العرائش نيوز:
كما هي عادة مدينتنا مع كل مشروع تأهيل جديد، لابد أن يصاحبه جدلا جديدا بين تيارين متطرفين، يتضح للمتتبع للفضاء الأزرق أنهما المتحكمان بمزاج المدينة، تيار كولشي زين وهو التيار الخافت، و تيار كل قادم شر وهو الغالب، هذا التيار الذي يجعلنا أمام سلفية جديدة هي نوع من السلفية المعمارية والذين يعتبرون كل شيئ قديم جميل وأي تحديث هو بدعة وطبعا كل بدعة ظلالة وكل ظلالة…
موضوع هذا الحديث هو ظهور التصميم الأولي لإعادة تهيئة الشرفة الأطلسية بالعرائش، هذه الشرفة التي أصبحت على حافة الانهيار، حيث أطلق مؤخرا مشروع نوقشت تصوراته خلال الجلسة الثانية من دورة فبراير العادية لمجلس جماعة العرائش، وما أن ظهرت الصور الأولية -الغير الواضحة- لهذا المشروع، حتى ضجت وسائل التواصل الاجتماعي تندد بالمؤامرة، هذه المؤامرة التي غلفت بكلمات كبيرة لا أحد يعرف معناها من القتل للذاكرة الجماعية، طمس الهوية المعمارية، اغتيال المخيال الثقافي للعرائش، كلمات تحيلك إلى المؤامرة الماسونية والشعاع الأزرق و فرسان الهيكل الذين اجتمعوا لتدمير مدينة غير مذكورة أصلا بالخارطة .
فجأة أصبحت الشرفة الأطلسة تحفة معمارية و تاريخية فهي من تصميم ” أنتوني جارودي” أو “غوستاف ايفيل” أم أنها أصبحت تؤرخ لنزول فاسكو دي غاما و انتهاء مغامرات هرقل .
لكن واضحين وبعيدا عن منطق تقديس كل شيئ لا لشيئ سوى لكي نبين أننا “واعرين” الشرفة الأطلسية ليست سوى تخربيقة تجمع بين الطوب والإسمنت والزليج لا تمثل أي قيمة تاريخية أو جمالية، ولا يجمعنا بها إلا أننا أخذنا على أسوارها صورا بلا ألوان فأصبحنا اليوم نبكي عليها بكاء الألجيعان على الخبز اليابس.
بهذا المنطق من حق تجار سوق برارك أن يدافعوا على هذا السوق البشع باعتباره الذاكرة التجارية للمدينة، وبالتالي المطالبة بعدم إصلاحه وتركه كما هو، كما من حقنا المطالبة باسترجاع كامبو د “غياسة” و”البرامل” حفاظا للذاكرة الجماعية و ضد الخطة الماسونية لتخريب هوية المدينة ؟
المعالم التاريخية بالمدينة من برج السعديين إلى كومادانسيا مرورا بأسوار المدينة القديمة وسوق الصغير، أما الشرفة الأطلسية فعلاقتها بالتاريخ تقرب لريحة الشحمة في الشاقور.
الغريب أن أغلبية هؤلاء السلفيين المعماريين يشيدون بما تعرفه مدن مثل طنجة و الرباط من نهضة معمارية، ويذهبون للاستمتاع بكورنيش طنجة و مرقالة، فهل لهذا الكرنيش علاقة بتاريخ طنجة العريق جدا، الفرق بين مدينة العرائش وباقي المدن العريقة أن ما فيهاش بزاف ديال الفهايمية بحال لي فالعرائش.
لكم بالمقابل والحق يقال أن تجارب الساكنة مع إعادة تهيئة المدينة تجارب مريرة، آخرها إعادة تهيئة وسط مدينة العرائش الذي حولها إلى فضاء مغلق يحتله الفراشة وفاقد لأي معنى أو قيمة إضافية، الأمر الذي يجعلنا نتفهم سوء ظن الساكنة بأي مشروع تشرف عليه نفس العقليات الهندسية الفاقدة للحس الجمالي .
عودة للشرفة الأطلسية باختصار الشرفة الأطلسية ليست مكانا مقدسا ولا تحمل أي قيمة هندسية تاريخية لكن هذا لا يعني أن يأتي أي مهندس و يضع تخربيقته عليها، فعلى التصميم أن يراعي خصوصيات المدينة، ويبتعد عن الألوان ” الخروية “ويحافظ على اللون الأزرق السماوي الذي هو أحد تيمات المدينة البصرية .
اليوم الخطر الأكبر على الشرفة الأطلسية ليس هو التصميم الجديد، بقدر ما سيكون الخطر زحف عربات غلالة و بطاطة مسلوقة وغيرها من مظاهر البداوة و التوحش على هذا الفضاء، هذا الخطر الحقيقي الذي يهدد تاريخ وهوية المدينة البصرية والاجتماعية والثقافية و…
وإن كانت آفة أهل حارة نجيب محفوظ النسيان فآفة أهل مدينتنا الذاكرة المفرطة.
م.ص
