حين خاض دونكشوط آخر معاركه الأسطورية من أجل إنقاذ الشرفة الأطلسية

العرائش نيوز:

وسط جو مشحون بالشعارات المنددة بالمؤامرات التي تحاك ضد المدينة، صمت الجميع و اشرأبت الأعناق و حذقت العيون إلى القادم من بعيد على وقع قدح حصانه المهيب، إنه البطل المغوار دونكشوط دي لاراتشي، الكل هلل واستبشر كيفا لا وقد وصل البطل و الأسطورة، فإن كان لسومر غلغامش و أثينا هرقل فبطل العرائش الأسطوري هو دونكيشوط.

وقف دونكشوط أمام الجمع هو ورفيقه الدائم سانشو وطبعا الحمار، خاطب دونكشوط الجمع مذا يحصل هنا ؟ أجاب الجمع الواقف أمام مجسمين لأسدين من رخام على مدخل حديقة الأسود ..

يرودون سرقة الأسود يا بطل المدينة..

وكيف ذلك، سأل دونكشوط؟

في غفلة من ساكنة المدينة ودون استشارتهم وجدناهم يحاولون رفع الأسدين الرخاميين اللذين ورثناهما عن آبائنا

تبا لهؤلاء المسؤولين البؤساء ألا يعلمون أن للمدينة بطل يحميها

زمجر دونكشوط  وأشار إلى  سانشو وحماره من أجل أن يتبعاه، تقدم نحو المهندسة المسؤولة على المشروع وهي شابة نحيفة ويغلب عليها الحياء.

صرخ في وجهها كيف تجرؤون على تحريك قطعة من الذاكرة الجماعية دون الرجوع إلى الوصي على ذاكرة المدينة؟

سألت المهندسة بكل براءة ومن هو يا سيدي؟ أنا أشتغل بتصريح من السلطات المعينة والمنتخبة

ألا تعلمين أن دونكشوط فوق السلطات و المرجع الوحيد قبل تحريك أي قطعة حجر بهذه المدينة ؟

آسفة سيدي لم أكن أعلم بهذا الأمر

اسمعي، “وجه دونكشوط كلامه للمهندسة”.. ممنوع لمس الأسدين المقدسين وإن لمسا سأعلنها حربا لا هوادة فيها، وبدل أن تلمسي الأسدين كان عليك أن تزيحي هذا الكشك المعدني القبيح الذي يشوه حديقة “تشيتا” ، كما أنه عليك أن تعيدي الأسد المسروق من “ديور حواتة ”

أجابت المهندسة بذهول : أنا لا علاقة لي بما تقول سيدي أنا أعدت تهيئة حديقة الأسود، وأردت نقل الأسدين لمدخل الحديقة الجديدة، أما الكشك والأسد المسروق الذي لا أعرف ما هو فلا علاقة لي به، أرجوك سيدي دعني أرفع الأسدين لمكانهما الجديد وسيكون مكانا أجمل من الحالي لأنه مرتفع ومناسب لقيمتهما، بعدها أقفل مشروعي وأذهب لاستلام أتعابي، هذا كل ما في الأمر؟؟

اسمعي يا عميلة الخونة والمدمرين، إن لم يتم نزع الكشك وإرجاع الأسد المسروق فلن يلمس الأسدين ولن يزحزحا من مكانهما ، “قالها دونكشوط بنبرة تحدي وهو يلوح برمحه العائد على القرون الوسطى” ، التف بحصان وترك المهندس في ذهول

قطع صمت المشهد بصوت الجماهير عاش دونكيشوط عاش عاش حامي العرائش من الأوباش

انطلق دونكشوط مزهوا بنصره الجديد ضد المخربين والمتآمرين على ذاكرة مدينة العرائش..

 

وأثناء مسيره لاحظ دونكشوط شرود مرافقه الأمين، ما بك يا سانشو لم ألمس فيك البهجة بعد انتصارنا الكبير، ألم نحرر الذاكرة الجماعية للعرائش من هجوم المغول قبل قليل ؟

قال سانشو في تلعثم: وجدت كلام المهندسة معقول – جحظت عينا دونكشوط- كما أن المكان الجديد للأسدين أجمل وأكرم لهما.

ماذا تقول يا سانشو هل أصبحت من أتباع الدين الجديد هل غرك أتباع الماسونية العالمية الذين يريدون بمدينتنا كل الشرور، ألم يضع أجدادنا الأسدين في مكانهما الحالي؟  فهل ستفهم هذه المهندسة الغريبة أفضل من أجدادنا؟

أراد أن يجيب سانشو لكن دونكشوط قاطعه بإشارة من يده صه وتابع مسيرك أمامنا معركة أخرى

أي معركة يا سيدي ؟

معركة “كامبو د السور” سمعت أن أحد المدسوسين بيننا يريد الاستيلاء عليه وتغير ملامحه

بعد مسير قصير وسط غابة لايبيكا وقف دونكشوط و مرافقه سانشو والحمار، على شاب هزيل البنية يشرح لمجموعة من الشباب رؤيته و يرسم أبعادا بيده مشيرا نحو ملعب “كامبو د سور” .

وقف على رأسه مستوي على صهوة حصانه وأطلق صرخة بصوته الأجش ماذا تفعل هنا أيها الاقرع ؟ ارتعد الشاب وتلعثم في كلامه ..

أوضح للسادة رؤيتي في تطوير ملعب السور..

