والعقلي عموما. وذلك من خلال ثلاثة فصول كما سبق ذكره، الأول خص به الفلسفة الإسلامية من خارجها، وهو درس تاريخي يتطرق للقاء العرب باليونانيين من خلال الترجمة وما قبلها، مؤكدا على أن العقلانية العربية كانت جوهر تلقي العرب للفلسفة اليونانية وإغنائها.

بينما الفصل الثاني، فعبارة عن مناقشة نقدية للصورة التي يقدم بها الخطاب الفلسفي الماركسي العربي المعاصر التراث الفكري القديم عامة، وفلسفة ابن رشد خاصة، في حين نجده في الفصل الأخير، يتناول بالتحليل والمناقشة المسائل الفلسفية عند ابن سينا، وابن خلدون.  

وفي الصفحة 13، يطرح سؤالا جوهريا وحارقا في نفس الآن؛ حيث يتساءل قائلا:(فهل الفلسفة بالفعل غربية في أصلها وفصلها؟ وإذا كانت كذلك فهل يحق لنا الأخذ بها أم نبذها وتجاهلها؟)، مضيفا:(أن الخطاب الفلسفي هو، أولا وقبل كل شيء، خطاب عقلي برهاني)، بل في نظره:(ويقدر عليه مبدئيا كل إنسان له عقل)، ويعتقد أن العرب من موصوفون بذلك، وليس بالضرورة الشعوب الأوربية فقط، إلا أنه يستدرك بالقول:(لا ننكر أن اليونان، ثم الأوربيين، كانوا هم أفضل الشعوب التي استخدمت ملكة العقل في التفكير البرهاني والتأمل النظري، وأن تاريخ الفلسفة يدين لهذه الشعوب بالشيء الكثير).

ويجمل القول:(أن احتكار الشعوب الغربية تاريخيا باستثناء الفترة العربية القديمة لممارسة التفلسف وإنتاج الخطاب الفلسفي لا يبرر القول بأن الفلسفة في جوهرها خاصة بهذا الشعب أو ذاك) ص:14، بمعنى أنه يضفي على التفلسف صفة الفعل الإنساني، مضيفا في نفس الصفحة القول:(كما أننا مطالبون باستثمار هذه التجربة الغربية والاستفادة منها لنختلف عنها في نهاية الأمر. فممارسة الاختلاف، كحق أصيل، لا تتم بالقطيعة والتجاهل التام، بل بالتواصل والتواضع والخروج من أوهام الهوية وأساطير الأنا).

الفصل الأول: العقلانية العربية القديمة

انتقلت الفلسفة اليونانية للشرق بفعل غزو الإسكندر المقدوني لها، حيث أصبحت البلدان الشرقية موطن تمازج الفكر اليوناني والشرقي، حيث يذهب العديد من المستشرقين القول أن حلقة الوصل بين الفكر اليوناني والفكر العربي الشرقي، هي الإسكندرية ومدرستها، بينما يرى كل من خليل الجر وحنا الفاخوري في كتابهم “الفكر الفلسفي عند العرب” خلاف ذلك، حيث يسندون إلى مجموعة من الوثائق التاريخية تثبت أن السوريين هم أول من اتصلوا بالثقافة اليونانية، وكانت بشكل سابق عن الإسكندر.

يتطرق الكاتب في هذا الفصل كذلك، أن اتصال العرب بعلوم الثقافات الأخرى ( اليونانية، الهندية، الفارسية) كانت سابقة عن الإسلام بوقت طويل، فقد كان اتصالهم في عهد بعيد السريان، وهم ورثة الإغريقيين الحقيقيين في الشرق الأدنى. لدرجةيرى بعض المؤرخين أن هذا الاتصال من أهم الأحداث التاريخية في الفلسفة العربية. كذلك لابد من الإشارة أن الفلسفة اليونانية انتقلت كذلك إلى البلاد الفارسية. لذلك يجب أن نصف ونتوقف على علاقة العرب بالمدارس الفارسية باعتبار أن هذه الأخيرة استقبلت الفلسفة اليونانية.

