العرائش نيوز:
حسين مجدوبي
تاريخيا، ارتبط إنتاج الأفكار بالمراكز الأكاديمية، وهي الجامعات والمعاهد العلمية العمومية، وحتى نهاية الثمانينيات، كانت تنسب مختلف الأطروحات في العلاقات الدولية إلى جامعات شهيرة مثل، هارفارد وبرينستون وأكسفورد وكامبريدج والسوربون ضمن أخرى. ومع بداية التسعينيات، سيحدث تغيير، لم تعد الجامعات تنفرد بالريادة في إنتاج الأفكار، وأصبحت أمام منافسة شرسة من معاهد التفكير الاستراتيجي المستقلة، أو المرتبطة بهيئات حكومية وشركات خاصة.
وهذا التغيير الطارئ في الهيئة المشرفة على الإنتاج الفكري من الجامعة التي تضمن الحد الأدنى من الطابع الأكاديمي والحياد العلمي في الدراسات المنجزة إلى هيئات لها ارتباطات بأوساط عسكرية أو استخباراتية أو تجارية، يتطلب التسلح بالحذر في قراءة نتائج الأبحاث. وتعتبر مراكز التفكير الاستراتيجي ضرورية، فمن جهة، أصبحت بوصلة لكل دولة تبحث عن مكانة مستقرة في المشهد الدولي، ومن جهة أخرى، يعد الباحث في هذه المراكز مكملا للعمل الحكومي، نظرا لسرعة إنجاز الدراسات وإعطاء الآراء في مواضيع معينة، عكس الباحث الجامعي الذي يتأخر كثيرا. في منتصف الثمانينيات، ظهرت أولى مراكز التفكير الإستراتيجي في إسبانيا، وتأخرت نسبيا مقارنة مع باقي الدول الغربية، مثل فرنسا وبريطانيا بسبب غياب الديمقراطية وهيمنة الديكتاتورية في حقبة الجنرال فرانسيسكو فرانكو، وبسبب غياب تقاليد الدراسات الجيوسياسية. وعادة ما يكون تأسيس المراكز كخطوة تالية للتطور الذي تشهده الجامعات، ويبدأ الباحث بالبحث عن آفاق أوسع، سواء ربحية أو تجريبية، بعيدا عن البروتوكول الأكاديمي الصارم في عدد من المؤسسات الجامعية. وتكتسب هذه المراكز تأثيرا متناميا في إسبانيا، وبدأت تنافس تدريجيا الأبحاث الأكاديمية حول الكثير من المواضيع، وتحولت إلى بوصلة رئيسية للحكومات المتعاقبة على الحكم في مدريد. وعلاقة بالمغرب، ونظرا للمكانة التي يحتلها تاريخيا في المخيال الإسباني، فقد أصبح موضوعا مركزيا في أجندة بحث مراكز التفكير الاستراتيجي، التي ستزيد من تعزيز أطروحة «الخطر المقبل من الجنوب». ولا يشكل هذا التوجه مفاجأة، فقد اعتادت مراكز التفكير الاستراتيجي العمل على ملف الأمن القومي، ويضاف إلى هذا في حالة إسبانيا موقع المغرب في الإرث التاريخي الإسباني. والمثير أن أول مركز تفكير استراتيجي تم العمل في إسبانيا على إنشائه يعود إلى نهاية القرن التاسع عشر، عندما كان الاهتمام كبيرا بالمغرب. وأعرب المفكر آنخيل غانبيت سنة 1897 عن رغبته في إنشاء مدرسة في غرناطة تختص في الدراسات حول المغرب، وهذا المفكر من الذين كانوا يتبنون استراتيجية سياسية مفادها، مساعدة المغرب والتحكم في إيقاع تطوره العسكري والاقتصادي حتى لا يتسبب في مشاكل لإسبانيا مستقبلا. وتتوفر إسبانيا على العشرات من مراكز التفكير الإستراتيجي، وتميزت ثلاثة منها، اعتمادا على تنوع خطابها ومعالجتها للقضايا المغربية والعلاقات الثنائية، ثم مدى تأثيرها في بناء صورة المغرب في المخيال الإسباني بطريقة غير مباشرة، خلال العقود الأخيرة، وذلك من خلال التأثير في النخب صانعة القرار. أول مركز كان «مجموعة الدراسات الإستراتيجية «خيس»، ظهر أواخر الثمانينيات، والمثير أنه حمل أفكار المحافظين الجدد الأمريكيين، علما بأنهم لم يكونوا معروفين، ولم يصلوا