مواقف إسبانيا من الهجرة المغربية

العرائش نيوز:

حسين مجدوبي

يعتبر موضوع الهجرة من المواضيع الرئيسية في الأجندة السياسية الإسبانية، خلال الثلاثة عقود الأخيرة، شأنها شأن باقي الدول الأوروبية. وتؤثر الهجرة، كعنصر جديد، في رؤية الرأي العام الإسباني تجاه المغرب، وتجاه الجالية المغربية. والهجرة من المواضيع الطارئة على العلاقات الثنائية، وتحولت إلى مشكلة شائكة تدريجيا منذ أواسط التسعينيات، عندما تفاقمت ظاهرة قوارب الهجرة من شمال المغرب نحو شواطئ الأندلس.
وإذا كانت أدبيات الهجرة في أوروبا، مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا، تتحدث عن وصول المهاجرين والبحث عن فرص الشغل هربا من التخلف في بلدانهم، وهي الظاهرة التي أخذت بعدا كبيرا بعد الحرب العالمية الثانية لبناء هذه القارة، فالخطاب الإسباني بشأن الهجرة يختلف نسبيا، إذ لا يتردد بعض المؤرخين وبعض المحللين في وصف الهجرة المغربية نحو إسبانيا بـ»عودة الموريسكيين»، وما يرافقها أحيانا من مصطلحات سياسوية رخيصة مثيرة للجدل، تحيلنا وتخبرنا بالتماثل الحاصل في المخيال الإسباني مثل «استعادة الأندلس».

الخطاب الإسباني لدى المتطرفين من الإسبان المروج لفكرة ربط الهجرة المغربية والإسلامية بالتغلغل مجددا لاستعادة الأندلس، يستلهم أفكاره من التاريخ ومن حركات أوروبية متطرفة، تدعم نظرية «الاستبدال العظيم»، أي التسرب الإسلامي لتغيير ديمغرافية أوروبا والغرب برمته. وأسس لهذه النظرية الفرنسي رينو كامو، مدعيا تعرض الساكنة البيض الأوروبيين لإبادة صامتة. ويؤكد علماء الاجتماع في إسبانيا أن الهجرة تعد الظاهرة الأبرز التي يعيشها المجتمع الإسباني منذ الثمانينيات. وعلى مستوى التصور السياسي، يمكن رصد ثلاث رؤى سياسية – اجتماعية في إسبانيا تجاه الهجرة المغربية، وهي مرتبطة بالعناصر المكونة للبانوراما السياسية: رؤية عنصرية متطرفة، رؤية يمينية وليبرالية معتدلة ورؤية يسارية تقدمية ومتساهلة.

الرؤية المتطرفة

يقوم خطاب «حزب فوكس» على طرد جميع المهاجرين غير القانونيين وعلى رأسهم المغاربة، ويطالب بفرض إجراءات صارمة على المهاجرين المسلمين، مثل التشدد في منح الجنسية الإسبانية والتجمع العائلي. وفي الوقت ذاته، وعند نشوب أزمات مع المغرب، يطالب بطرد المغاربة من إسبانيا، جاعلا من الجالية المغربية أداة للابتزاز. ويرى في الجالية المغربية عنصرا يهدد تماسك إسبانيا المسيحية، ولهذا ينصح بوقف استقدام العمال المغاربة الموسميين، وتعويضهم بعمال من أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية. وتأخذ اتهاماته مستويات سريالية في بعض الأحيان.، ويطرح الحزب ضرورة الحد من ارتفاع عدد الجالية المغربية في إسبانيا حتى لا تصل إلى معدل 5% مستقبلا. وهذا تصور يسود وسط هيئات سياسية وأمنية في الغرب، تطالب بالحد من الهجرة الإسلامية حفاظا على استقرار الدول. ويستوحي «حزب فوكس» أطروحاته من نظرية «الاستبدال العظيم».

