الخرافي والسحري على هامش مشاركة المنتخب المغربي في مونديال قطر

العرائش نيوز

بقلم الدكتور محمد سرو 

بمناسبة تنظيم الأطوار النهائية للفوز بكأس العالم في كرة القدم والتي احتضنتها دولة قطر من منتصف نونبر حتى بداية النصف الثاني من دجنبر، تمكن المنتخب المغربي من الذهاب بعيدا في هذه النهائيات ووصل حتى المربع الذهبي.

وإذا كانت هذه النتيجة تعتبر في حد ذاتها إيجابية أفرحت الشعب المغربي فرحا عارما همَّ حتى أولائك الذين لم يكونوا يعيرون أي اهتمام للعبة كرة القدم، وأذكت فيهم مشاعر حب الانتماء للوطن، وأنستهم المشاكل اليومية والمتعددة التي يحبل بها الواقع؛ وهذا صحيح لكون هذا الانتصار جاء على حساب فرق لها باع طويل في اللعبة وكانت مرشحة للفوز بالكأس العالمية، بل منها من نالته في السابق، ثم كذلك لكونه ألهب نفوس ووجدان كل العرب والأفارقة، وأثار حماسهم ليس لأنه لأول مرة في التاريخ يصل منتخب بهذه الصفة إلى هذا الحد فحسب، بل لأنه أعطى الانطباع والإحساس بأن كل شيء ممكن، وبأن لا فرق بين فريق قوي وفريق ضعيف إلا بتوفير الظروف الملائمة التي تجمع بين الموهبة وحسن تدبيرها، أي بمعنى آخر الربط المبدع بين اللاعب الذي له مهارة فنية معينة وبين مدرب يجيد تقنيا توظيف تلك المهارة في الوقت والمكان المناسبين.

وغني عن البيان القول أن الوصل بين الموهبة واكتشافها وطريقة توظيفها وحسن استغلالها لا يأتي من فراغ؛ بل يقتضي، للانتقال من القوة إلى الفعل، أو من المادة إلى الصورة حسب التحليل الأرسطي الشهير لمفهوم الحركة، وجود بنية تحتية رياضية ومراكز تهتم بالتكوين والمتابعة، ويؤطرها خبراء وتقنيون قادرون على اكتشاف المهارات الفردية وتكييفها وصقلها وتأهيلها للتنافس في البطولات الوطنية أو القارية أو الدولية، وكل ذلك ينظم بواسطة هيئات وجامعات تخضع، في تسييرها وتدبيرها للشأن الكروي، للقانون وربط المسؤولية بالمحاسبة، تحت أعين فاحصة ونقدية للصحافة الرياضية، ولجمهور يضفي بعشقه لكرة القدم وحضوره في الملاعب لتتبع المباريات، نوعا من الإثارة والتحفيز لللاعبين.

لا جدال إذن أن التنظيم الجيد للشأن الرياضي والنهوض به، والاهتمام باللاعب، واكتشاف قدراته وتكوينه وتأطيره مع ما يترتب عن ذلك من رصد موارد بشرية ومالية مناسبة، يوجد في البلدان التي لها تقاليد شبه دائمة الحضور في الأدوار النهائية والفوز بالألقاب القارية أو الكونية، إن على مستوى الأندية أو على مستوى المنتخبات الوطنية؛ وهو ما عايناه ومازلنا نعاينه عند بلدان مثل ألمانيا، وإيطاليا، وانجلترا، وفرنسا، واسبانيا، وكذلك عند بعض بلدان أمريكا الجنوبية مثل البرازيل والأرجنتين، وهو ما لمسناه أيضا في المنتخب المغربي في العرس الكروي الأخير الذي جرى في قطر، حيث، استطاع اكتساح المراحل وتذليل الصعاب، ليصل لأول مرة في تاريخه إلى نصف النهاية نظرا لما توفر له من مواصفات جمعت بين التكوين والتأطير والانضباط والندية والقتالية أو تبليل القميص كما يحلو لبعض المعلقين الرياضيين وصف اللاعبين بذلك، وبين القدرة على بلورة استراتيجية لدى الناخب الوطني تروم تسخير القدرات الذاتية لللاعبين وتوظيفها إلى أبعد حد لمواجهة مكامن القوة أو فقط استغلال نقط الضعف لدى الخصم، لمباغتته، ونشر الشعور باليأس بين أفراد لاعبيه، ومن ثمة، دفعهم لفقدان لذة البحث عن الانتصار.

