العرائش نيوز:
– دكتور سعيد الغازي: باحث جامعي، مدير المجلة الاسبانية للدراسات السياسية و الاجتماعية.
الانتخابات الإسبانية في السنوات الأخيرة ليست مجرد تداول ديموقراطي اعتيادي على السلطة كما هو الحال في الديموقراطيات المستقرة، إسبانيا دولة حديثة العهد بالديموقراطية، بالاضافة الى كون طبيعة المشاكل المجالية و السياسية التي تعاني منها – مثل مشكل الإنفصال الكتلاني و إصلاح المؤسسة الملكية – يجعل البلد في حاجة الى توافقات سياسية كبرى لا يمكن تحقيقها الا في اطار توازنات سياسية تمنح التيارات التقدمية وزنا سياسيا متقدما، سواء على مستوى الحكومة المركزية في مدريد أو على صعيد الأقاليم و الجهات التي تتمتع بدرجات متفاوتة من الاستقلالية و الحكم الذاتي.
للأسف الانتخابات المحلية و الاقليمية الأخيرة زادت من تعقيد المشهد السياسي، فالحزب الاشتراكي العمالي الإسباني الذي يمثل صوت الاعتدال السياسي و يعتبر الرقم الصعب في معادلة التوازن الوطني مني بخسارة فادحة في عدد من المناطق التي كانت تعتبر الى حد قريب خزانه الانتخابي مثل إقليم الأندلس، هذا الإقليم الذي شهد انتخابات محلية حصد فيها الحزب الاشتراكي هزائم ثقيلة في مواقع كانت تاريخيا محسومة لصالحه مثل اشبيلية بسبب حاجز نفسي-ثقافي كان يمنع القاعدة الشعبية من التصويت لصالح اليمين القومي المحافظ، الحاجز الذي انهار يوم 28 ماي الماضي معلنا تغييرا جوهريا في العقلية السياسية للأندلس، أهم المناطق الإسبانية من حيث عدد السكان و الرمزية التاريخية.
عموما في هذه الانتخابات المحلية و الإقليمية – حوالي 12 اقليم من أصل 17 هي عدد الجهات المكونة للدولة، خمس أقاليم كانت الانتخابات فيها محلية فقط منها تلاث تسيطر عليها حكومات يمينية يقودها الحزب الشعبي – تمكن الحزب الشعبي من الحصول على المرتبة الأولى من حيث عدد الأصوات في سبعة أقاليم هي مدريد، بلنسية، جزر البليار، مورسيا، كانتبريا و أخيرا لاريوخا. فيما تمكن الحزب الاشتراكي من الصمود في أربع ولايات هي قشتالة لامنتشا، اكسترمادورا، أستورياس و جزر الكناري. باستثاء الولاية الأولى التي حصل فيها الحزب على الأغلبية المطلقة، في باقي الأقليم التلاث يتعين عليه بناء تحالف يساري من أجل الحكم فيها. نفس الأمر ينطبق على الحزب الشعبي المحافظ الذي لم يحسم النتيجة الا في مدريد و اقليم لاريوخا، في باقي الجهات المستقلة يتعين عليه التحالف مع حزب فوكس اليمني المتطرف الذي تمكن من تعزيز مواقعه و التحول الى التالث قوة سياسية في البلاد بحصوله على مليون و نصف من الأصوات المعبر عنها، أي ما نسبته 7 في المائة من الكتلة الناخبة.
في ديموقراطية ناشئة مثل إسبانيا لا توجد أعراف أخلاقية راسخة تمنع الاحزاب الديموقراطية من التحالف مع المتطرفين و اليمين الردكالي، لهذا فتواجد حزب عنصري يدعوا الى اسقاط الجنسية عن المواطنين من اصول مغربية، مثل حزب فوكس في الحكومات الاقليمية و المحلية وارد جدا. و هذا ما يفسر الحركة الاستراتيجية لرئيس الحكومة بيدرو سانشيز الذي أعلن حل البرلمان و الذهاب الى انتخابات تشريعية مبكرة – قبل أربعة أشهر من موعدها الرسمي في نونبر القادم – الغرض الرئيس من هذه الخطة هو حشد قوة اليسار الإسباني الإنتخابية التي لا يستهان بها من أجل منع وصول اليمين المتطرف الى الحكم في مدريد، فهذا التيار السياسي يتسم بالرجعية الشديدة و يعارض بديهيات الدستور الاسباني مثل الجهوية و استقلالية الأقاليم. رئيس الحكومة الاشتراكي يهدف أيضا من خلال الدخول في معركة انتخابية مبكرة الى الحفاظ على وحدة حزبه و عدم فسح المجال أمام تمرد القادة الاقلميين، أو البارونات حسب التسمية المتدوالة إعلاميا، على ادارته بسبب الهزيمة الانتخابية الأخيرة.
في تفسيره لهزيمة الاشتراكيين رغم اداءهم الاقتصادي الجيد و الذي أدى الى انخفاظ معدل البطالة، يقول بابلو اكليساس، مؤسس حزب بوديموس الممثل في الحكومة الحالية: توجد هناك أزمة صامتة داخل الحزب الاشتراكي فقواعد الحزب في الاقاليم لم تفهم بعد الواقع السياسي الجديد في إسبانيا و انهيار الثنائية الحزبية و بالتالي لا تستوعب كيف يمكن لحزب اشتراكي ديموقراطي إسباني في المقام الأول، التحالف و التنسيق السياسي مع القوميين الباسك و الكتلان، بالنسبة للكثيرين هذا يعد بمثابة خيانة لإسبانيا التي ترسخت في وجدانهم و التي ربما لم يعد لها وجود.
في الحقيقة استراتيجية رئيس الحكومة حصيفة جدا من حيث المنطق الانتخابي، لكن نجاحها ليس مرتبطا بحزبه بقدر ما هو مرتبط بالوحدة في صفوف التيارات السياسية على يسار الحزب الاشتراكي التي تخوض مخاضا حقيقيا من أجل التقدم متحدة في لائحة انتخابية واحدة بقيادة وزيرة العمل الحالية يولاندا دياز. في حالة فشل المفاوضات بين أقطاب اليسار الإسباني فان احتمال تشكيل حكومة يمينية في مدريد يظل الأقرب الى التحقق من سواه، الأمر الذي يضع إسبانيا في مأزق حقيقي من خلال الصدام الحتمي بين القوميات. كيف تحكم اسبانيا من طرف تيارات سياسية لا وجود لها في الأقاليم الصناعية الكبرى في البلاد كالباسك و كتالونيا؟ كيف يعود بلد قطع شوطا في دمقرطة مؤسساته و ازالة رموز الفاشية من فضاءه العام الى حكم حزب يريد العودة بالمجتمع الى افكار القومية الشوفينية التي سادت خلال القرن 19م؟
لكن من يدري رب ضارة نافعة. الديموقراطية تصحح نفسها عن طريق التجربة و الخطأ. ربما تنتظرنا في إسبانيا اوقاتا صعبة، لكن هذا بالضبط ما تحتاجه البلاد لافراز مضادات حيوية ضد الشعبوية و العنصرية و التطرف القومي، ربما كان الخطر السياسي القائم بمثابة جرس الإنذار أو المحفز للمجتمع من أجل النضال في الشارع و المؤسسات من أجل تحقيق الاصلاح الدستوري الذي يظل المدخل الأساس لحل المشكل الكتلاني و تحقيق القطيعة مع الماضي الاستبدادي و الاستعماري للدولة الاسبانية الذي مازال يرخي بضلاله القاتمة على السياسة و الثقافة في هذا البلد.