الرؤية المحافظة والمعتدلة

 الرؤية اليمينية المحافظة واليسارية الليبرالية المعتدلة، هي الرؤية التي يتبناها كل من الحزب الاشتراكي والحزب الشعبي، ولا توجد اختلافات كثيرة في السياسة التي طبقها الحزبان اللذان يتناوبان على تسيير الشؤون الحكومية في إسبانيا منذ الانتقال الديمقراطي إلى بداية العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين. ويعتبران الهجرة ضرورية للنسيج الاقتصادي الإسباني، وقطاعات مهمة منه مثل البناء والزراعة، لكن الحزب الشعبي يعتبر الهيئة السياسية التي تعمد إلى توظيف الهجرة في برامجها الانتخابية بشكل سلبي، لاسيما إبان وجودها في المعارضة عندما يكون الحزب الاشتراكي في السلطة. ولا يعمل الحزب الاشتراكي على توظيف الهجرة في خطابه السياسي بشكل سلبي، فهو يحافظ على الحد الأدنى من المبادئ الإنسانية مثل، توفير التطبيب والتدريس للمهاجرين بمن فيهم غير القانونيين والحد من الهجرة السرية عبر الوسائل القانونية والدفاع عن دور المهاجرين في تطور الاقتصاد الإسباني.

الرؤية الإنسانية

ينفرد اليسار الراديكالي، سواء مع اليسار الموحد قبل أن ينضم ابتداء من سنة 2014 إلى المشهد اليساري «حزب بوديموس»، الذي وحد عددا من الفصائل اليسارية، برؤيته الإنسانية للهجرة. ويدافع اليسار الراديكالي عن أطروحة إنسانية متقدمة وهي تسوية الوضعية القانونية لجميع المهاجرين، وتمتيعهم بالحقوق والواجبات نفسها، التي لدى المواطن الإسباني. ولا يوظف اليسار الهجرة في خطابه السياسي بشكل سلبي، بل يتجنب السقوط في الكليشيهات، بما في ذلك إبان الأزمات مع المغرب؛ وغالبا ما ينتصب بشراسة في وجه اليمين لدحض أطروحاته المتطرفة تجاه المهاجرين. وسجل البرلمان الإسباني منذ 2018 مواقف مشرفة لليسار في مواجهة أطروحة فوكس العنصرية ضد المهاجرين، وأساسا تلك التي تستهدف المغاربة. وعموما، تبقى الأحزاب الإسبانية في علاقتها بالهجرة قاصرة في فهم أكبر للظاهرة، إذ لم تشجع سواء اليمين أو اليسار المهاجرين على العمل السياسي، مثل ترشيح البعض منهم في لوائحه الانتخابية، وإن حدث فبشكل محدود. وبدأت الأحزاب تقبل بترشيح بعض المهاجرين المغاربة في صفوفها باحتشام شديد، عكس الأحزاب السياسية الأوروبية، خاصة شمال القارة. ومن باب المقارنة، تعتبر الأحزاب القومية ومنها في كتالونيا، مثل الحزب الجمهوري الكتالاني أكثر تقدمية من باقي الهيئات السياسية الأخرى، فقد كان سباقا إلى منح المهاجرين المغاربة فرصة للترشح والفعل السياسي.
تعد الهجرة من المواضيع الطارئة أو الجديدة في العلاقات بين المغرب وإسبانيا، وعلى نحو متزايد تكتسب أهمية قصوى، لاسيما بعدما تحولت إلى موضوع شائك يفجر أزمات كبرى بين البلدين كما وقع في مناسبات عديدة مثل أزمة مايو 2021 عندما سمح المغرب بدخول أكثر من عشرة آلاف مغربي في ظرف 24 ساعة إلى سبتة يوم 16 مايو، كرد على موقف حكومة مدريد من مناهضة الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء خلال ديسمبر 2020. كل معالجة للهجرة المغربية في الغرب، يجب أن تستحضر خاصية وضع الجالية في إسبانيا، الذي تتحكم فيه السياقات التاريخية والنزاعات الحالية المهيمنة على العلاقات بين المغرب وإسبانيا. وهذا يجر إلى تساؤل عريض حول مستقبل الهجرة المغربية في هذا البلد، وتتراوح الأجوبة بين الإحساس العميق بالتشاؤم، اعتمادا على مبدأ المقارنة مع مكتسبات الجاليات المغربية في دول أخرى، والتسلح بنوع من التفاؤل إيمانا بغلبة الحكمة وعدم استمرار هذه الهجرة عملة ابتزاز توظف في النزاعات، سواء من المغرب أو إسبانيا.


شاهد أيضا
تعليقات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.