ومعلوم أن الخطة التكتيكية التي ينهجها المدربون في مباريات كرة القدم، والتي تحاكي إلى حد كبير بل هي مستمدة من فن التكتيك والتنظيم الحربي، تختلف من مباراة إلى أخرى، تبعا لقوة أو ضعف الخصم، والهدف المنشود من اللقاء هل التعادل أم الانتصار، وبالتالي، فإن كل مباراة تستلزم قراءة معينة، التي بدورها تقتضي حضور الدراية والخبرة والتجربة لدى المدرب؛ وهو ما لم يكن مفتقدا عند الناخب الوطني المغربي وليد الركراكي. فالرجل كان لاعبا دوليا قبل ولوجه عالم التدريب، حيث درّب عدة فرق وطنية وعربية، وفاز مع بعضها بألقاب، ثم عند تحمله مسؤولية تدريب الفريق الوطني ثلاثة أشهر قبل تنظيم كأس العالم الأخير بقطر، كان قد فاز للتو مع فريق الوداد البيضاوي بلقب بطولة الدوري، واللقب القاري الممتاز للفرق الإفريقية البطلة؛ الشيء الذي يعني فيما يعني أنه يقرأ المباريات قراءة فاحصة ومتبصرة تنم عن معرفة ميدانية مسبقة وغائية.

من جانب آخر، وإضافة إلى كون الناخب الوطني مغربيا مع ما يترتب عن ذلك من حماس عاطفي وتحفيز وجداني وغيرة على الراية المغربية، يجب استحضار الجانب التواصلي المتميز لديه، والدعم النفسي والتواطؤ البيّن بينه وبين اللاعبين وهما عنصران من الأهمية بمكان في عملية كسب الثقة وتفجير الطاقات الخفية للموهبة

وإذا كان كل ذلك كذلك، أي وجود علاقة عضوية بين النتائج الإيجابية في كرة القدم وعوامل الموهبة والدراية والكفاءة والتجربة وحسن تدبيرها وتسييرها، فإن ما رافق انتصارات المنتخب المغربي في قطر من ظواهر اجتماعية وتجليات ثقافية وسلوكات فردية، تم التعبير عنها في منصات وقنوات التواصل الاجتماعي، تدعو إلى الاستعانة والاستنجاد بقوى خفية وهمية أسطورية أو دينية وكأنها هي التي تمارس وصايتها وسلطتها عل مجريات مباريات كرة القدم، وتعبد الطريق في النهاية إلى فوز المنتخب المغربي على خصومه.

نحن لا نتحدث هنا عن خروج مئات الآلاف من المواطنين إلى الشوارع للتعبير عن فرحهم وسعادتهم، عند نهاية كل مباراة، يفوز بها المغرب؛ فهذا شيء عادي يعكس إحساس جماعي وشعور موحد بالانتماء إلى نفس الوطن ونفس المجتمع، وإنما نتحدث عن بعض الممارسات الدينية البدائية التي لا تتناسب والوضع الاعتباري الحالي للدين الإسلامي داخل الدولة والمجتمع، وكذلك بعض الكتابات والتدوينات التي ربطت انتصارات المنتخب المغربي بتلك التي شهدها المغرب في ما قبل التاريخ أو في العصور الوسطى مثل معركة الزلاقة أو معركة وادي المخازن الموصولة بسياقات وظروف وشروط مختلفة. وبقدر ما تنم هذه التمظهرات والتعبيرات عن سلوكات ومواقف لا عقلانية، ما زالت تؤثث الفضاء الفكري والثقافي العام، وتتغلغل في النفوس والذهنيات، بقدر ما يمكن اعتبارها قوى كابحة لتحديث المجتمع ومعارِضة لولوجه عالم العلم والمعرفة.