إلى السلطة حتى مع مجيء جورج بوش الابن. هذا المركز اعتقد في التفوق التاريخي للغرب، وضرورة مراقبة العالم الإسلامي لأنه يشكل خطرا على العالم. ولم يعد يشتغل، لكنه أسّس مدرسة التطرف الفكري في إسبانيا، ويعمل عدد من مؤسسيه كمنتجي الأفكار لحزب فوكس العنصري، الذي يعد القوة السياسية الثالثة في إسبانيا. المركز الثاني هو «معهد السلام ودراسات والنزاعات»، ظهر في النصف الأول من التسعينيات، ويتميز بدفاعه القوي عن أسس السلم والتعايش، وأصبح فضاء لتبادل الآراء حول حوار الحضارات، لاسيما وأنه المعهد الذي انفتح بشكل كبير على الباحثين المغاربة للبحث عن نقاط الالتقاء. والمعهد الثالث هو الرئيسي الآن في إسبانيا واسمه «معهد ريال إلكانو»، الذي تأسس سنة 2002، مباشرة بعد أزمة جزيرة ثورة بين المغرب وإسبانيا. وتحتضنه مؤسسات منها المؤسسة الملكية والحكومة وشركات كبرى. وهذا يبرز أهمية الدراسات التي يقدمها وتأثيره في الدوائر الرسمية. ومن أبرز الدراسات التي ينجزها المعهد سنويا دراسة مفصلة تحمل اسم «موقع إسبانيا في العالم: الآفاق والتحديات» تتضمن تحليلا للسياسة العالمية، وكيف ستؤثر في إسبانيا، وتقدم توصيات للتأقلم مع التطورات الدولية المرتقب حدوثها.
ويشكل المغرب موضوعا مركزيا في أجندة المعهد تماشيا مع الأولوية التي يحظى بها في السياسة الخارجية الإسبانية والداخلية على حد سواء. ويتناول مواضيع متعددة وهي، الهجرة المغربية في إسبانيا، التطرف الديني، نزاعات الصحراء، وسبتة ومليلية ومستقبل العلاقات الثنائية. ويعد من أهم مراكز الدراسات الاستراتيجية العالمية التي تهتم بالمغرب، وقد يكون في صدارتها أخذا بعين الاعتبار نسبة إنتاج التقارير، بل أصبح مرجعا لعدد كثير من المعاهد الأخرى، وهنا تكمن أهمية الدراسات التي ينجزها. وبالتالي، يمارس تأثيرا خارجيا يتعدى حدود إسبانيا نحو باقي دول العالم، التي تدرس القضايا المغربية. وينشر أبحاثه باللغة الإنكليزية على نحو متزايد، ما يعزز من تعاظم دوره كعنصر فعال في التأثير على صورة المغرب على المستوى الدولي. ولا يتمتع كثيرا بالحياد، بل في العمق يقدم مواقف تثير القلق. خلال أزمة سبتة 2021 عندما اقتحم آلاف المغاربة المدينة المحتلة، نشر المعهد دراسة يوم 13 يوليو 2021 بعنوان «تعزيز الاتحاد الأوروبي في سبتة ومليلية والمغرب»، يدعو إلى دفع الاتحاد لكي يعتبر مضيق جبل طارق، خاصة المدينتين ضمن الفضاء الاستراتيجي الأوروبي، أي تعزيز الاستعمار. وفي نزاع الصحراء، تبنى المعهد موقفا معارضا لقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، خلال ديسمبر 2020 بسبب انعكاساته على مصالح إسبانيا، ولم ينخرط لاحقا في دينامية تأييد رئيس الحكومة بيدرو سانشيز لمقترح الحكم الذاتي خلال مارس 2022.
في غضون ذلك، تنكب مراكز التفكير الاستراتيجي على دراسة مصادر الخطر التي تهدد الأمن القومي الإسباني والمساهمة في وضع البلاد ضمن الكبار. واستعادت بعض من هذه المراكز الفكر المتعصب الذي ساد في الماضي، ولكن في حلة جديدة بطابع جيوسياسي، وباستثناء مراكز قليلة، لا تساعد معظمها على تطور العلاقات الثنائية بين المغرب وإسبانيا لأنها مبنية على مفهوم التفوق والخطر المقبل من الجنوب. ولهذا، فهي لا تساهم في تطوير العلاقات الثنائية بشكل كبير مع بعض الاستثناءات، بل تتحول إلى مصدر القلق.
