العرائش نيوز:
يحتفل المغرب، كما باقي دول العالم، في 28 أبريل من كل عام باليوم العالمي للسلامة والصحة المهنية، وهو مناسبة تهدف إلى تعزيز الوعي بأهمية خلق بيئات عمل آمنة وصحية تضمن احترام كرامة الإنسان، وتساهم في رفع مستوى الإنتاجية وتحقيق التنمية المستدامة.
وتزداد أهمية هذه المناسبة في المغرب، حيث يواجه سوق الشغل تحديات متجددة نتيجة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية. ويُعَدّ تعزيز السلامة والصحة المهنية من الرهانات الكبرى لتحقيق بيئات عمل تضمن للعاملين حقوقهم الأساسية وتؤمّن لهم الحماية من المخاطر المهنية والحوادث والإصابات التي قد تهدد حياتهم وصحتهم.
ويأتي الاحتفال باليوم العالمي لسنة 2025 تحت شعار:”إحداث ثورة في الصحة والسلامة المهنية: دور الذكاء الاصطناعي والرقمنة في العمل“، مما يضع المغرب أمام ضرورة تسريع وتيرة التحول الرقمي وتبني الحلول الذكية لمراقبة المخاطر المهنية، وتحسين نظم إدارة السلامة، والارتقاء بثقافة الوقاية داخل المقاولات والإدارات العمومية.
وقد أحرز المغرب خطوات مهمة في مجال تعزيز السلامة المهنية، من خلال إرساء إطار قانوني وتنظيمي يهدف إلى حماية العمال من المخاطر المرتبطة بظروف العمل. وتقوم وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، من خلال مصالحها المختصة، بمجهودات حثيثة في مجال المراقبة والتحسيس والتكوين، وذلك بتعاون مع الفاعلين الاقتصاديين والشركاء الاجتماعيين.
ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات قائمة تتطلب مضاعفة الجهود، خاصة في القطاعات التي تعرف نسبة مرتفعة من المخاطر، مثل قطاع البناء والأشغال العمومية، والصناعة التحويلية، والفلاحة. فالإحصاءات الوطنية تشير إلى استمرار تسجيل نسب مرتفعة من حوادث الشغل والأمراض المهنية، مما يستدعي تبني سياسات أكثر شمولية واستباقية في هذا المجال.
تتداخل قضايا السلامة المهنية في المغرب مع الأبعاد البيئية، حيث تؤثر ظروف العمل المحيطة—من جودة الهواء إلى التعرض للمواد الكيميائية—بصورة مباشرة على صحة العمال. لذا، يشكل إدماج البعد البيئي ضمن استراتيجيات الصحة والسلامة المهنية ضرورة ملحة لتحقيق بيئات عمل سليمة ومستدامة.
كما تلعب مؤسسات المجتمع المدني، إلى جانب القطاع الخاص، دورًا فاعلًا في نشر ثقافة الوقاية، عبر تنظيم حملات تحسيسية، وورشات تدريبية، وبرامج لدعم حقوق العمال في بيئات العمل. وتسعى هذه المبادرات إلى جعل السلامة والصحة جزءًا من الثقافة المؤسسية اليومية، وليس مجرد استجابة ظرفية للأزمات.
ويمثل اليوم العالمي للسلامة والصحة المهنية مناسبة لتجديد الالتزام الوطني بتعزيز الحقوق الأساسية للعمال المغاربة، من خلال توفير الحماية، وضمان الكرامة، وخلق بيئات مهنية محفزة على الإنتاج والابتكار.
فالحفاظ على صحة العمال ليس فقط التزامًا أخلاقيًا وإنسانيًا، بل يعد استثمارًا استراتيجيًا في الرأسمال البشري الوطني، الذي يشكل الدعامة الأساسية لتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وفي هذا الإطار، يبقى التعاون الوثيق بين مختلف الفاعلين—من سلطات عمومية، ومقاولات، ونقابات، ومجتمع مدني—أساسًا لبلورة رؤية شمولية قادرة على الارتقاء بثقافة الوقاية في المغرب، وضمان بيئات عمل أكثر أمنًا، واستدامةً، وعدلًا.

