سنة بعد وفاة الشاعر والأديب حسن الشريف الطريبق

العرائش نيوز

 بقلم: الدكتور محمد سَرُّو

 إن الفكر المعاصر، بعد الانتفاء النسبي للإيديولوجيا، وللنظريات الذاتية القائمة على العرق أو الجنس أو اللغة، لم يعد يكترث لا بهذه أو بتلك، بل أضحى يهتم بالعلوم الإنسانية في جوانبها المتعددة والمتشابكة، وبالنقد.

وهذه المقالة، التي تندرج في إطار تكريم الأستاذ حسن الطريبق، في الذكرى السنوية الأولى بعد وفاته، جاءت خالية من النقد، مثل جميع مناسبات التكريم، بل تطمح إلى الاهتمام بما يمكن اعتباره عربونا على الاحترام، والتقدير، والإعجاب بما كان يملكه من ملكات العلم والتحصيل، وكذلك اعترافا وإطراءً وثناءً وإشادة بدماثة أخلاقه، وحبه للغير، وطبعه الهادئ المتواضع، وسلوكه الإنساني السوي.

أتمنى أن أكون قد وفقت، في هذه الورقة، في التعبير عما يناسب شخصه، وحجمه، ووضعه الاعتباري.

إذا كان حسن الشريف الطريبق يعتبر شاعرا، وأديبا، ولغويا، وأستاذا جامعيا، وإذا كانت هذه الألقاب تحيل على مفهوم المعرفة، فإن هذا الأخير هو الذي كان وراء لقائي به لأول مرة. ذلك أنه بعد مناقشة أطروحتي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط سنة 2012، لنيل دبلوم الدكتوراه، في موضوع ”النظر والتجريب في الطب الأندلسي بين ابن رشد وابن زهر”، طلب مني صهري نسخة لإهدائها لحسن الطريبق بحكم معرفته به. وبعد قراءتها وإبداء إعجابه وتقديره بهذا العمل، طلب منه هذا الأخير لقائي، وهو ما تم بالفعل.

وقد كان هذا اللقاء الأول مناسبة للتعارف، وتبادل وجهات النظر، حول قضايا تهم البحث العلمي وشروطه، والكتابة الإبداعية ومقتضياتها.  

وكعادته، وهي عادة كل من يثق ثقة تامة في أستاذيته، وهو ما سأكتشفه فيما بعد، لم يبخل عني الرجل بإسداء النصح والمشورة والتوجيه، فيما كنت بصدد اقتحامه، والتوغل في منعرجاته. وبما أنني كنت متعطشا لمثل هكذا توجيهات، تصدر عن شخص اجتمعت فيه مقومات ومواصفات الكفاءة العلمية، والدراية اللغوية، والالتزام المعرفي، والتواضع الأكاديمي، والبعد الاجتماعي، فقد تعمقت علاقتنا، واستمرت لقاءاتنا لتُثمر صداقة متينة، تجاوزت، مع الوقت، الموضوعات العلمية والقضايا الفكرية، لتشمل الهموم ذات الأبعاد العائلية والاجتماعية.

وبما أن علاقتي به، ابتدأت بعدما أُحيل على التقاعد، فقد كان الرجل حريصا على تناول وجبة الفطور كل صباح في مقهى فالينسيا بالعرائش، ثم بعد ذلك، يمر عند البقال الموجود قرب المقهى بشارع محمد بن عبد الله، لاقتناء بعض المستلزمات اليومية الضرورية من ماء معدني، أو مواد النظافة المنزلية، إلى غير ذلك، قبل الذهاب إلى السوق المركزي (البلاصا) لشراء ما يتطلبه مطبخ الحاجة أمينة زوجته، التي كان يقدرها كثيرا ويحترمها، من خضر وفواكه وأسماك ولحوم. ما يمكن ملاحظته هو أن الرجل لم يكن شحيحا، حيث كان يؤدي ثمن مشتريات دون تساؤل أو (تفاوض) حول الثمن، كما كان يبتاع، في كثير من الأحيان، بعض الحلويات، والشوكولاته، والمشروبات الغازية، مبررا ذلك بوجود أحفاده في المنزل مما يدل على رهافته، وعاطفته، وحنانه، وحبه لأولاده وأحفاده.

