العرائش نيوز:
أعاد الهرم الغذائي الجديد، الذي أعلنت عنه وزارتا الصحة والخدمات الإنسانية والزراعة في الولايات المتحدة ضمن الإرشادات الغذائية للأعوام 2025–2030، نقاشا في الأوساط العلمية والطبية، كما حظي باهتمام واسع على مواقع التواصل الاجتماعي.
وجاء هذا الهرم بصيغة مختلفة عن النماذج السابقة، إذ أعاد ترتيب المجموعات الغذائية، مقدما البروتينات ومنتجات الألبان والدهون الطبيعية، مقابل تراجع الحبوب الكاملة إلى قاعدة الهرم، في خطوة وصفت بأنها تحول جذري في فلسفة التغذية الرسمية، وعودة إلى مفهوم “الطعام الحقيقي” في مواجهة الأغذية فائقة المعالجة.
هذا التحديث، الذي قدم في إطار مراجعة السياسات الغذائية الرسمية، فتح المجال أمام تساؤلات حول خلفيات هذا الاختيار ودلالاته الصحية، وحول مدى ارتباطه بالتحولات التي يعرفها نمط العيش والعادات الغذائية وانتشار الأمراض المرتبطة بالتغذية، ليعيد طرح النقاش حول مفهوم الهرم الغذائي وحدود دوره كأداة توجيهية للصحة العامة.
من الكم إلى النوع
في هذا السياق، توضح أخصائية الحمية والتغذية وأستاذة التعليم العالي أسماء زريول أن الهرم الغذائي الجديد لا يمكن قراءته كنسف للنماذج السابقة، بل باعتباره “إعادة صياغة فلسفية لفهم الغذاء”، تقوم على الانتقال من التركيز على الكمية إلى التركيز على جودة الغذاء.
وتضيف زريول، في تصريحها لـSNRTnews، أن هذا التحديث جاء لمواكبة العادات الغذائية الخاطئة السائدة حاليا، وليس لأن الهرم القديم كان خاطئا في جوهره. فالتغيرات التي عرفها نمط الحياة، وأساليب الأكل، وارتفاع نسب السمنة والأمراض المزمنة، تفرض مراجعة التوصيات الغذائية، خاصة أن السياق الاجتماعي والاقتصادي الذي وضع فيه الهرم القديم كان مختلفا جذريا، حيث كان العالم آنذاك يعاني من نقص في السعرات الحرارية، بعكس وفرتها المفرطة اليوم.
وتشير أخصائية التغذية إلى أن من أبرز نقاط قوة الهرم الجديد “إنصافه للخضر”، إذ وضعها في مستوى متقارب من حيث الأهمية مع البروتينات، دون الدعوة إلى الإفراط في استهلاك اللحوم، فالجديد ليس زيادة كبيرة في كمية البروتينات، بل منحها مكانة متوازنة إلى جانب الخضر، مع جعل هذه الأخيرة أساس النظام الغذائي.
كما تؤكد أن من المغالطات الشائعة الاعتقاد بأن الهرم الغذائي القديم كان يقصي البروتينات، بينما الواقع أنه كان يوصي بها بكميات أقل، انسجاما مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية السائدة في تلك المرحلة.
وتلفت زريول إلى أن توصيات التغذية الحديثة رفعت حصة البروتين إلى ما بين 1.2 و1.6 غرام لكل كيلوغرام من وزن الجسم، خاصة للوقاية من “الساركوبينيا” أو ضمور العضلات، لكن هذه التوصيات تبقى مرتبطة بالحالة الصحية ومستوى النشاط البدني لكل فرد، ولا يمكن تعميمها بشكل مطلق.
الحبوب بين الجدل وسوء الفهم
ومن بين أبرز الانتقادات الموجهة إلى الهرم الغذائي الجديد، وضع الحبوب الكاملة في أسفل الهرم، وهو ما فسر من طرف البعض كتقليل من قيمتها الغذائية، غير أن زريول ترى أن المشكلة الصحية لا تكمن في الحبوب بحد ذاتها، بل في الإفراط في استهلاك الحبوب المكررة.
