العرائش نيوز:
في ظلمة الليل فوق مياه مضيق جبل طارق الضيقة، تخوض السلطات الأمنية الإسبانية بالتعاون مع شركائها الدوليين، وعلى رأسهم المغرب، حرباً متطورة ضد شبكات تهريب المخدرات التي حولت المنطقة إلى جبهة تكنولوجية ساخنة. لم تعد المواجهة تقليدية، بل تحولت إلى سباق محموم نحو التكنولوجيا، حيث تتبنى العصابات أساليب جوية متقدمة تتجاوز الزوارق السريعة المعتادة. ففي عملية مزدوجة تكشف عن هذا التصعيد، أعلنت السلطات الإسبانية عن تفكيك شبكتين إجراميتين متطورتين خلال فترة زمنية متقاربة، تعكسان سعياً إجرامياً مستمراً للتحايل على الرقابة.
العملية الأولى، التي حملت اسم “خيرو” (Giro)، كشفت عن نمط نادر ومكلف، حيث استخدمت الشبكة الإجرامية مروحية لنقل شحنات ضخمة من الحشيش من المغرب إلى السواحل الإسبانية. وكانت كل رحلة تحمل بين 500 إلى 900 كيلوغرام، حيث تُهبط في مناطق نائية في مقاطعات ألمرية ومالقة ومرسية قبل إخفاء الحمولة في مستودعات أو مزارع تمهيداً لتوزيعها في أوروبا. وأسفرت العملية عن توقيف ستة أشخاص، ومصادرة 657 كيلوغراماً من الحشيش، والمروحية المستخدمة نفسها، بالإضافة إلى خمس قطع سلاح ناري ومركبات ومبالغ نقدية. لكن هذا الأسلوب، رغم ضخامته، ليس الوحيد. فقبل أسابيع فقط، كشفت عملية أخرى أطلق عليها اسم “روشي” (Ruche) عن قفزة تكنولوجية أخطر، تمثلت في استخدام طائرات مسيرة (درونز) عالية التطوير ومعدلة خصيصاً للتهريب. كانت هذه الشبكة، التي ضمت عناصر من دول أوروبية أخرى، تعمل بطريقة منهجية، حيث كانت تطلق الطائرات ذاتية الصنع والطويلة المدى (أكثر من 200 كم) ليلاً من إسبانيا إلى المغرب، لتعود محمَّلة بحوالي 200 كيلوغرام من الحشيش وتلقي حمولتها في مواقع محددة باستخدام إشارات ضوئية وأجهزة تتبع. تم ضبط 8 طائرات مسيرة جاهزة و10 أخرى قيد التجميع، مع أكثر من 150 كيلوغراماً من المخدرات و320 ألف يورو نقداً.
هذه الأساليب الجوية المتطورة هي جزء من مشهد أوسع وأكثر عنفاً لتهريب المخدرات في المنطقة، الذي يستغل قرب المسافة الجغرافية (14 كم فقط في أضيق نقطة بالمضيق). فلا تزال المطاردات البحرية المحمومة مع زوارق “الناركو-بوت” السريعة أمراً يومياً، بينما تظهر غواصات بدائية محمَّلة بأطنان من الكوكايين قادمة من المحيط الأطلسي. وقد أدى الضغط الأمني إلى تحويل مسارات التهريب نحو سواحل غربية جديدة في إسبانيا، ورافق ذلك تصعيد مسلح مقلق حيث باتت العصابات تتسلح بأسلحة هجومية لحماية عملياتها المربحة، والتي قد تدر ملايين اليوروات في الشحنة الواحدة. في مواجهة هذا التحدي العابر للحدود، يبقى التعاون الأمني الدولي، كما ظهر جلياً في هاتين العمليتين مع المغرب ودول أوروبية أخرى، هو السلاح الأساسي والأكثر فعالية لتفكيك هذه الشبكات المعقدة ومصادرة أدواتها التكنولوجية الفتاكة قبل أن تنجح في تحويل مضيق جبل طارق إلى معبر مفتوح للإجرام المنظم.