إن لعبة كرة القدم لعبة فنية بامتياز، ومن ثمة فإن ممارستها ليست معطاة للجميع، بل لأناس منحتهم الطبيعة مقومات ممارستها على الوجه الأحسن، وقد حفظ لنا التاريخ الكثير من الأسماء كان لها الفضل لوحدها في فوز بلدانها بلقب كأس العالم، مثل بيليه، ومارادونا، وزين الدين زيدان، وامبابي، وميسي؛ نظرا لما كانوا يتوفرون عليه من مهارات طبيعية عالية، وحس كروي فني منقطع النظير.

وعلى الرغم من كون كرة القدم أضحت اليوم ميدانا خصبا للماركوتينغ، والمضاربات، وتستثمر فيه ملايير الدولارات بحكم شعبية اللعبة وانتشارها الواسع بين الجمهور؛ فإنها في نهاية المطاف تبقى خاضعة لقوانين طبيعية فيزيائية وكيميائية، وكذلك لقوانين فنية وتنظيمية صارمة لولاها لما كانت محط اهتمام وإشهار واسعين، وعرفت ذلك الأوج والنجاح الباهرين، تماما مثل ظاهرة تساقط الأمطار ومواسم الجفاف والاضطرابات الجوية، التي تخضع هي الأخرى لقوانين طبيعية فيزيائية وكيميائية ورياضية، وليس لقوى خفية غير مرئية ووهمية.

لقد نشرت جريدة تيل كيل الناطقة باللغة الفرنسيةTelQuel   في طبعتها الإليكترونية يوم 25 يناير 2023 مقالا تحت عنوان “هل المغاربة مازالوا دائما يعتقدون في الخرافة؟ انطلاقا من بحث قامت به يومية ليكونوميست بتعاون مع معهد التحقيق سونيرجيا  Une enquête de L’Economiste-Sunergiaواهتمت فيه بمستوى الخرافة لدى المغاربة خصوصا العين الشريرة، والأعراض التنجيمية، والحظ وتنبؤات العرافين. وتساءلت هل سكْب الماء الغليان في مغسلة الصحون أو حوض المطبخ يوقظ الجن؟

واستهلت تيل كيل هذا المقال بتحديد وتعريف الخرافة باعتبارها نوعا من الاعتقاد قديم قدم العالم، وكونها لاعقلانية، فإنها تستند وتتأسس على الخوف أو الجهل اللذان يضفيان طابعا خارقا ،فوق طبيعي، أو مقدسا على بعض الظواهر، أو بعض الأفعال و الأقوال.

وإذا كانت العين الشريرة تتحدد بكونها ذلك الاعتقاد الذي يعتبر أن كل نظرة أو تقريظ أو ثناء من شخص معين،  يحمل في طياته قدرة على إنزال اللعنة أو إضفاء النحس، على شخص آخر؛ فإن 77% من المستجوبين المغاربة في البحث (التحقيق) السالف الذكر، أجابوا بنعم أي بكونهم يؤمنون بوجود العين الشريرة وبقدرتها الخارقة على الفعل. وهذه النسبة المئوية تتساوى تقريبا بين الرجال والنساء وبين المناطق القروية والحضرية، أما في ما يخص الفئة العمرية، فإن أكبر نسبة سجلت عند الشباب الذي يتراوح سنه بين 18 و24 سنة (80%) وكذلك عند متوسطي السن بين 45 و54 سنة (81%).

ماذا يمكن أن يستنتج المرء من هذه الدراسة؟

فحتى لو شابت هذه الدراسة أخطاء منهجية، فإنها منحتنا نظرة شاملة وعامة عن كيفية تفكير المغاربة، وعن تساو بين المرأة والرجل وبين المواطن الحضري والمواطن القروي في الاعتقاد، لكن ما لا يحسد عليه هو كون جل مغاربة المستقبل يؤمنون بالتفكير الخرافي، أي الإيمان بوجود قوى غير مرئية تمارس سلطتها وتأثيرها في الخفاء على الظواهر الطبيعية والاجتماعية والثقافية والإبداعية، وهو ما يعزز ما ذهبنا إليه في هذه المقالة المتواضعة.

 

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.