وتؤكد أن الحبوب الكاملة، والخبز الكامل، والقطاني، لا تزال مكونات أساسية في النظام الغذائي الصحي، مشيرة إلى أن الهرم القديم كان يوصي بالحصول على كميات كبيرة منها، في حين خصص الهرم الجديد حيزا أصغر للسكريات، وهو ما يعكس تحولا في معالجة العادات الغذائية للمستهلك، أكثر مما يعكس إقصاء لمجموعة غذائية بعينها.
كما يضع الهرم الغذائي الجديد حدا للخوف من الدهون، حيث انتقل العلم من مرحلة الخوف من الدهون إلى مرحلة التمييز النوعي بينها، لأن الجسم، حسب الأبحاث الحديثة، يحتاج إلى كميات معتدلة من الدهون الطبيعية لأداء وظائف حيوية أساسية، من بناء أغشية الخلايا وصحة الدماغ إلى تنظيم التواصل الهرموني ومصدر للطاقة.
وتوضح أن الدهون الطبيعية، على عكس الزيوت المهدرجة والمصنعة، لم تعد تصنف كعدو لصحة القلب، بل كشريك أساسي للصحة، خاصة أنها الوسيلة الوحيدة لامتصاص الفيتامينات الذائبة في الدهون (A وD وE وK).
وتشير دراسات كبرى إلى أن الخطر الصحي لا يكمن في الدهون الطبيعية، بل في “التحالف القاتل” بين الدهون والسكريات والنشويات المكررة.
ويرتبط مفهوم “الطعام الحقيقي”، الذي يشكل جوهر هذا التحديث، بالدعوة إلى الابتعاد عن الأغذية فائقة المعالجة، مع ربط التغذية بصحة الأمعاء (الميكروبيوم) وحتى بالصحة العصبية.
كما يقدم هذا التوجه حلولا مستدامة تناسب الميزانيات المحدودة، من خلال دمج الحبوب والبقوليات، مثل العدس والأرز، لإنتاج بروتين كامل بتكلفة منخفضة، وهو ما يعزز البعد الاجتماعي والاقتصادي للتوصيات الغذائية.
الهرم الغذائي… دليل عام لا وصفة جاهزة
وتؤكد أخصائية الحمية والتغذية أن الهرم الغذائي، سواء القديم أو الجديد، لا يجب التعامل معه كوصفة طبية جاهزة، بل كدليل عام. فالهرم الغذائي، في تعريفه، هو تمثيل مبسط لطريقة تنظيم الطعام اليومي، يهدف إلى مساعدة الأفراد على تحقيق التوازن الغذائي الضروري للطاقة والصحة العامة، من خلال توزيع نسبي لمجموعات الطعام.
وتعود زريول إلى الجذور التاريخية للهرم الغذائي، مشيرة إلى أنه لم يصمم في الأصل لتعليم الناس “النظام الغذائي المثالي”، بل كان نتيجة ظروف نقص الغذاء خلال الحرب العالمية الثانية، حين أصدرت وزارة الزراعة الأمريكية سنة 1943 دليلا لتدبير توزيع الطعام، وتم تقسيم الطعام في هذا الدليل إلى سبع مجموعات، مثل الخبز والحبوب والفواكه والخضروات واللحوم والدواجن، مشيرة إلى أن النظام الغذائي عرف مجموعة من التغيرات على مستوى الهرم ثم الطبق الغذائي الذي قد بدوره أهمية كبرى للحوم والخضر.
وفي ختام تحليلها، تعتبر زريول أن الهرم الغذائي الجديد أصاب في تشجيع استهلاك الخضر والفواكه المتنوعة، لكنه يظل غير كاف لفهم التغذية الصحية بشكل شامل، خاصة إذا لم يراعِ الفوارق الاقتصادية والاجتماعية، فهذه التوصيات تفترض قدرة شرائية وإمكانية متابعة طبية قد لا تتوفر لغالبية سكان الدول النامية.