وقد كنت ألتحق به، عندما تسمح ظروفي بذلك، بذات المقهى، الذي أضحى يشكل مع، مرور الوقت، فضاء ثقافيا بامتياز، حيث كانت تُناقش قضايا فكرية وعلمية بعينها، أو مواضيع الساعة، السياسية منها أو الاجتماعية أو القانونية، يثيرها بعض الحضور، أو تشكل العناوين الرئيسية للجرائد اليومية التي كانت توفرها المقهى لروادها.

وتعددت اللقاءات واتخذت، بين الفينة والأخرى، شكل شبه موائد مستديرة يرأسها الفقيد، بحضور دائم تقريبا لشقيقه الأستاذ المتقاعد عبد الرزاق الطريبق، وصديقه العربي الرزامي، كما كان ينضم إليها، بعض الأساتذة والأعيان والمثقفين. وقد كانت النقاشات، رغم تعدد المواضيع التي تثيرها، تدور في جو من الهدوء والاحترام المتبادل دون صخب، أو ضوضاء، أو مشاحنة، أو ملاسنة. فمزاجه الهادئ غير المتعصب، والمؤمن بنسبية الأفكار والأشياء، إلى جانب شخصيته المتزنة والرصينة يفسران لوحدهما ما كان يحظى به الرجل من تقدير وتبجيل داخل الوسط الشعبي والثقافي العرائشي، هذا فضلا عن كون حضوته وأستاذيته كانتا حاضرتين باستمرار، ولا غبار عليهما، المستمدتين من تاريخه العلمي الزاخر بعدة مؤلفات همت مجالات الشعر، واللغة، والأدب، والنقد، والمسرح، والترجمة، والكتابات الصحفية، إضافة إلى تأطيره للكثير من الطلبة الجامعيين، بل إن أعماله المنشورة كانت موضوعا لعدة أطروحات جامعية، كما أن استضافته في الكثير من اللقاءات الصحفية، والبرامج الإذاعية والتلفزية، وحضوره وتسييره للعديد من الندوات العلمية،  يدل على أن الرجل وصل مرحلة النضج، ما جعل زملاءه المثقفين،[1] ومريديه وتلاميذته يستأنسون بآرائه وعلميته؛  وأنا كنت واحد من هؤلاء، حيث كنت أعرض عليه ما كانت تجود به قريحتي من مقالات أو مواضيع فكرية لإبداء رأيه فيها. وقد كان رحمه الله، بأستاذيته المعهودة، لا يتوانى في ممارسة عملية التأطير والنقد فيما كان يبدو له موضوعا للنقد والتصحيح، كما كان لا يتردد، بلباقة قل نظيرها لدى من هم في مستواه ودرجته، في تنقيح ما كان يقتضي التنقيح. وكان يلجأ غالبا، كوسيلة للإيضاح أو الإثبات في سياق نقاش موضوع معين، إلى رواية بيت أو عدة أبيات شعرية لشاعر مرجعي في الثقافة العربية الإسلامية؛ فالرجل كان حافظا، عن ظهر قلب، لجُل أشعار العصر الجاهلي، وصدر الإسلام، والعصرين الأموي والعباسي، وهو ما يفسر غناه اللغوي وثراه المعجمي اللذان أهّلاه ليس لولوج آفاق التدريس في الحرم الجامعي، بعد ما كان أستاذا في السلك الثانوي فحسب، بل كرسهما أيضا في التأصيل النظري والبحث الأكاديمي والتبسيط العلمي، مما جعل دروسه ومحاضراته في المدرجات تحظى بحضور طلابي كثيف، حسب ما حكاه لي بعض الناشرين.

وقد تجلى هذا التأصيل لديه في محاولته دراسة وتحليل الشعر المسرحي المغربي من خلال تناوله لموضوع متشعب، رصد فيه الشعر العمودي، والتفعيلي، والمنثور، وكذلك المسرح بتقنياته، وشروطه، وتجديداته، وأصوله، متوسلا، في ذلك، بمنهج اعتمد على الوصفية، والتحليلية، والفنية، والتاريخية، والنقدية.