في عهد عمر لما فتح الإسكندرية، وجد فيها خزائن من الكتب، فاستشار عمر بن الخطاب في مسألة الأخذ بهذه الكتب، فكان جواب عمر بالرفض، وأمر عمرو بن العاص أنه إن وجد كتب توافق كتاب الله ففيه غنى عنه، وإذا كان غير ذلك فلا حاجة فيها، فتقدم بإعدامها، فبدأ عمرو بن العاص في تفريقها على الحمامات وإحراقها، فنفذ ذلك في ستة أشهر. كذلك في واقعة مشابهة ذكر ابن خلدون أن سعد بن أبي وقاص عندما فتح فارس، كتب إلى عمر في شأن الكتب الفارسية، فقال له كما قال لعمرو بن العاص، فكان مصير كتب فارس إلا الإحراق دون أن تصل إلينا.

هاتان الواقعتان تعتبران من الوقائع غير الودية بين الفكر الفارسي والفكر العربي. بينما على مستوى اللقاءات الودية، فقد استقبل عمرو بن العاص يحيى النحوي، والذي يعتبر من أساتذة المدرسة الإسكندرية للكبار، فأكرمه وأعطى له موضع. وكما هو معلوم أن يحيى كان أرسطي مشائي المذهب، إلا أن  هناك خلاف حول هذا اللقاء حيث أن فؤاد السيد محقق كتاب إسحاق يرفض هذا الأمر، لأن يحيى عاش قبل الإسلام بقرن كامل. كذلك على مستولى اللقاءات الودية، فقد أمر الأمير عمر بن عبد العزيز بترجمة كتب الطب، ونقل كتاب القس أهرن الإسكندراني وعرضه على المسلمين، إضافة إلى إطلاع مجموعة من الأطباء على الفلسفة، لاختلاط كتب الطب بالفلسفة قديما. ويلخص الكاتب قنوات ووسائل الاتصال في اللقاءات الأولى بين المسلمين والفلسفة اليونانية في مايلي:

طريقة الترجمة، عن طريق الطب والعلوم العملية كالحساب والفلك والكيمياء، وكانت الفلسفة تختلط بشكل كبير مع هذ العلوم، واعتبر أن أول العلوم الفلسفة . كذلك كان الاتصال عن طريق علم الكلام والعقائد، حيث كان الدفاع عن العقائد ضد المسيحيين والزنادقة مدخل إلى تعليم المنطق، وجعلوا في بني أمية الفلسفة اليونانية أساس ومفصلا لجدالاتهم. ويعتقد النشار علي سامي أن المعتزلة هم فلاسفة الإسلام الحقيقيون. ناهيك عن مصاحبة أكابر العرب المتفلسفين العارفين باللغتين اليونانية والعربية، ونقلهم شيئا من الكتب اليونانية إلى العربية.

يعتبر أغلبية العامة أن السبب الحقيقي لنقل الفلسفة إلى الفكر العربي، كانت الترجمة، بل على العكس من ذلك، كانت الترجمة هي مدخل مهم لفهم واستيعاب أفكار اليونانيين وعلومهم، ومعرفة الطريقة التي يفكرون بها. وفي هذا الصدد أقول أن الفلسفة نمط وطريقة للتفكير وتوظيف العقل في مختلف ما يعيشه الأفراد من أحداث في حياتهم. وللحديث عن ما يطلق عليه العقلانية، يشير الكاتب على أن معظم الخلافات والجدالات التي كانت تقع بين المسلمين ومختلف أفراد الديانات الأخرى، ولتباين معتقداتهم وملتهم، كانوا يلتجؤن إلى العقل للحسم في الجدالات والنقاشات التي كانت تحصل بينهم. حتى تلك النقاشات والجدالات التي كانت تحصل بين المسلمين أنفسهم، مع الاختلاف الحاصل في تفسير وتأويل النصوص الدينية، يتم اللجوء إلى العقل والمنطق للوصول إلى نقطة تفاهم والاقتناع بالأفكار.

