فيضانات القصر الكبير تكشف وجها آخر للأزمة: عندما تتحول المعاناة إلى مجال للمضاربة

العرائش نيوز:

في خضم الفيضانات التي تضرب مدينة القصر الكبير، وما خلّفته من أضرار جسيمة مست المنازل والبنيات التحتية وأربكت الحياة اليومية للسكان، برز إلى الواجهة وجه آخر للأزمة، لا يقل قسوة عن وقع الكارثة الطبيعية نفسها، ويتمثل في سلوكيات استغلالية انتهجها بعض التجار ومقدّمي الخدمات، ممن اختاروا تحويل معاناة الناس إلى فرصة للربح السريع، فيما بات يعرف شعبيا بـ”تجار المآسي”.

ففي الوقت الذي كانت فيه عشرات الأسر تكافح لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ممتلكاتها، وتبحث عن مأوى آمن بعيدا عن منسوب المياه المتصاعد، فوجئ المواطنون بارتفاع غير مسبوق في أسعار بعض المواد والخدمات الأساسية المرتبطة مباشرة بحالة الطوارئ. إذ سجلت زيادات لافتة في أثمنة الشموع ووسائل الإنارة البديلة، خاصة في الأحياء التي عرفت انقطاعات في التيار الكهربائي، حيث تحولت هذه المواد من حاجيات بسيطة إلى سلع نادرة تباع بأثمان تفوق قيمتها الحقيقية، مستغلة حالة الخوف والحاجة الملحة لدى المتضررين.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل امتدّ ليشمل قطاع النقل، حيث اشتكى عدد من المواطنين من الرفع غير القانوني لتعريفة سيارات الأجرة، سواء داخل المدينة أو في اتجاه المدن المجاورة، في وقت اضطر فيه الكثيرون إلى مغادرة منازلهم بشكل استعجالي، أو التنقل بحثا عن أقارب أو مراكز إيواء. هذا الوضع جعل التنقل، الذي يفترض أن يكون خدمة عمومية منظمة، عبئا إضافيا على أسر أنهكتها الخسائر المادية وعدم الاستقرار.

أما على مستوى الإيواء المؤقت، فقد تم استقبال عدد من المتضررين في قاعات أفراح جرى تجهيزها لهذا الغرض، إضافة إلى شقق سكنية معدّة للسكن، في إطار التدابير المتخذة للتخفيف من آثار الفيضانات وضمان الحد الأدنى من شروط السلامة. غير أن تزايد الطلب على الشقق المفروشة في هذه الفترة دفع بعض الملاك إلى رفع أسعار الكراء بشكل لافت، مستغلين الوضع الاستثنائي، وهو ما اعتبره مواطنون ضربا صريحا لمبدأ التضامن الاجتماعي، خاصة وأن هذه الفئة المتضرّرة وجدت نفسها مضطرة للقبول بشروط مجحفة، في غياب بدائل فورية تضمن لها الحد الأدنى من الكرامة والاستقرار.

كما ظهرت جمعيات المجتمع المدني كفاعل محوري في مواكبة تداعيات الفيضانات، حيث انخرطت عدد من الهيئات الجمعوية في جهود الدعم الإنساني، من خلال تنظيم المبادرات التضامنية، وتقديم مساعدات عينية، والمساهمة في مواكبة المتضررين داخل فضاءات الإيواء، سواء بقاعات الأفراح أو بالشقق السكنية المعدّة للسكن. وقد أظهر هذا الحضور الميداني أهمية الدور الذي يضطلع به النسيج الجمعوي في لحظات الأزمات، وهو ما يبرز الحاجة إلى تعزيز دعم هذه الجمعيات وتأطير تدخلاتها بشكل مستدام، بما يمكنها من الاضطلاع بأدوارها الإنسانية والتكاملية مستقبلا، إلى جانب باقي المتدخلين، في مواجهة الكوارث والطوارئ.

إن ما تعيشه القصر الكبير اليوم لا يقتصر على اختبار قدرتها على مواجهة الفيضانات، بل يمتد ليشمل اختبارا اجتماعيا وأخلاقيا حقيقيا. فمواجهة “تجار المآسي” لا تقل أهمية عن مواجهة مخاطر الطبيعة، فيما يظل التحدي قائما في تحقيق توازن بين منطق السوق ومتطلبات الظرف الإنساني، بما يضمن عدم تحويل معاناة المتضررين إلى مجال للمضاربة والربح غير المشروع، ويكرس في المقابل مبادئ التضامن والانضباط والمسؤولية الجماعية في مواجهة الأزمات.

 

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.