في كتابه ”الشعر المسرحي في المغرب حدوده وآفاقه” المستمد من أطروحته، التي ناقشها في كلية الآداب بفاس، لنيل الدكتوراه، كتب يقول: «لا يمكن أن تكون دراسة التجربة الشعرية المسرحية في المغرب، حاملة لسمات النضج والوجاهة إلا إذا حصل الربط بين الخيوط المسرحية كلها، والاتجاه إلى المقارنة بين العطاءات المسرحية، شعرا ونثرا، لاستنتاج الأحكام في رؤية نقدية شاملة ودقيقة، لأن الاكتفاء بأخذ جزء من الكل للحكم عليه وكأنه مقطوع من شجرة، سيكون غير ممكن أن يتيح الفرصة للإصابة في التقرير والتصوير، لهذا فإن المطلوب، وبالضرورة، هو ملاحظة أين يقف مؤشر الحرارة في تجربتنا المسرحية العامة، وما هو حظ شعرنا المسرحي في تكوين تكاثفاتها وفي المشاركة لأجل الظهور بمظهر مناسب ضمنها؟ وما هي خصائص تكوينه وتطوره؟ لأنه بذلك سيتأتى تحديد طبيعة التجربة ككل وسيحصل الإلمام بموقع الشعر المسرحي فيها. وهكذا سيكون الاكتفاء بأخذ الشعر المسرحي وحده، لدراسته لا يعني تفتيتا وتجزيئا بقدر ما يعني تحديدا موضوعيا سيعين على سبر الغور وإدراك الواقع المسرحي المغربي  في هذا المنحى على المنوال الذي يسمونه اليوم : ”التجزيئية الكلية”.»[2]

وفي وصفه للحالة المسرحية المغربية العامة يضيف قائلا : «بعد سير مليء بالتعثر والوعظية، وبالتحمس المشفوع بالعاطفة الدينية والقومية، وبالتقليد، والاقتباس، والمحاكاة والبحث عن الأشكال الجديدة في تجريب متأرجح، أخذت هذه الحالة صورة غير قارة إلى الآن، وغير متميزة الملمح “ولا سيما في بلد ليست له تقاليد مسرحية ولا مدارس لتكوين الفنيين، ولا مسرحيات منشورة ولا مسارح مجهزة ولا قوانين ملائمة للنشاط الثقافي والفني”.»[3]

ويُعبِّر، لتفسير هذا الوصف، بالقول : «فالخيط الرابط بين حلقات التاريخ المغربي في هذا المنحى، تصرم وتمزق، نتيجة عوامل الانكسار والانعزال في ميادين الحضارة والفكر ببلادنا، ونتيجة ما صحب هذا الانكسار وذاك الانعزال من تقهقر متتابع أدى إلى انقطاع سبل الاتصال بموروث بلادنا التقليدي في الأشكال المسرحية. وبهذا ضاع الأثر وضاع معه الموروث وبقيت منه بعض الومضات التي لا تستقر ليشع ضياؤها. ومهما يكن فإن البحث في هذا الجانب ما زال مطلوبا للمزيد من الكشف.»[4]

وبعد دراسة الشعر المسرحي عند الغرب والعرب، ثم الشعر المغربي الحديث، وبداية الشعر المسرحي المغربي، انكب على تحليل مضمون المسرح المغربي في أبعاده التاريخية، والغنائية، والسياسية قبل الخوض في قضايا الشكل الفني، سواء على مستوى اللغة، أو مستوى الأوزان الشعرية؛ ليخلص إلى القول بإيجاز: «إذا نظرنا إلى الموضوع في حدود التجربة الشعرية المسرحية بالمغرب، لألفينا أنها تجربة لا تضمن لنفسها مركزا موحد التشكل والإفصاح، لأن السمة الغالبة على المسرحيات المذكورة، هي أنها متفاوتة فيما بينها، من حيث موضوعاتها، وقواميس لغتها، وأوزانها وموادها المسرحية على حسب مستوى هذا الشاعر أو ذاك. ولئن كان هذا من الأمور الطبيعية، فإن حصوله يخضع لاعتبارات معينة تمتزج مع بعضها البعض لتألف في الأخير امتدادا لا يأخذ المتسع اللازم للحركة والنمو السريعين.»[5]

ولأن الرجل كان يعتقد ويؤمن بما يكتب، فقد اعتبر أن المسرح ليس من شأنه أن يعرض مجريات الصراع السياسي أو الاجتماعي بل وحتى جانبه العسكري الدموي إلا في وصفه، وليس في مجراه الحاصل بالفعل والمباشرة؛ فذلك من شأن الأفلام السينمائية، وغيرها، بل كان يرى بالأحرى أن وضع المسرح في صورة لوحات شعرية، هو الأنسب لاستيعاب الانسياحات الشعرية/المسرحية، في تشخيص وحدات الحدث الذي يكون غير محدود المكان أو الزمان. لذلك، نشر عدة مسرحيات شعرية نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر “وادي المخازن”، “مأساة المعتمد”، “بين الأمواج والقراصنة”، “كسيلة”، “الساعدان: العرب والبربر”.