الفصل الثاني: القراء الماركسية العربية لابن رشد

يناقش الفصل الثاني مسألة متعلقة بالقراءة الماركسية العربية لابن رشد، من خلال التطرق إلى التراث بين المنهج التاريخي والتوظيف الإيديولوجي، حيث أن أصحاب الخطاب الماركسي العربي يقرون على التزامهم بالمنهج التاريخي، من خلال النظر إلى التراث مشروط بتاريخيته، أي بوضعه في صورته الموضوعية كما تحققت تاريخيا، ضمن نفس البيئة ونفس الزمن. لذلك لا يصح إسقاط الماضي على الحاضر ولا الحاضر على الماضي، ومن تم يطرح الكاتب التناقضات الحاصلة في رؤية لينين للتراث وانتقائيته لأفضل ما يوجد فيه. حيث يأخذ منه ما ينفع المعركةالفكرية الإيديولوجية الراهنة، ويقيم عناصره في ضوء هموم الحاضر. إن القراءة التي يقوم بها الماركسيون العرب للفكر الفلسفي العربي على ضوء الوضع التاريخي المعين، ومن خلال الوضع الاقتصادي الاجتماعي السياسي العام هو في حد ذاته نوع من الإسقاط الإيديولوجي الذي حذروا منه دائما في خطاباتهم. وينطلق الكاتب في البحث عن انعكاسات الواقع المادي ومطالب الجماهير والفقراء في فكر ابن رشد، وهو ذاته كان يحتقر الجماهير، ويبرر طيب تيزيني ذلك بالقول “أن الفلاسفة العرب العقلانيين لم يكونوا ضد الجماهير، بل الجماهير كانت ضد الفلسفة. وواقعالأمر أن ابن رشد لم يكن يدافع عن إيديولوجية معينة، بقدر ما كان يبحث عن السبل لإقامة العدل وتحقيق الأمن والقضاء على الظلم وغيرها من القيم والمبادئ التي تحكم العقل والمنطق.

إن ابن رشد في نظر الكاتب لم يكن ماركسيا لينينيا، لكنه كان ماديا ديالكتيكيا في نظر الماركسيين العرب، وحتى غير العرب. يقول ابن رشد أن المعارف تكتسب بالحس، ويستند العديد من المفكرين على أن ابن رشد كان ماديا من خلال النصوص التي عرضت للتأويل حيث يقول “… قدمالعالم وتلاشي الثنايا بين المادية والصورة”، في نظر الماركسيين أن قول “قدم العالم” هو تأييد للفكر المادي، ولا يبقى شك في ماديته. ويؤكد ابن رشد ارتباط المادة بالصورة باعتبارها مرئية، عكس المادة الأزلية القديمة التي لا صورة لها، فليس لها وجود محقق. ولكي تكون المادة موضوعة للحس يجب أن تكون لها صورة، وعليه فإن ثنايا المادة والصورة لم تتلاشى بل هي الأصل المنطقي أو العقلي الذي يجعل الوجود المادي المحسوس ممكنا.

من أهم الإشكالات التي تواجه قارئ النص الرشدي، هو التنوع الحاصل في فكر ونصوص هذا الأخير، حيث نتحدث عن نصوص فلسفية متشبعة لفيلسوف كبير مثير للجدل، كما أن نصه خاضع لتقلبات وتلوينات جمة، فهو جدلي أحيانا، وأحيانا أخرى برهاني، واضح تارة، وغامض تارة أخرى، فهو فقيه ومتكلم وفيلسوف وعالم وطبيب، كما أنه على صله حتى بالسياسي، كل هذا التنوع يجعل من نصوصه صعبة الإدراك والفهم والاستيعاب، وحتى التأويل الذي يقدمه المفكرين فهو حمال أوجه، متباين ومختلف، نظرا لهذا التنوع الكبير في نصوصه.

الفصل الثالث: دراستان في الفلسفة الإسلامية

في هذا الفصل يتطرق الكاتب إلى دراستان في الفلسفة الإسلامية، والمتعلقة أساسا في التخيل وفن الشعر عند ابن سينا، وثانيا مسألة عيال الدولة ومفهوم الترف عند ابن خلدون.