ومن سمح لك بذلك؟

أحمل كل الأوراق القانونية ولي حق استغلال هذه المساحة

أنا أقول لك لا حق لك هنا أنا من يمثل المجتمع المدني بالعرائش كما أني حامي حمى الذاكرة الجماعية العرائشية..

وما علاقتي أنا بالذاكرة الجماعية؟ أنا رجل يستثمر ماله من أجل توفير ملعب بموصفات حديثة لساكنة المدينة.

يبدو أنك جاهل و سمج رغم أني سمعت أن أسرتك من أبناء المدينة المعروفين.

إسمع أيها النزق، الأرض التي تقف عليها هي أرض مقدسة هذا ملعب “السور” يمثل الذاكرة الرياضية لمدينة العرائش لعبت هنا أجيال وأجيال ولن تأتي أنت بسروالك القصير هذا لتمحوا كل هذا التاريخ..

آه يا سانشو، أخرج سانشو من سرج حصانه صورة بالأبيض والأسود لرجل يقف وسط ملعب السور يرتدي في قدميه “حلامة” وشعره أشعث وملابسه مغبرة، منحها للشاب في الملعب، أخذها الشاب وراح يتفرس فيها..

قال دونكشوط أتعرف من في الصورة ؟ أجاب الشاب بالنفي، إنه أنا هذه الصورة التقطت سنة 1975 حين فزت بأحسن لاعب بالدورة الرمضانية، بعد تسجيلي لهدف أسطوري بضربة مقصية جاءت من كرة ثابتة رفعها اللاعب باقجيجو، -ظهرت علامات الذهول المخلوط بالبلاهة على وجه الشاب – هل تريد اليوم أن تمحو تاريخي و تاريخ باقجيجو؟ من أجل ملعبك العشبي السخيف، “كامبو د السور” تاريخ مدينة العرائش وذاكرتها الرياضية الجمعية وهو أمر لن أسمح بالمساس به.

قال الشاب : يا سيد دونكيشوط، أحترم تاريخك وتاريخ باقجيجو، لكن ملاعب أعرق مثل المراكانا الذي لعب فيه بيلي و ملعب برنابيو الذي قلد 14 دوري أبطال أوروبا وتم تغييرهما و تطويرهما وأصبحت مرافق حديثة ملاعب و مراكز للتسوق وهو الأمر الذي أطمح أن احققه لمدينة العرائش، كما أعدك أن يبقى اسم الملعب “كامبو د سور”

رد دونكشوط وقد اعتراه الغضب هذا الكلام “سير قولو لموك”  هذه العرائش لها مجتمعها المدني الذي يحميها وما دام دونكيشوط حيا لا يتغير فيها شيء، كلام أخير، اصرف نظرا عن هذا المشروع كامبو د السور، أحد رموز الذاكرة الجمعية بالعرائش ولن يمسه أحد انتهى الكلام.

استدار دونكيشوط منطلقا ليلحق به سانشو و الحمار من جديد

انتصرنا من جديد يا سانشو أنقذنا مدينتنا من الغزاة الذين يريدون طمس هويتنا وسرقة تاريخنا المجيد، غمغم سانشو بكلام غير مفهوم، استشعر دونكشوط تبرما في محيى سانشو، فأوقف فرسه واستدار نحوه ، ما بك يا سانشو لا تعجبني أحوالك هذه الأيام ولا أجد فيك الحماسة ونحن نخوض كل هذه الحروب و المعارك ؟

يا سيدي إننا نحارب طواحين الهواء و اليوم تأكدت أننا بلهاء فقد كان كلام المهندسة و الشاب معقول أي إرث و أي ذاكرة مريضة تمنع كل المدينة من التقدم نحو الأمام، لقد أصبحا عصا غليظة في مسير عجلة التطور

ماذا تقول أيها الأبله و الله لو نطق الحمار الذي تركبه لقال قولا خيرا مما قلته

عن أي تطور تتحدث؟ هل تريدنا أن نصبح مثل طنجة و مراكش و الرباط، نحن العرائش أن سلمنا الرطوبة و العفن والضباب ماذا بقي من مميزاتنا؟ أصمت أيها الأبله وواصل المسير..

سيدي ألا ترى أننا خسرنا كل معاركنا وأن كل تدخلاتنا تزيد الأوضاع سوء ؟

آه ألم أقل لك أنك أبله نحن لا نخوض المعارك لننتصر، نحن نخوض المعارك من أجل المعارك، ما نفع دونكشوط وسانشو والحمار اذا لم يكن هناك صراخ، من سيتذكرنا أو يحكي عنا، بدون ضجيج ماذا سنفل في ليل الشتاء الطويل، علينا دائما أن نخلق المعارك الوهمية ونصنع انتصارات زائفة لا لشيء فقط لكي نبقى في الصورة .. هل فهمت أيها الغبي ؟

حرك سانشو رأسه على مضض بالإيجاب لا لشيئ فقط لينهي هذا الحوار الذي لن يصل لشيء

استدار دونكشوط بفرسه وخاطب سانشو حيا أسرع فأمامنا معركة أخرى

سأل سانشو  ألن نرتاح قليلا من هذه المعارك الأبدية؟

أصمت إنها معركة مصيرية، يقال أن أحدهم يريد هدم الشرفة الأطلسية

لا بأس بقليل من الطعام ولا تنسى إطعام الحمار.

م.ص

 

 


شاهد أيضا
تعليقات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.