ولأنه كان يتوفر على حس وطني جياش، ومتحمس، لاستئصال البلد من مظاهر التخلف والجهل، فقد كان يرى أن المقاومة الريفية المسلحة تشكل مثالا فذا وفريدا، بما تجسد فيها من قيم وأفضت إليه من نتائج أعادت الوعي إلى الشعب المغربي، وعمقت حركة تفاعله به، لأجل الاستعداد لمباشرة النضال الوطني السياسي، يروم فك البلاد من قبضة الاستعمار. لأجل ذلك وغيره كتب المسرحية الشعرية “أنوال في مواكب الإشراق”[6].

وانسجاما مع وعيه الوطني، وتناغما مع قناعاته السياسية والفكرية، انخرط الفقيد منذ شبابه في العمل السياسي، وانتمى إلى حزب الاستقلال، وناضل داخل صفوفه، وكان يعتبر من انتلجنسيا الحزب، وصديقا لمؤسسه وزعيمه علال الفاسي. ونتيجة لهذا الالتزام والنشاط السياسين، اعتقل بمدينة العرائش، على خلفية محاولة الانقلاب العسكري للصخيرات سنة 1971، وعُذب أشد عذاب، ولم يطلق سراحه، بعد معاناة دامت أكثر من شهرين، إلا بعد تدخل حاسم للزعيم علال الفاسي لدى السلطات المغربية، وقد وصف ذلك بأسلوب روائي متميز في كتابه “مذكرات سجين” قائلا: « إن تدخله (علال الفاسي) الآن لافتكاكي أنا الضعيف إلى الله، مفخرة لي وشهادة تؤكد براءتي، وتزيد في تلميع صورتها وتأكيد سلامة أديمها من كل برقعة أو خدش أو تجريح. فهذه مفخرة وأي مفخرة تكفي بمفردها لتقوم مقام كل شيء سليم وبريء.»[7]

ولم تكن هذه المحنة لتثنيه عن مواصلة التزامه الإيديولوجي، ودفاعه عن قيم الحزب وعقيدته (المحافظة)؛ وقد عبر عن ذلك أصدق تعبير قائلا: «فأنا وطني شريف محب لبلده ولقيم وطنه ومبادئ انتمائه السياسي. ولن تستطيع مرحلة الهوان الحضاري الجارية الآن، وفي ظرفها الاستثنائي أن تجرف ما هو واقع وحاصل في سلوكي وفي تفكيري وشعوري وإخلاصي للوطن ولقيمه الوطنية والدينية. أنا هكذا، ولن أكون على غير ما أنا عليه لمجرد إرادة حاقدة وظالمة لأشخاص كان يهمهم أن يظهروا نقمة أنفسهم وسوادها بقسوة هي فوق القسوة، وبوحشية هي وباء أخلاقي خطير. لقد مارسوا وحشيتهم بوحي مما هم موبوؤون به. فأنا ضحية هذه الوحشية وتلك القسوة. ولكن ذلك لم يكن ليثنيني عن الدأب الذي درجت عليه وتربيت على ناموسه.»[8]

إن الحرب الباردة، التي اشتد وطيسها، نهاية خمسينيات القرن الماضي، بين قطبين عالميين اثنين، ولم تحط أوزارها إلا بعد سقوط جدار برلين، نهاية الثمانينيات، كان لها أثر وتأثير على باقي بلدان العالم ومن ضمنها المغرب الذي كان يتقاسمه، إيديولوجيًا، تياران ثقافيان وسياسيان اثنان: تيار يساري اشتراكي ينهل من ثقافة وفلسفة الأنوار التي تدعو إلى الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والتسامح، والعقلانية، والعلمانية، والحرية، وصيانة حقوق الإنسان، وتيار آخر سلفي يميني مهادن، يغرف من ثقافة ومفاهيم الحضارة العربية الإسلامية القروسطية.