على مستوى النقطة الأولى؛ والمتعلقة بالتخيل وفن الشعر عند ابن سينا ينطلق من خلال إيضاح لملكة أو قوة المخيلة عند الإنسان حسب تقسمه، من خلال أن النشاط الإدراكي للإنسان ينبني على قوة الحس الظاهرة والتي تقوم بها الحواس الخمسة المعروفة، وقوة الحس الباطنة وهي خمس، تشمل على:

1- الحس المشترك، والذي يجمع الصور المكونة في عقل الإنسان؛
2- المصورة، وهي الخزانة الحافظة للصور؛
3- الوهم، وهي الإلهامات الإلهية والتي هي رحمة للبشر والحيوانات، حيث تقوم بإدراك المعنى الكامل للصورة الحسية؛
4- الحافظة أو الذاكرة، وهي كالمصورة لكنها لا تحفظ صور الأشياء بل المعاني الخاصة بكل صورة التي أدركها الوهم. 5- المخيلة والتي تنقسم إلى ثلاث أفعال:
1- الاستعادة: حيث تنبش في الخزانتين المصورة والذاكرة وتستعيد صور الأشياء ومعانيها؛
2- الإبداع: وهو الفصل والربط بين الصور والمعاني؛

ج- المحاكاة: وهي أن تستعيد المخيلة صور تشبه صورا أو معاني تشبه معاني.

ويجب على الشاعر في نظر ابن سينا، أن يتمتع بالخيال باعتبار الناس يميلون إلى تصديق الكلام المتخيل على الكلام المعقول، وهذا ليس بالضرورة القول أن الكلام المتخيل كذب، بل هو كاذب أحيانا وصادق أحيانا أخرى.

أما في ما يخص المسألة الثانية من هذا الفصل المتعلقة بعيال الدولة ومفهوم الترف عند ابن خلدون، حيث اعتبر هذا الأخير أن الدولة تمر من ثلاث مراحل كبرى، تتمثل في مرحلة الطفولة، مرحلة الفتوة، ومرحلة الشيخوخة وهي المرحلة الأخيرة ومن تم اندثار الدولة وانحلالها. ويقيس كل مرحلة من عمر الدولة في أربعين سنة، ما مجموعه مائة وعشرون سنة هي مدة عمر الدولة. إن هذه الطريقة التي اعتمدها ابن خلدون في قياس عمر الدولة، مستمدة من قياسات العلوم الطبيعية المتعلقة بالكائنات الحية، وفي نظر الكاتب هي غير دقيقة، باعتبارها لا تتناسب مع موضوعات اجتماعية بهذا التنوع والشمول، كما تخالف الوقائع التاريخية، سواء تلك التي درسها ابن خلدون أو تلك التي لم يدرسها. أما في ما يتعلق بالترف، فقد عرفه بالرخاء الناجم عن الريع الاقتصادي الكسول الذي تتكفل به قوة اجتماعية محددة ي حكومة الضمان أو دولة المعونات، كما جعل الترف سببا وعلامة، سببا لكون الجيل الثالث عالة على الدولة، وعلامة على التحول وانحلال الدولة. ويبني هذه الفكرة على أساس أن الجيل الأول أي المرحلة الأولى من الدولة يكون أفرادها بدويين، خشنين، مجتهدين، ومحبين للعمل من اجل الحفاظ على استمرارية ودوام كيانهم أي الدولة، ومن تم ينتقل إلى الجيل الثاني أي المرحلة الثانية، فيصبح أفرادها قليلو الترف، بينما الجيل الثالث والمرحلة الأخيرة، هم أكثر الناس ترفا من الأجيال الأخرى، ويؤكد أن قوة الدولة والحفاظ عليها تحتاج أفرادا بدويين، خشنين، مجتهدين، ومحبين للعمل.  

صفوة القول، يعتبر صاحب الكتاب، أن الطريق لازال طويلا أمام السعوديين والعرب لكي يتمكنوا من تحقيق الفلسفة وزرعها داخل البيئة العربية، ما دام هناك صورة مشوهة بمخيلة الإنسان العربي عن الفلسفة، كعلم دخيل؛ وامتياز أوربي، بل بوصفها معادية للدين، في وقت كان من الممكن تفادي التعصب، لكنه رفض المنافسة بدعوى أن لا جدوى منها.  

لقد وجد الفلاسفة في أغلب الفترات التاريخية التي ظهروا فيها وكتبوا وجادلوا من يقف في طريقهم ومن يحذّر منهم وينبش في مقالاتهم لكي يفسدها تفسيراً شائهاً ومحرفاً ويقدمها إلى السلطات والقضاء ووجهاء القوم طالباً حماية المجتمع منهم، فهل الفلاسفة على هذه الصورة التي رسمها الناس عنهم منذ القدم؟!

قراءات في الخطاب الفلسفيالدكتور شايع الوقيان قراءة متأنية في كتاب


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.