آدم ماسينا ..فيلسوف الأسود

العرائش نيوز:

– علي انوزلا

ليس مألوفًا أن نربط كرة القدم بالفلسفة، ولا اللاعبين بالتأمل الفكري العميق. ومع ذلك، ثمة أسماء تكسر هذا القالب الجاهز، وتعيد إلى الرياضة مفهومها القيمي الأول. من بين هذه الأسماء، يلتقي مساران متباعدان جغرافيًا وزمنيًا، المغربي آدم مسينا، والبرازيلي سقراط. مساران مختلفان، لكن ثمة أكثر من نقطة تجمع بينهما: ثقافتهما، عمق تفكيرهما، حبهما للفلسفة، استشهادهما بأسماء فلاسفة كبار في أحاديثهما، نظرتهما إلى الرياضة وتمثلهما لقيمها الحقيقية، وطريقة لعبهما النظيفة التي تعتمد على العقل والتفكير قبل الجهد والجسد، إضافة إلى أخلاقهما داخل الملعب وتواضعهما خارجه.

آدم مسينا، كما يكشف في حواراته على يوتيوب، لا يرى كرة القدم مجرد مهنة أو سباق ألقاب، بل يعتبرها “جزءًا مكثفًا ومختصرًا من الحياة”. وحديثه عن الفلسفة ليس ترفًا لغويًا، بل امتدادًا لتجربة شخصية اختار فيها، منذ الباكالوريا، الاشتغال على جدلية الروح والجسد عند أفلاطون وشوبنهاور. ومن خلال تصريحاته، يرى في الفلسفة بوصلة تساعد على البحث عن إجابات تتجاوز اللحظة والذات، ويقدّم، من خلال نظرته إلى كرة القدم، تصورًا أقرب إلى فلسفة عملية للرياضة، تُفهم فيها الممارسة الرياضية بوصفها فضاءً لتكثيف التجربة الإنسانية، لا مجرد سعي نحو النتائج. ومن هذا المنطلق، تتحول مباراة كرة القدم، بالنسبة إليه، إلى لحظة اختبار لقيم كبرى مثل الصبر، والانضباط، وإدارة التوتر، والقدرة على اتخاذ القرار تحت الضغط.

هذا الوعي ينعكس على طريقة لعب المدافع المغربي، الذي يوصف بـأنه دفاع نظيف، وتمركز ذكي، وتدخلات محسوبة، ولعب بسيط يرفض المجازفة غير الضرورية. مسينا لاعب “عقل” أكثر منه لاعب استعراض، يقرأ الخصم كما تُقرأ رقعة شطرنج، ويؤمن بأن القرار يسبق الحركة، وأن الانضباط أهم من الهوس بالنجاح.

قبل عقود، جسّد سقراط البرازيلي المعنى نفسه، ولكن في سياق آخر. طبيب، مثقف، ومناضل سياسي، رأى في كرة القدم فعلًا اجتماعيًا لا ينفصل عن الحرية والديمقراطية. لعب بلمسة واحدة ورؤية استثنائية، وقاد تجربة “ديمقراطية كورينثيانز” متحديًا الديكتاتورية، ومؤمنًا بأن القيمة لا تُقاس بالكؤوس فقط. وفي مونديال 1982، قاد منتخبًا يُعد من أجمل المنتخبات في تاريخ كرة القدم، إلى جانب زيكو وفالكاو وسيريزو، ورغم هزيمته أمام إيطاليا في مباراة أسطورية، خرج منها منتصرًا بعدما تحوّل إلى رمز لكرة القدم الجميلة، مفضّلًا الخسارة النبيلة على الانتصار الفارغ بلا معنى.

بين مسينا وسقراط مسافتان وسياقان، لكن خيطًا رفيعًا يربط بينهما، كونهما يجسدان نموذج اللاعب المثقف الملتزم، وينظران إلى كرة القدم بوصفها فلسفة حياة، في زمن تحولت فيه اللعبة إلى صناعة تُدرّ المليارات. زمنٍ يذكّرنا فيه “فيلسوف الأسود” و”الدكتور سقراط” بأن الرياضة، في جوهرها، قيم، وأخلاق ووعي وإنسان، قبل أن تكون نتيجة، أو تتحول إلى صراخ هستيري وشوفينية مقيتة، ووطنية زائفة..


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.