وفي ظل هذا التنافس والتقاطب والاستقطاب بين تيارين، استمدا وجودهما من الحركة الوطنية الملتئمة، قبل حصول المغرب على استقلاله، على الكفاح والنضال من أجل فك الارتباط مع المستعمر؛ اصطف الرجل وانتصب، مدافعا عن قيم الحزب ومبادئه وعقيدته، سواء داخل قبة مجلس النواب، حيث كان برلمانيا ممثلا لمدينة العرائش، أو على صفحات جريدة العلم، لمقاومة والتصدي لما كان يعتبره امتدادات التيار اليساري سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وقد جمع كل ذلك في كتاب عنونه بالسجالات النقدية، نشر بعد مماته سنة 2022. وهذه الكتابات اهتمت، في نقدها، بالهم الثقافي الإبداعي، لا الإيديولوجي، حيث كتب في مقدمة المؤلَّف ما يلي: «هذه سلسلة متصلة من السجالات النقدية التي كنت قد نشرتها على أعمدة “الملحق الثقافي” لصحيفة (العلم) فيما بين سنتي: 1972 و1992، أي في مرحلة كان فيها الصراع السياسي المتعدد الأوجه والمتداخل الأنسجة في ما بين فقرات الجسم الوطني، شديد الاصطخاب والتأجج، وكنت مجبرا على المشاركة بها لتوضيح موقفي من قضايا أدبية وفكرية محضة.»[9]

وإذا كان ظاهر هذا الهم، ثقافيا، فإن باطنه، كانت تستحوذ عليه قضايا إيديولوجية، أثارها، في تلك المرحلة، التنافس بين منظومتين فكريتين، تمنح كل واحدة منها لنفسها، درجة أعلى من الوثوقية واليقين؛ وقد كان واعيا بذلك حيث أضاف قائلا: «إن تجنيحات خاصة قد حصلت وواجهتني بلفح هجيرها وحمارة قيضها وكانت تميل أحيانا إلى:

  • تعبيث النقاش والزج به في زوايا بعيدة أريد بها حصره في ثنائية حزبية لم يكن لها داع، صيانة للذات الوطنية وليس تطويحا بها وتشتيتا لها، وذلك بدافع مؤثرات ذاتية ونزوات كانت في أول الأمر محدودة، ولكنها توسعت واتخذت صورة عامة خرجت عن مجالات الشعر والأدب إلى سراديب إيديولوجية مفعمة بغير قليل من النزق والاهتبال.
  • استغلال هذا النقاش لتتييه الحقيقة في انشكالات منبهمة والاكتفاء بالسعي إلى تشظية أواخي التلاقي السليم لإعاقة تبادل الرأي بمكاشفة، أو الأحسن أن أقول: بمسؤلية أخلاقية نقدية خالية من “النرفزة” و”التدليس” و”سوء القصد”.»[10]

وهذا الوعي هو الذي دفعه إلى عدم الخوض في المسائل الإيديولوجية المحضة، بقدر اهتمامه بالقضايا الفكرية، وقد صاغ ذلك في ذات الكتاب بقوله: «اختلاف نظرة النقاد إلى الإبداع والمبدعين، ستبقى حاصلة باستمرار، وذلك، نظرا لرؤية كل فريق منهم، حيث يركز أصحاب النقد الإيديولوجي على ما يتفق مع إيديولوجيتهم، اقتناعا بالمقولة التي تقول بأن(الأدب شكل إيديولوجي) فيعطون الأولوية لقضايا المجتمع ولمدى ارتباط التجربة الإبداعية بهذه القضايا من منظور جاهز معلوم وصادر عن داعي فلسفة هذه الإيديولوجية، في حين تتسلط عناية النفسيين على التعمق في النفسيات وتحليلها، من زاوية علم النفس. أما الجماليون، فيقصرون رؤيتهم على الجوانب التعبيرية والفنية تقيدا واسترشادا بالاستيتيقا أو فلسفة الجمال…وهكذا تتعدد الاهتمامات وتأخذ شكل دروب متعددة تختلف تصميما، وترصيفا واتساعا، وإنها، في اختلافها، تفيد، جزئيا، في التناول، والاستيعاب، وأيضا في التحديد والكشف. إنما يبقى هناك ما يدعو إلى التناول الكلي حتى لا تبقى النظرة جزئية قاصرة عن إدراك كل عناصر التجربة الإبداعية. لهذا يكون مطلوبا عدم ربط هذه التجربة بالنظرة الجزئية أو بمقتضيات المنهج الواحد، مهما كانت قيمة تقسيماته وتبويباته، وقيمة الانتظام الذي يتحقق للتحليل عبر ممارسة العملية النقدية والدراسية في ضوئه، لأن الإحاطة، واستغراق الإلمام، والتمثل لا يحصل إلا إذا تحقق الشمول في التناول، مع التدقيق والتتبع، دون إغفال لأي جانب من الجوانب، سواء كان مرتبطا بالشكل أم بالموضوع، ودون استناد مسبق لقناعة جاهزة تكون دائما. وأمام جميع التجارب والحالات، هي النتيجة والهدف..فأحسن ما يحق اعتماده وتخصيصه، هو التدقيق المنظم الهادف في التعامل مع الإبداع والفكر، بحيث لا ينبغي تسليط الاهتمام على مبلغ ارتباط التجارب الإبداعية بالواقع الاجتماعي والسياسي من خلال منظور خاص يعطي الرجاحة الأولى للدوافع الحزبية ويهمل سواها إهمالا مقصودا، حتى كأن الغاية ليست هي التحليل الموضوعي الموسوم بالنزاهة، والاستقامة الفكرية، وإنما هي خدمة الانتماء(إلى الأممية) بفهم معقوف كسنابك الحصان، وبتعصب ملح في الاستعداء والإيذاء ضدا على نزاهة النقد وموضوعيته. كما لا ينبغي الاقتصار على تناول الشكل الفني  في قوالبه الفنية وتقسيماته الجمالية والبلاغية دون عناية بباقي الأجزاء الأخرى التي تتألف منها التجربة.»[11]

لقد أتينا بهذا النص على طوله، لنوضح مدى تعلقه وانحيازه إلى صف النقد الموضوعي، ومع ذلك لم يسلم، مثل الجميع، من الذاتية والسقوط في فخها، بل نجده يدافع عنها باستماتة، حيث نقرأ له: «لقد حكم عليَّ إبراهيم الخطيب بأني شاعر سلفي. والسلفية، في نطاق المفهوم الذي اكتسبته بالتمرس والحضور، نابعة من الذاتية المغربية، ومن طبيعة العالم الإسلامي، ولذلك فهي تجسيد لمشخصات متكاملة عميقة التفاعل والتأثير. ورغم أنني من مواليد 1938، ودرست في مدارس مزدوجة اللغة(العربية والإسبانية)، أعتز بالانتساب إلى المدرسة السلفية المغربية في خطها المتطور، فالسلفية تمثل أنصع وأنقى واجهة في تاريخ المغرب، لأن الجيل الذي يمثلها امتاز بالقدرة على التوفيق بين ثقافته وسلوكه، وبكونه استخدم ذلك في نضاله السياسي للتعجيل بتحقيق الاستقلال والوحدة والديمقراطية.»[12]

وبعد، فإننا لا نريد أن نسترسل في هكذا نقاش، حول قضايا فكرية وإيديولوجية، لا تستصيغها ولا تريد الخوض فيها هذه المقالة.

لقد عاش الأستاذ حسن الطريبق، كما عرفته في العشر سنوات الأخيرة من حياته، رجلا مثقفا، مهتما أيما اهتمام بالمسائل اللغوية، وملما تمام الإلمام، بالجوانب التعبيرية والجمالية؛ لذلك كان عاشقا للحياة في أبهى صورها، وأنبل معانيها.

 

 

[1] – في حفل تأبينه، الذي حضره الأمين العام لحزب الاستقلال وصحافيين وأساتذة جامعيين وشعراء ومثقفين آخرين، إضافة إلى عائلته وأصدقائه، تمت الإشادة بأصالة الفقيد في الكتابة والإبداع، وبعدم لجوءه إلى ما بات يعرف في أدبيات الحاسوب بنقل-نسخcopier coller.

[2] – الطريبق حسن، الشعر المسرحي في المغرب: حدوده وآفاقه، دار النشر سليكي إخوان، 2007، ص:9.

[3] – نفسه.

[4] – نفسه، ص:13.

[5] – نفسه، ص: 395.

[6] – الطريبق ح.، أنوال في مواكب الإشراق، مسرحية شعرية في أربع لوحات، منشورات مجلة روافد ثقافية المغربية، تطوان، ط.1، 2016.

[7] – الطريبق ح.، مذكرات سجين، سليكي إخوان، طنجة، 2022، ص: 146.

[8] – نفسه.

[9] – الطريبق ح.، السجالات النقدية، سليكي إخوان، طنجة، 2022، ص: 3.

[10] – نفسه.

[11] – نفسه، ص:53-54.

[12] – نفسه، ص: 7-8.


شاهد أيضا
تعليقات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.